رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لداعي السفر، كنت قد كتبت مقالي الأسبوعي وسلمته بعد ظهر يوم السبت، لكي يتم صفه وتوزيعه خلال اليومين التاليين. ودعوت فيه إلى انسحاب المهندس خيرت الشاطر واللواء عمر سليمان من الترشيح للرئاسة، حيث اعتبرت أن الرجلين كانا بمثابة قنبلتين انفجرتا في وجوه المصريين وأربكت كل الحسابات. لم أشر إلى المرشح حازم أبوإسماعيل لأنني تصورت أن موضوع جنسية أمه الأمريكية محسوم، وأنه سيخرج من السباق لأسباب قانونية. من ثَمَّ وجدت أن خروج الرجلين الآخرين (الشاطر وسليمان) له ضرورته من الناحية السياسية.. وإن كان قرار لجنة الانتخابات باستبعادها المبدئي قد أضاف أسبابا أخرى قانونية.
فاجأني قرار استبعاد المرشحين الذي صدر، وكنت مخيرا بين وقف ظهور المقال وبين نشره لإيضاح الأسباب السياسية التي تستدعي خروج الرجلين من قوائم المرشحين، خصوصا أن باب الطعن في قرار اللجنة ظل مفتوحا لمدة 48 ساعة، وليس من اليسير تحديد موقفهما النهائي قبل النشر، إليك نص المقال المكتوب قبل إعلان قرار لجنة الانتخابات.
ــ1ــ
حين يصبح الخوف على الثورة في مصر عنوان المرحلة الراهنة، فإن استنفار الجماعة الوطنية واحتشادها لإبعاد شبحه بأي ثمن يصبح واجب الوقت. أحدث مشاهد الخوف تبدت حين لاح في الأفق فجأة شبح مبارك مرة أخرى، حين ظهر أمامنا في شخص نائبه وصفيه اللواء عمر سليمان، الذي قال عنه أحد خبراء المخابرات المركزية الأمريكية أنه هو ومبارك لم يكونا شخصين، ولكنهما كانا شخصا واحدا.
لم يكن انفجار قنبلة ظهور مبارك الآخر في وجوهنا هو المفاجأة الوحيدة، لأن ملابسات ذلك الدخول حفلت بمفاجآت أخرى. إذ يعد إحجاما وإقداما استغرقا في العلن نحو ثلاثة أيام فوجئنا بأن 49 ألف توكيل رتبت للرجل في أقل من 24 ساعة، فيما وصفه اللواء سليمان بأنها «معجزة تمت بتسهيل رباني». ولأن مبلغ علمنا أن عصر المعجزات انتهى، فإن ظهور تلك المعجزة لصالح ترشح اللواء سليمان لا تستطيع أن نسلم به بسهولة. بكلام آخر فإن جمع ذلك العدد الكبير من التوكيلات، وحديث الرجل عن عشرات الألوف من التوكيلات الأخرى التي لم تصل إلى القاهرة بسبب محدودية الوقت، هذا الكلام لم يهضمه المجتمع بسهولة، فتحدث البعض عن دور لرجال المخابرات العامة في جمع توكيلات من ألوف المجندين للقوات المسلحة. وتحدث آخرون عن أن الفلول في أحد النوادي الكبرى أقاموا مركزا لهم وطلبوا من أعضاء النادي أن يسندوا اللواء سليمان، وهذا ما فعله فريق آخر من الفلول الذين يملكون بعض المصانع، وطلبوا عمالهم نفس المطلب.
لكن ذلك في كفة وموقف المجلس العسكري من ترشيح اللواء سليمان في كفة أخرى. ذلك أنني لست واثقا من أن المجلس يقف حقا على مسافة واحدة من كل المرشحين للرئاسة. ولست واثقا مما قاله صاحبنا لزميلنا عادل حمودة في صحيفة «الفجر» من أنه يرفض أن يكون مرشح المجلس العسكري. كما أنني لا أستطيع أن أقتنع بسهولة بأن عناصر المخابرات العامة التي رأسها طوال عشرين عاما يمكن أن تكون بعيدة عن الموضوع.
ثمة همس يعتمد على قرائن متوفرة تشير إلى أن ثمة أعدادا للتدخل لصالحه في انتخابات الرئاسة القادمة التي ستجرى في لجان المصريين بالخارج، وهى التي تنعقد بعيدا عن الأعين في السفارات، ومعروف أن تلك السفارات تضم في العادة ضباطا تابعين للمخابرات العامة، وأن قدموا بصفات أخرى. ومعلوماتي أن هذا الموضوع وبعض القوائم التي تسربت محل بحث الآن في إحدى الجهات المعنية.
ــ2ــ
كنت قد تحدثت من قبل عن «غسل» عمر سليمان الذي يقوم به بعض أعوان النظام السابق من إعلاميين وأصحاب مصالح، كما ذكرت أن اللعب صار على المكشوف في الساحة السياسية، حيث سقطت الأقنعة ــ أغلبها إن شئت الدقة ــ ولم يعد رجال مبارك يستحون من التعلق بشخصه وزمانه، بعدما ظلوا حريصين على إخفاء هذه «العورة» طوال الخمسة عشر شهرا الماضية.
لقد ذهب البعض ــ كما تحدث هو شخصيا ــ إلى أن معارضي ترشيح اللواء سليمان يخشونه. وهذا ليس صحيحا على الإطلاق لأن هؤلاء ينسون أن الرجل رمز لنظام ثار عليه المجتمع، وأن دوره في خطايا النظام وجرائمه السياسية لا يمكن أن ينسى أو يغتفر. يكفي أنه منذ توليه منصبه وطوال عشرين عاما كان بمثابة مبارك الآخر، كما قيل بحق. وهو ما يعني أن معارضه ترشيح الرجل لم تنطلق من الخوف منه، ولكنها كانت نفورا مما يمثله وخوفا على البلد.
الذي لا يقل سوءا على ذلك أن ملابسات دخول الرجل إلى الحلبة أثارت شكوكا حول حقيقة الدور الذي يقوم به المجلس العسكري، ليس في الوقت الراهن فحسب وإنما في ترتيب أوراق المستقبل أيضا. بل إن تلك الشكوك دفعت البعض إلى التساؤل عن احتمالات التسامح في التلاعب في نتائج الانتخابات الرئاسية.
ما قلته بخصوص ترتيب أوراق المستقبل لا ينصرف إلى مستقبل البلد فحسب، وإنما أيضا إلى مستقبل دور القوات المسلحة وموقعها في الدستور الجديد. إذ المعلومات المتوفرة أن المجلس العسكري مصر على النص في الدستور على خصوصية وضع القوات المسلحة في الدفاع عن النظام السياسي، وعلى عدم مناقشة تفاصيل موازنته في مجلس الشعب. وأمام إصرار القوى الوطنية على رفض المطلبين ــ الذين سبق أن استجابت لهما ما سمى بوثيقة الدكتور السلمي والتعامل مع القوات المسلحة كأي مؤسسة أخرى مقدرة في المجتمع، فإن المجلس العسكري ربما يكون قد أثر أن يساند رئيسا من «آل البيت» يحقق له ما يريد.
ــ3ــ
توقيت ومناخ دخول السيد سليمان إلى حلبة المنافسة لابد أن يثير الانتباه. ذلك أن أحدا لا يشك في أنه اختار لحظة استشعر فيها الناس الخوف من تزايد نفوذ الإسلاميين بعد انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وفي الحديث الذي أجراه الرجل لجريدة الفجر، قال صراحة إنه دخل في السباق لأسباب عدة على رأسها «إنقاذ» البلاد من هيمنة الإسلاميين، وهذا الخوف له أسبابه المتعددة. فمن ناحية ينبغي الاعتراف بأن ثقافة الخوف من الإسلاميين والعداء لهم مستقرة في أوساط عدة، وأن عملية التخويف التي سادت في الدوائر السياسية والإعلامية المصرية لم تتوقف وإنما استمرت بعد سقوط النظام. وإذا كانت عملية التخويف تتم في الماضي بسبب وبغير سبب، فما بالك إذا أصبح السبب مؤكداً وملموسا. ذلك أننا يجب أن نعترف بأن الإخوان المسلمين أخطأوا في قراءة الواقع حين ألقوا في الساحة بقنبلة أخرى تمثلت في ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية خلافا لما وعدوا به. وأخطأوا حين تراجعوا عن نسبة تمثيل مجلس الشعب والشورى في اللجنة التأسيسية، فرفعوها إلى 50? بدلا من الإعلان المبكر عن 40?. وأخطأوا في التطلع إلى تشكيل الحكومة والتسرع في طلب سحب الثقة من حكومة الدكتور الجنزوري. وحين ترأسوا مجلس الشعب والشورى واللجنة التأسيسية التي يفترض أن تقوم بإعداد الدستور، وضغطوا لأجل تشكيل الحكومة برئاستهم، ثم رشحوا أحد قياديهم لرئاسة الجمهورية. حين فعلوا ذلك فإنهم أزعجوا المجتمع وخوفوا طبقته السياسية ودفعوا الناس إلى تصديق الكثير مما كان ينسب إلى موقفهم من السلطة. لا أتحدث عن الموقف القانوني الذي قد يكون سليما، لكنني أتحدث عن الرؤية الاستراتيجية والملاءمة السياسية حتى أزعم أن الخائفين من الإخوان تأكدت مخاوفهم، والمحبين للإخوان توجسوا منهم. أما المحايدون فقد خسر الإخوان أغلبهم، بسبب التعبئة الإعلامية التي تصيدت أخطاءهم. وكانت النتيجة أننا تابعنا على شاشات التلفزيون استغاثات لبعض الإعلاميين دعت المجلس العسكري إلى التدخل لوقف زحف الإخوان وإمساكهم بمفاتيح ومفاصل الدولة. وشاهدنا رسوما كاريكاتورية سوغت الاحتماء بالعسكر واعتبرته أمرا مَّرا، وبررت ذلك بأن بديلهم (الإخوان) أكثر مرارة. في توظيف للمثل الشائع الذي يقول فيه واحد لصاحبه ما الذي دفعك إلى المر، فرد عليه قائلا إنه الأمر منه.
إذا كان الإخوان قد خوفوا المجتمع فإن السلفيين أكملوا المشهد بترويعهم، للناس خصوصا أن الإعلام لم يقصر في الفضح والاصطياد، حتى صَّور السلفيين وحوشا تتأهب للانقضاض على المجتمع وتقييد الحريات العامة والخاصة. وحينما وزعت عناصر حزب التحرير الإسلامي للافتات التي دعت إلى إقامة الخلافة فإنهم زادوا الطين بلة ودعوا القاصي والداني إلى المسارعة بالانضمام إلى معسكر المذعورين والخائفين.
ــ4ــ
في النهاية صرنا بين خوفين يعذبان المصريين. خوف مؤكد من مبارك الآخر الذي خبرناه. وخوف مظنون من الإخوان والسلفيين الذين لم يحسنوا قراءة المشهد أو التعاطي معه. وأضيف إليهما خوفا ثالثا على الثورة التي غَّيبت في خضم التجاذب وصراع القوة والنفوذ ــ لا أعرف إلى أي مدى ارتياح المجلس العسكري لهذه الحصيلة، التي أوقفت حملة انتقاده في وسائل الإعلام، وأقنعت البعض بأن نار العسكري أفضل من جنة مبارك أو جنة الإخوان، كما عبرت عن ذلك بعض الرسوم الكاريكاتورية. وهناك من يتحدث عن أي من شأن ذلك التجاذب ليس فقط أن يطمئن المجلس العسكري ولكنه ربما أفضى إلى إطالة أمد بقائه في السلطة، وربما قوى مركزة بحيث حقق ما يريده في نصوص الدستور.
لابد أن نلاحظ أيضا أن بقية الأحزاب السياسية تعاني الحيرة، ناهيك عن هشاشة بنيانها وقلة حيلتها. خصوصا في ظل الشعور بأن الإخوان لم يستجيبوا لرغباتهم، وهو ما اعبتروه إقصاء لهم. بسبب من ذلك فإن بعضهم انحازوا إلى عمر سليمان إما مراهنة عليه أو كيدا في الإخوان والسلفيين، البعض الآخر ومعهم ائتلافات الثورة رفضوا الاثنين، ولم يستقروا على صيغة للتوافق بعد. وربما تحقق ذلك إذا أعيد تشكيل لجنة وضع الدستور بحيث تصبح أكثر قبولا من الجميع.
ما يهمني في كل ما يجري ــ ويخيفني أيضا ــ هو مستقبل الثورة والآمال الكبار المعلقة عليها. ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي أيضا. لذلك فإنني أقترح حلا للإشكال يهدئ من روع الجميع ويبدد الخوف الذي ينتابهم. ذلك أن المرشحين جميعا حين تقدموا لخوض غمار المنافسة، قالوا لنا إنهم بذلك يلبون نداء الوطن. وإذا كانت رياح الخوف قد ضربت الوطن وأشاعت البلبلة في أرجائه بعدما رشح الإخوان المهندس خيرت الشاطر، فإن تلك الرياح اشتدت وتحولت إلى إعصار عقب ظهور اللواء عمر سليمان في الأفق، ولأن الأمر كذلك فإن اقتراحي المحدد هو أن يتنازل الاثنان عن الترشح لكي يسكن الإعصار وينزع فتيل الأزمة ويعود الهدوء إلى ساحة الوطن، لتواصل الثورة تقدمها، فيوضع الدستور وينتخب الرئيس ويعود العسكر إلى ثكناتهم، ليهدأ بال المصريين وتأوي «بهية» إلى فراشها قريرة العين.
إن انسحاب الرجلين لإنقاذ الثورة والحفاظ على تماسك الجماعة الوطنية بات نداء الوطن وواجب الوقت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4842
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026