رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل مشهد إنساني عالمي قد اكتظ بكل ما يمكن وصفه بالتحديات المعقدة والمترابطة في آن واحد من كوارث طبيعية وما تخلفه من أزمات ونزوح وتشريد مع ازدياد مطرد فيما أصبح يطلق عليه آثار تغييرات المناخ مثل كوارث التسونامي والفيضانات والزلازل المدمرة، ناهيك عن دورات الجفاف التي تتسبب في نفوق الكثير من الحيوانات والمراعي الخضراء وتقضي على الأخضر واليابس والتي دقت ناقوس الأمن الغذائي الذي غدا في خطر محدق ومحقق.
ولا يتوقف المشهد الإنساني عند ذلك، فإن وتيرة النزاعات والحروب الأهلية والعنف المتطرف كالإرهاب بكل أشكاله وما يرافق ذلك من انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني الذي تساقطت كل أوراق التوت المتبقية من أشجاره من أطراف النزاع، في ظل حالة تسييس مستمر للمساعدات الإنسانية وتراجع احترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان بين أطراف النزاع في مناطق كثيرة من العالم لاسيَّما في منطقة الشرق الأوسط مما يهدد الأمن والاستقرار ويحول دون تحقيق الحد الأدنى من الحماية كما هي الحالة في مناطق مثل مضايا وحمص وحلب وغيرها في سوريا، وفوق هذا وذاك استمرار تزايد آلام ومعاناة الأطفال والنساء من الدمار والعنف المفرط وويلات التشريد القسري وموجات اللجوء واسعة النطاق.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد وحسب فإن منظومة الاستجابة الإنسانية العالمية ذاتها لم تتمكن من القيام بدور فاعل وإيجابي في مواجهة تلك التحديات والأزمات كما ينبغي، فمن ناحية هناك أزمات ممتدة قد أصبح أهلها في حكم المنسي والتاريخ في ظل حالة لجوء مستعصية ناهزت نصف قرن تقريبا دون إيجاد حلول ناجعة ونهائية لأوضاعهم وما يواجهون من تحديات، ومن ناحية أخرى تتنافس المنظمات الدولية بما فيها برامج الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية على التمويلات والتي تصبح شحيحة من جهة في بعض الأحيان وتدار في أحيان كثيرة بطرق وأساليب غير كفؤة، فضلًا عن أنها تنم عن روح ابتكار وإبداع تسخر التكنولوجيا وعصر المعلومات والاتصالات لصالح استجابة ذات فاعلية ونجاعة عالية، كما أن التمويل المخصص من منظومة التمويل الدولية الإنسانية لمنظمات الجنوب لم يتجاوز 2% من إجمالي التمويلات للاستجابة الإنسانية، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة من أجل تطوير نظم الاستجابة الإنسانية الطارئة وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، إلا أن العالم لا يزال يشهد تزايدًا أكبر في رقعة التحديات الإنسانية واتساع الفجوة بين قدرات وطاقات المنظومة الإنسانية العالمية على القيام بالاستجابة الفعالة وبين طبيعة ومستويات التحديات الإنسانية.
أطلق الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون وبحكم صلاحياته عملية تشاورية واسعة النطاق والاختصاصات تشمل أطرافًا متعددة بما فيها ممثلو الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية الدولية والمؤسسات البحثية والمالية والقطاع الخاص وممثلو المجتمعات المتضررة ورجال الدين وغيرهم من الأطراف المعنية بغرض التباحث حول مستقبل المنظومة الإنسانية العالمية وقد استغرقت العملية التشاورية ثلاثة أعوام تقريبًا، وقد شارك في تلك المشاورات حوالي 23 ألف شخص حول العالم وبتكلفة بلغت 24 مليون دولار، اعتبرت أكبر عملية تشاورية تقوم بها الأمم المتحدة في تاريخها على الإطلاق ولكنها ليست عملية تشاورية بين الحكومات مثل قمة التنمية المستدامة التي عقدت في نيويورك في شهر سبتمبر من عام 2015م أو قمة أطراف المناخ في باريس في شهر ديسمبر 2015 م.
اشتملت التحضيرات للقمة الإنسانية العالمية على ثمانية مشاورات إقليمية على مستوى العالم وثلاثة مشاورات على مستوى الخبراء الدوليين بالإضافة إلى المشاورات الموضوعاتية والمفتوحة عبر الشبكة العنكبوتية وقد تم الخروج بتقرير أطلق عليه التقرير التجميعي للقمة الإنسانية العالمية وبناءً على ذلك أصدر الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون تقريره الذي يلخص رؤيته حول المنظومة الإنسانية العالمية كخارطة طريق نحو المستقبل، وتبدأ أعمال القمة الإنسانية في إسطنبول 23-24 من شهر مايو القادم عام 2016م.
يرى الأمين العام للأمم المتحدة ضرورة تحلي القيادات السياسية في العالم بمسؤولية تجاه إنهاء النزاعات السياسية ومنع نشوبها وذلك أن الإنسانية يجب ألا تستمر ضحية التقاتل من أجل الأطماع السياسية وأن يتم تجنيب الإنسانية ويلات النزاعات عبر التفكير في طرق وبدائل تنهي النزاعات والعنف المصاحب عبر الوساطات الدبلوماسية والعمل بالوسائل السليمة الكفيلة بوضع حد لتلك النزاعات، ويحث الأمين العام قادة وزعماء العالم على التعهد من أجل هذه المسؤولية الأساسية.
وإن لم يكن بد من النزاع والاقتتال فعلى جميع أطراف النزاع التمسك بالمعايير الإنسانية وصيانة القواعد والمبادئ الخاصة بالعمل الإنساني والامتثال للقانون الدولي الإنساني وهذه هي المسؤولية الثانية التي يؤكد عليها الأمين العام.
ولما كانت النزاعات تخلف وراءها التشريد القسري واللجوء فإن الأمين العام يذكر المجتمع الدولي بالمسؤولية تجاه ألا يتخلف وراءنا أحد وألا يتم إغفال أحد في ظل مرحلة تجاوز فيها اللجوء في العالم أكثر من 60 مليون شخص تقريبا وهو رقم غير مسبوق، وتترافق حالات النزاعات بالعديد من جرائم الاضطهاد والاستغلال وبالخصوص للفئات الضعيفة واستغلالهم بأشكال منافية للإنسانية والأخلاق.
ويشدد الأمين العام في المسؤولية الأساسية الرابعة على ضرورة تغيير حياة الناس والتحول من تقديم المساعدات إلى إنهاء العوز والحاجة وهذا يتطلب وجود إستراتيجيات تربط العمل الإغاثي العاجل والآني بالعمل التنموي الطويل المدى، وبالتالي يتم سد الفجوة الراهنة في المنظومة الإنسانية في الأزمات الممتدة والطويلة والتي يتم التغافل عنها ولا يتم وضع حلول نهائية لها وتصبح كالخاصرة الرخوة التي تنتقل من حالتها الأولى إلى حالة جديدة تتعافى من الماضي وأثقاله.
ويؤكد الأمين العام للأمم المتحدة في المسؤولية الأساسية الخامسة على ضرورة الاستثمار في التنمية البشرية وتطوير نظم التمويل الإنساني مع التشديد على الشفافية المالية وابتكار وسائل جديدة لتجاوز أزمات عجز التمويل الإنساني.
يأتي انعقاد قمة العمل الإنساني في ظل انتقادات حادة قد تم توجيهها إلى الأمم المتحدة نتيجة عجزها الكبير في إيصال المساعدات في سوريا على وجه الخصوص، وعدم التمكن من إيقاف تدمير المستشفيات والمقرات المدنية من الروس والنظام السوري، خصوصا ما شاهده العالم في حلب وغيرها من انتهاكات خطيرة وجسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وقد احتجت منظمة أطباء بلا حدود وقررت الانسحاب من القمة في بيان ألقته في مجلس الأمن قبل فترة وجيزة من انطلاق أعمال القمة وذلك لعدم ثقتها من مخرجات ونتائج القمة بما يمكن أن يسد الرمق أو يوقف الرقع الذي اتسع على كل راقع.
وعلى الدول العربية والخليجية والمنظمات الإنسانية أدوار كبيرة إنسانية مرتقبة من أجل الإسهام في تغيير واقع الإنسان العربي في ظل أوضاع كارثية وعنف شديد وتوحش خطير لم يمر به العالم من قبل، ولعلي أختم فأقول: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12177
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10668
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026