رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من المتوقع أن يعقد حزب المؤتمر الشعبي العام ـ الذي مازال الرئيس السابق علي عبدالله صالح يتزعمه ـ مؤتمره العام الثامن هذه الأيام بالتوافق مع الذكرى الثلاثين لتأسيسه التي حلت أمس الجمعة، لكن كما يبدو ليس هناك في الأفق القريب أي مؤشرات على انعقاده خلال الأسابيع القليلة القادمة.. ولعل الأمر مرتبط بطبيعة العلاقة الراهنة التي تجمع الرئيس السابق مع الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي الذي يحتل في ذات الوقت موقع النائب الأول للحزب وأمينه العام، وهي علاقة أقل ما يمكن أن تتصف به أنها تمر بمرحلة من الجمود وانقطاع التواصل المباشر وليس القطيعة، فالرئيس هادي يرى - كما يؤكد العديد من المحيطين به - أن بقاء سلفه على رأس الحزب هو أمر لم يعد له معنى بعد تنحيه عن رئاسة الدولة، كما أنه في الوقت ذاته لن يقبل - أي هادي - وقد أصبح رئيس الدولة أن يكون هناك من يرأسه في الحزب الذي ينتمي إليه، ومن ثم فإن المنطق والوقائع وظروف المرحلة الانتقالية الحالية تتطلب تنحي صالح أيضا عن رئاسة حزب المؤتمر بالطريقة التي يراها مناسبة ولائقة له كما حدث عند خروجه من الحكم عبر انتخابات رئاسية مبكرة، وبالتأكيد ليس هناك فرصة أفضل وأكثر لياقة من عقد المؤتمر العام الثامن في الذكرى الثلاثين لتأسيس الحزب خاصة أن انعقاده قد تأخر عن موعده الأصلي ثمانية شهور.. ورغم تأكيدات مراقبين محايدين مطلعين على خفايا الأمور وحيثيات تنفيذ المبادرة الخليجية أن تخلي صالح عن رئاسة المؤتمر هي مسألة وقت فإن الكثير من المهتمين لا يجدون مبررا في تأخير هذا الأمر خاصة مع حصول صالح على حصانة قضائية توجب عليه تلقائيا كما هو معروف حتى لو لم يكن هناك نص قانوني اعتزال العمل السياسي كليا كما فعل أقران له من قبل حصلوا على مثل هذه الحصانة كالرئيس الروسي السابق (بوريس يلتسين)، إذ لا تجتمع الحصانة والاستمرار في ممارسة العمل السياسي وبالذات مع معرفة الجميع أن صالح مازال يمتلك نفوذا بقدر أو بآخر - تتضاءل يوما بعد الآخر - في مؤسستي الجيش والأمن تعطيه بعض الثقة في أنه مازال يمتلك أوراق ضغط تسند موقعه السياسي على رئاسة حزب المؤتمر وتحتفظ بالعديد من أنصاره الذين سيتخلى معظمهم عنه لو انتهى ما تبقى من ذلك النفوذ في الجيش والأمن!
يعتقد بعض قادة المؤتمر أن شؤونه الداخلية تخص أعضاءه فقط، وأنه لا يحق لأي طرف سياسي أن يطلب من الحزب تغيير رئيسه أو يتدخل في شؤونه الداخلية، وهذا صحيح بلا شك في الظروف العادية وليس الاستثنائية أو الانتقالية كالظروف التي يمر بها اليمن حاليا.. فهناك ثورة شعبية سلمية اعترف بها العالم أجمع دون استثناء وهي ثورة نجحت في فرض إرادتها داخليا واحترامها خارجيا وجعلت العالم يقف معها في مطلب إبعاد الرئيس عن الحكم وتبلور ذلك من خلال مبادرة خليجية طلبها الرئيس السابق نفسه – بعد أن أدرك انتهاء مشروعيته - ليضمن خروجا آمنا ومشرفا ووافقت عليها معظم قوى الثورة الرئيسية وعمدها المجتمع الدولي من خلال قرار تاريخي أصدره مجلس الأمن دون اعتراض من أحد، ونصت المبادرة على خروج صالح من السلطة وتخليه عنها مقابل منحه حصانة قضائية، ولم تنص المبادرة ولا آليتها التنفيذية على خروج صالح من الباب وعودته من النافذة ذلك أن استمراره على رأس الحزب الذي يمتلك الأغلبية البرلمانية ونصف الحكومة وينوبه في رئاسته رئيس الجمهورية الجديد كل ذلك يعني أنه - أي صالح - مازال يمارس السلطة والحكم بامتياز كامل، وهو وضع غير طبيعي لا يتفق مع مقاصد الثورة الشعبية ويتصادم مباشرة مع أهداف المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ولا يخدم المساعي الوطنية والإقليمية والدولية التي تعمل لاستقرار اليمن وتجنيبه المزيد من العنف والصراعات الأهلية.. ولذلك من المهم أن يسارع عقلاء ومعتدلو حزب المؤتمر إلى عقد المؤتمر الثامن لضمان خروج مشرف أيضا لصالح من قيادة الحزب حتى لو كان هو مؤسسه كما هو حال الأحزاب في العالم الديمقراطي، ذلك أن كل يوم إضافي يقضيه هذا الرجل على رأس المؤتمر يقتطع جزءا من مكانة الحزب وما تبقى من شعبيته.. وكما تشير القراءات الأولية أن هؤلاء العقلاء والمعتدلين أصبحوا يشكلون الثقل الرئيسي في الحزب، وأنهم أصبحوا يدركون أن استمرار الحزب وبقاءه ونجاته من التشرذم والانقسام هي أمور مرهونة كليا بتخلي صالح عن رئاسته وعن أي سلطة فيه من أي نوع، ولذلك بدأوا ضغوطهم الجادة ومساعيهم الحثيثة لتحقيق هذا الهدف السياسي الذي سيتوقف عليه مستقبل المؤتمر وهو ذات الهدف الذي ترى أحزاب اللقاء المشترك المعارضة سابقا والشريكة في الحكومة حاليا ضرورة إنجازه في أقرب وقت نظرا لانعكاساته الإيجابية على الحياة العامة في اليمن وعلى مسار تنفيذ المبادرة وآليتها.
قد لا يكون تولي الرئيس هادي قيادة المؤتمر يشكل ضرورة بنفس قدر ضرورة تخلي صالح عن قيادته باعتباره – أي هادي - رئيسا توافقيا انتخبته وأجمعت عليه كل القوى وليس حزبه فقط كما حاول أحد قادة المؤتمر التأكيد عليه قبل أيام بلغة (من وأذى) على الرئيس هادي أقل ما يمكن أن توصف به أنها غير لائقة ناهيك عن أنها مجافية للحقيقة لأن هذا القيادي نفسه طلب من صالح قبل توقيع المبادرة تعيين نجله أحمد نائبا للرئيس ليتولى الرئاسة بدلا عن هادي.. وعلى كل حال فالواضح أن أحزاب اللقاء المشترك تفضل أن يتولى هادي بنفسه رئاسة المؤتمر تأكيدا لثقتها بشخصه رغم أنها كانت تطالب باستمرار قبل الثورة الشعبية بضرورة تخلي رئيس الدولة عن انتمائه الحزبي ليتمكن من التعامل مع جميع الأحزاب بحيادية.. والواضح حتى الآن أن الرئيس هادي مازال يفضل انعقاد المؤتمر الثامن لحزبه ليتولى خلاله رئاسته، لكن ليس من المستبعد أن يكون قد درس خيارات أخرى من نوع الإعلان عن حزب جديد سيعتمد في تأسيسه على الأرجح على معظم القيادات الحالية لحزب المؤتمر التي ترفض استمرار صالح في قيادته، خاصة بعد إعلان مصدر مقرب من هذا الأخير يوم الإثنين الماضي 20 أغسطس في نهاية تصريح طويل (أن المؤتمر سيكون أقوى في المرحلة القادمة بعد أن امتلك حريته وتخلص من قيود السلطة.. إلخ) وهو كلام استغربه أعضاء المؤتمر قبل أن تستغربه الأطراف الأخرى باعتبار أن المؤتمر مازال الشريك الأكبر في السلطة فرئيس الجمهورية ينتمي إليه وكذلك نصف أعضاء الحكومة ومعظم محافظي المحافظات وقادة الأجهزة التنفيذية فمتى تخلص من قيود السلطة؟! واستغرب مراقبون كثر من مثل هذا التصريح الغريب فعن أي مؤتمر يتحدث المصدر المقرب من صالح؟! وهل هذا يعني أنه على وشك أن يعلن انتقال حزبه أو ما سيتبقى منه إلى المعارضة بالكامل؟ أم أنه يعتبر خروجه كفرد من الحكم أنه خروج لكل حزبه من السلطة؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2892
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1347
| 13 مايو 2026