رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

علي خميس دهام السويدي

- مدرب واستشاري في ريادة الأعمال

مساحة إعلانية

مقالات

186

علي خميس دهام السويدي

المستهلك الذكي... حين يصبح الشراء قرارًا لا رغبة

24 أغسطس 2026 , 11:44م

في كل مرة ندخل فيها إلى متجر، أو نتصفح أحد تطبيقات التسوق، تبدأ أمامنا معركة صغيرة قد لا نشعر بها ؛ بين ما نحتاجه فعلًا وما نرغب في امتلاكه، وبين قرار نتخذه بوعي، وآخر تصنعه لنا الإعلانات والعروض والخصومات.

فالمستهلك الذكي ليس الشخص الذي يبحث دائمًا عن الأرخص، ولا الذي يحرم نفسه وأسرته من الاستمتاع بالحياة، بل هو

من يعرف متى يشتري، ولماذا يشتري، وماذا يختار.

في زمن أصبحت فيه عملية الشراء لا تحتاج أكثر من ضغطة على شاشة الهاتف، بات من السهل أن ننفق المال قبل أن نسأل

أنفسنا السؤال الأهم: هل أنا بحاجة إلى هذا المنتج فعلًا؟

قد ننجذب إلى عبارة «خصم 50%»، ونشعر أننا وفرنا نصف السعر، بينما الحقيقة أننا ربما أنفقنا النصف الآخر على شيء

لم نكن بحاجة إليه أصلًا. وهنا تبدأ ثقافة الاستهلاك الذكي؛ عندما ندرك أن التوفير الحقيقي ليس في شراء المنتج بسعر أقل

فقط، بل أحيانًا في عدم شرائه من الأساس.

المستهلك الواعي لا يسمح للإعلان بأن يتخذ القرار نيابة عنه. يقارن بين المنتجات، ويقرأ المواصفات، ويتأكد من الجودة،

ويسأل عن الضمان، ويحسب تكلفة المنتج مقابل فائدته وعمره الافتراضي. كما أنه لا يخلط بين «الجودة» و«العلامة

التجارية»، ولا يجعل رأي الآخرين أو المظاهر الاجتماعية سببًا لإنفاق يفوق قدرته.

وقبل أن نضع أي منتج في سلة التسوق، يمكن أن نسأل أنفسنا خمسة أسئلة بسيطة: هل أحتاجه فعلًا؟ هل لدي بديل يؤدي

الغرض نفسه؟ هل السعر مناسب لقيمته؟ هل قارنت بين الخيارات المتاحة؟ وهل سأظل مقتنعًا بهذا الشراء بعد عدة أيام؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تحمينا من كثير من المشتريات العاطفية، وتعيد إلى المال قيمته الحقيقية؛ فالمال الذي لا ننفقه اليوم بلا حاجة قد يصبح غدًا ادخارًا، أو تعليمًا، أو استثمارًا، أو أمانًا لأسرتنا عند الحاجة.

لكن القضية لا تتوقف عندنا نحن الكبار.

ففي كل مرة نشتري فيها أمام أبنائنا، نحن نقدم لهم درسًا ماليًا، حتى وإن لم نتحدث بكلمة واحدة.

عندما يرى الطفل والده أو والدته يقارن الأسعار، ويقرأ المعلومات قبل الشراء، ويرفض شراء شيء لا يحتاجه رغم قدرته عليه، فهو يتعلم أن المال ليس مجرد وسيلة للحصول على ما نريد، بل مسؤولية واختيار وأولوية.

ومن أجمل الطرق العملية لتعليم الأبناء الاستهلاك الذكي أن نجعلهم جزءًا من التجربة. قبل الذهاب للتسوق، نكتب معهم قائمة الاحتياجات، ونحدد ميزانية بسيطة، ثم نطلب منهم أثناء التسوق المقارنة بين منتجين من حيث السعر والكمية والجودة والحاجة.

ويمكن أن نعلّم الطفل قاعدة سهلة يتذكرها دائمًا: أحتاجه، أم أريده فقط؟

فإذا أراد شراء شيء غير ضروري، لا يكون الرد دائمًا بالرفض المباشر، بل نسأله: لماذا تريده؟ ماذا سيضيف لك؟ وهل يوجد شيء أهم يمكن أن تستخدم فيه هذا المال؟ بهذه الطريقة نحن لا نعلم أبناءنا الحرمان، وإنما نعلمهم فن الاختيار.

ومن المفيد أيضًا إعطاء الأبناء مبلغًا ماليًا مناسبًا لأعمارهم، وترك مساحة لهم لاتخاذ بعض القرارات. قد يخطئون مرة، وقد يشترون شيئًا يكتشفون لاحقًا أنهم لم يكونوا بحاجة إليه، لكن هذا الخطأ الصغير اليوم قد يكون درسًا يحميهم من قرارات مالية أكبر في المستقبل.

نحن لا نحتاج إلى أن نربي أبناء يخافون من الإنفاق، بل نحتاج إلى جيل يعرف متى ينفق، وعلى ماذا ينفق، ومتى يقول: لا أحتاج إلى هذا الآن.

فالاستهلاك الذكي لا يعني أن نعيش أقل، وإنما أن نختار أفضل.

وفي النهاية، قد يكون أجمل إرث مالي نقدمه لأبنائنا ليس حسابًا مصرفيًا كبيرًا، بل عقلًا يعرف قيمة المال، ووعيًا يميز بين الحاجة والرغبة، وشخصية لا تقيس قيمتها بما تملك.

لأن الطفل الذي يتعلم اليوم كيف يختار منتجًا بوعي، قد يصبح غدًا إنسانًا يعرف كيف يختار أولوياته… وكيف يصنع مستقبله.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية