رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن جميع من سمع وقرأ التصريحات الأخيرة لحكام إيران حول القضية السورية يدرك مدى الخطورة التي لا تعير الإنسانية اهتماماً فضلاً عن التمسح باسم الإسلام لصون حقوق الإنسان والحفاظ على سلامة الشعب السوري الذي يذبح كل يوم، وبدلاً من أن يقفوا مع المظلوم ضد الظالم فإنهم لا ينظرون وللأسف الشديد إلاّ بعين السخط وطبعاً فإن عين السخط هي التي تبدي المساوئ ولذلك يصبون اليوم - إذ وجدوا طاغية الشام يفقد السيطرة على البلاد شيئاً فشيئاً – كل جهودهم لإيجاد مخرج يبقيه في الحكم وينقذه حتى لو كان ذلك بخوض حرب فعلية ضد الشعب والثوار ليبقى على سدة الحكم وهم يعتبرون في هذا السياق أن دعم النظام على جميع المستويات يجعلهم لا يخسرون نفوذهم في سوريا وأن تكلفة الدفاع عن الطاغية تبقى على فداحتها أقل من ثمن ضياع الحلقة السورية في عقدها الذي أسس وكلف المليارات من طريق إيران حتى العراق، سوريا، لبنان كما هو معروف، ولعل من الواضح أن من يدير الأمور حقيقة في سوريا إنما هي إيران ولذلك رأينا أن الأخضر الإبراهيمي المندوب الأممي للمسألة السورية بعد كوفي عنان حين ذهب إلى دمشق لمقابلة بشار بدأ اللقاء بالسفير الإيراني قبل أن يلقاه، إذ أدرك كمن قبله أن إيران وسوريا متفقتان لحمة وسدى كحليفين بل كشريكين بسبب البعد الطائفي أولاً وبعد المصالح الأخرى ثانياً. وغالباً ما يكون اللصوص شركاء ونحن إذا أعدنا شريط المشهد في الموقف الإيراني فإننا لا ننسى أنه كان في البداية يريد رأب الصدع بين الحكومة والشعب دون إراقة الدماء، ولعل ذلك يظهر في مقابلة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مع تلفزيون المنار التابع لحزب الله اللبناني بتاريخ 24/8/2011 حيث قال: على الشعب السوري والحكومة أن يجلسا معاً للتفاهم بعيداً عن العنف وإنه لايحق لأحدهما قتل الآخر، لقد جاء هذا التصريح بعد خمسة أشهر من بداية الثورة وكانت أثناءها في حيز السلمية الكاملة ولن يستطيع أحد أن يثبت أن متظاهراً واحداً حمل سلاحاً بل عصى اللهم إلاّ بعد أن استفحل الخطب وأصبح الشيوخ والأطفال والنساء يقتلون ويعتدى على الممتلكات فبدأت عسكرة الثورة بالدفاع عن النفس المشروع في قوانين السماء والأرض ضد الظالمين وفي هذا الغضون كان وزير الخارجية الإيراني قد اتفق مع تصريح نجاد بعد مقابلة تلفزيون المنار واصفاً مطالب المتظاهرين السوريين بالمحقة المشروعة مطالباً الأسد بالاستجابة لها وتلبيتها على وجه السرعة ولكن لأن الأمر أكبر من صالحي وأترابه ولأن الغرب وعلى رأسه أميركا يسعى لحل الأزمة بتعقيدها فإنه أدرك أنه لابد من إدخال إيران في المعالجة لإنقاذ النظام من جهة إن استطاعت ولطمأنة إسرائيل البنت المدللة إذ إن ثمة توافقاً ضمنياً بين إيران وإسرائيل على إبقاء النظام الأسدي وإن لدوافع متضاربة ولذلك رأينا نتنياهو مؤخراً ينهى حكومته عن التصريح في الشأن السوري وهو الذي أكد من قبل أن المحافظة على بشار مصلحة إسرائيلية، فالتقاطع الإيراني الإسرائيلي كما يذهب المحللون واقع وبأعذار وحجج كثيرة، ولذا فإننا رأينا أن صالحي لما عاد إلى دمشق من لقاء الرباعية في القاهرة أعطى الأسد دفعة قوة جديدة ليعلن أن مايجري في سورية يستهدف دول المقاومة جميعاً، وهو في الحقيقة إنما أخذ الضوء الأخضر لأن يتحرك حكام إيران بحرية لإخماد الثورة السورية، وأن العالم اليوم لن يسمح – ما أمكن – بسقوط الأسد لأن ذلك سيمثل كارثة على كل دولة فضحتها الثورة السورية ومن هنا أكد صالحي أننا لن نأذن بكسر ضلع المقاومة ناسياً ما قاله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد أنه لايمكن للمقاوم أن يكون مستبداً ولايمكن للمستبد أن يكون مقاوماً، فهل تغير الموقف في هذا الوقت بالذات أم أنها تكتكة وتقية مع القريب والبعيد، الأرجح أن حكام إيران كانوا يظنون أنه سيقضى على الثورة خلال أسابيع كما وعدهم الأسد، ولكن لما أحسوا أن الأمر طال وسيطول رجعوا إلى ما يكنون من الحيلولة دون سقوط الأسد وكانوا قد ألمحوا بذلك قبل أشهر قليلة من أعلى رتبة فيهم وهو مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي الذي صرح بأن المتظاهرين في سورية أدوات تحركهم أميركا وإسرائيل معتبراً أن الثورة السورية مؤامرة على الأسد لأنه ضمن محور الممانعة، منبهاً أن دمشق بحاجة إلى إيران وحزب الله الذي يؤيد خامنئي في كل ما يذهب إليه خضوعاً لولاية الفقيه التي أسسها الخميني بل صرح نوري المالكي رئيس وزراء العراق أن العلويين جزء من الشيعة ولن يسقط نظام الأسد ولماذا يسقط ولسنا مضطرين لسوق الأدلة طبعا عن عمالة المالكي لأميركا وإيران معاً، ومن هنا نرى كيف يكون الكيل بمكيالين في الموقف الإيراني الذي أيّد ثورات الربيع العربي إلاّ الثورة السورية مدعياً تبعيتها لأميركا وإسرائيل، وهذا يدل على أن إيران لا تريد أن تكون جزءاً من الحل كما تدعي بل جزءاً كبيراً من المشكلة، ولقد كان الأجدر بها لما تحمل من ثقل إقليمي أن تنحاز إلى الضحية لا إلى الجلاد وهو ما يجب أن ينسجم مع ادعائها نصرة المظلومين، والله لا ندري هل أصبحت قلوب هؤلاء أقسى من الحجارة بل اليهود الذين وصفهم الله بهذه الصفة لم يصلوا إلى هذا الإجرام ضد الشعب وحكام إيران يفتخرون أنهم يدعمون نظام القتل والإبادة ولن يسمحوا بسقوطه، فهل نستطيع أن نفرق بين اللانظام الأسدي وموقفهم أو نقول كمن ذم شارون:
لا تلوم الجزار يقتل شعباً من حباه السكين أفظع قتلا
وهل قصروا بمده بالسلاح والرجال والمال والخبرات والمواقف السياسية أما صرح صالحي أننا لن نقف عن الدعم اللامحدود لنظام الأسد إننا نحسب أن كل منصف حتى لو كان حدثاً أصبح مدركاً أن الموقف الإيراني موقف منحاز للباطل والشر والأليق أن يراجع نفسه فالتاريخ لن يرحم ثم لابد أن نسوق التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإيرانيين الكبار المعبرين عن موقفهم غير المسؤول. فها هو لاريجاني رئيس البرلمان يقول لصحيفة الفاينشال تايمز البريطانية: إن الأميركان يسعون إلى فرض الإصلاح في سورية بقذائف الآربي جي مقارناً لماذا لا تعتبر أميركا عدم السماح للمرأة في السعودية بقيادة السيارة مشكلة يجب أن تأمر السعوديين بإصلاحها، ما هذه السذاجة وهذا القياس ممن يدعي أنه سياسي فاهم عاقل، داعياً إلى أن يكون التغيير عبر التصويت الشعبي والانتخاب لا عبر السلاح الفتاك الذي تمارسه المعارضة السورية المسلحة، وأظنه يعرف تماماً أن العكس هو الصحيح ولكن كما قال القرآن عن قوم فرعون (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّا..) [النمل: 14 ] هل السلاح الفتاك والنوعي وطائرات الميغ وبراميل البارود التي ترمى على الشعب بيد الثوار أم بيد الحكومة ولكنه الحقد الطائفي ليس إلا وهو يأمر دول الخليج ألاّ تساند المعارضة السورية وأن تقف عن دعمها أما قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي الجعفري فقد صرّح بعظمة لسانه كما هو معروف أن عدداً من قوات فيلق القدس موجود في سوريا ولبنان لتنفيذ عمليات نشاط خارجية لدعم النظام بالخبرة والاستشارة وأنه في حالة تعرض سوريا لهجوم عسكري فإن إيران ستقوم بدورها العسكري كذلك فبالله على من يضحك نحن نعرف أنه بدأت بذلك منذ أشهر ولكنها ستزيد لتنقذ مركب الأسد من الغرق ومعروف أن الرئيس اللبناني ميشيل سليمان حين استدعى السفير الإيراني يستوضح ذلك نفى! ثم جاءت التصريحات من جديد تؤيد موقف القائد الأعلى للحرس الثوري بل النووي ويبدو أن ثمة تضارباً داخلياً في بعض المواقف لديهم إلا أن الأمر حسم بعد اتخاذ المرشد الأعلى خامنئي قراره بإخماد الثورة السورية سيما أنه الحاكم الفعلي لإيران متأسيا بموافقته على قمع المعارضة الإيرانية وبأقسى العنف والقتل في المظاهرات المؤيدة لمير حسين موسوي الذي كان ينافس أحمدي نجاد على الرئاسة ونعود لنقول ليت فيلق القدس يتوجه إليها لا إلى دمشق فبئس الإيرانيون يقاتلون على الأرض السورية، زد إلى ذلك تصريح رئيس الأركان العامة اللواء حسن فيروز آبادي أن الحرب على سوريا هي الحرب على إيران مستلهماً ذلك من توجيهات المرشد الأعلى الذي دعا إلى تركيز نشاطات فيلق القدس على دول الجوار الإيراني وسحبها اليوم من العالم... إلى تصريحات مسؤولين كبار آخرين نضرب عن ذكرهم ولكننا مع من يقول ألا رئيس أركان عربي أو مسلم واحد يقول إن دماء السوريين هي دماؤنا ولا وألف لا للطائفية ونعم وألف نعم لتوجه الحق والعدل ونصرة المظلوم الذي أبدته المراجع الشيعية العاقلة مثل هاني فحص ومحمد الأمين وآية الله محمد علي دستغيب والويل كل الويل لمن يدعم النظام الأسدي بكل ما يملك سياسياً ومالياً وعسكرياً بل يتباهى في ذلك مشتركاً مع الهولوكوست الأسدي الفظيع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5520
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026