رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت تونس خلال الأسبوع الماضي احتجاجاً اجتماعياً لافتاً في محافظة القصرين (التي تبعد 260 كلم جنوب غرب العاصمة تونس)، على أثر وفاة أحد العاطلين عن العمل، ويدعى رضا اليحياوي (28 عاماً) بصعقة كهربائية بعد تسلقه عمودا قرب مقر الوالي في القصرين احتجاجاً على سحب اسمه من قائمة توظيف في القطاع العام، فاتسعت دائرة المواجهات إلى خارج تلك المحافظة لتشمل تقريبا مختلف المحافظات التونسية من الشمال الغربي إلى الجنوب..
وأعادت احتجاجات الفئات الشبابية المهمشة والعاطلة عن العمل، وأعمال العنف التي رافقتها، إلى الأذهان بدايات الثورة التونسية في ديسمبر العام 2010، والتي احتفل التونسيون بذكراها قبل أسبوعين.
وقد شكلت هذه الحادثة الشرارة الأولى للزلزال الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب هذه المحافظة التونسية النائية الواقعة في الجنوب الغربي على الحدود التونسية – الجزائرية، وقادت إلى تفجير انتفاضة شعبية ذات طابع اجتماعي عمّت المدن والبلدات التونسية في باقي المحافظات.. ولخصت صحيفة «الشروق» التونسية هذه الانتفاضة الشعبية بعبارة: «كأننا لم نغادر أواخر سنة 2010 وأوائل سنة 2011». وفي إشارة إلى محمد البوعزيزي، البائع المتجوّل الذي أضرم النار في نفسه قبل ما يزيد قليلاً على خمسة أعوام، ليصبح رمزاً للشباب الطامح إلى العدالة الاجتماعية، فكتبت تقول: «من البوعزيزي إلى اليحياوي، تكررت الدوافع والأساليب، فهل ستتكرر النتائج؟». لا أحد يستطيع أن يتكهّن بالآفاق التي ستبلغها التظاهرات الأخيرة، بالرغم من كونها حركة احتجاجية ذات طابع اجتماعي، لا يقودها أي حزب سياسي، ولا نقابة، ولا منظمة من منظمات المجتمع المدني الحديث، لكنها ترفع شعارات صحيحة: مقاومة الفساد والمحسوبية والإفلات من العقاب.
ورغم الإجماع الوطني على أحقّية المطالب التي خرج من أجلها الشباب الغاضب إلى الشوارع، فإن اللافت للانتباه أن أحزاباً ومنظمات وطنية تونسية باتت تنظر بشك وريبة إلى حركة الاحتجاج، التي تحوّل الكثير منها إلى نهب وإجرام منظم، وسط مخاوف من تحرّك بعض الخلايا الإرهابية في غرب البلاد وجنوبها، ما دفع وزارة الداخلية إلى إعلان حظر التجوّل على امتداد الأراضي التونسية، ابتداءً من الساعة الثامنة مساءً وحتى الخامسة صباحاً، في محاولة لعزل العناصر المخرّبة، واستعادة السيطرة على الوضع الأمني المهدد بكل الاحتمالات السيئة.
لا شك أن المطالب الاجتماعية العادلة التي حملها الشباب الغاضب والمهمش والعاطل عن العمل في حراكه الاجتماعي السلمي في البداية، والمتمثلة في الحق بالعمل، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، تم إجهاضها من خلال الأعمال الإجرامية التي تحدثنا عنها في البداية، الأمر الذي جعل كثيرين يتحدثون عن «مؤامرة ضد الثورة وضد إرادة الشعب»، لكن المشكلة الأكبر، في هذا السياق، أن كل طرف سياسي بات يحاول توظيف الحديث عن «المؤامرة» ضد خصومه السياسيين. فالإسلاميون «حركة النهضة» المشاركون في الحكم يتهمون اليسار بالعمل على إسقاط الحكومة، وتأجيج الفوضى والانفلات، في حين أن اليسار ممثلاً في «الجبهة الشعبية» ائتلاف من 11حزبا يساريا وقوميا يتهم الإسلاميين والمهربين بتخريب الثورة لوراثة حزب «نداء تونس» الفائز بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب.
هذا الجدل السياسي بين اليمين الديني والليبرالي واليسار القومي، أصبح مألوفاً في المشهد السياسي التونسي، خلال السنوات الماضية، لكن ماهو مؤكد هو وجود اختراقات إجرامية لحركات الاحتجاج للشباب الغاضب والمهمش، ومحاولات لإنهاك المؤسستين الأمنية والعسكرية لخلق ثغرات أمنية، وذلك بغرض تأمين تحرّك الخلايا الإرهابية، ومجموعات مرتبطة بكبار المهربين الذين قاموا بتوزيع الأموال على عدد من الشباب المنحرف فى هذه المناطق المحرومة والفقيرة من أجل التصعيد والحرق والتخريب، ومهاجمة المقارّ الأمنية والحكومية.. فالمتابعون للشأن التونسي الداخلي يلمسون بوضوح أن ثمة وجود مؤامرة على الحراك الاحتجاجي، وتتمثل في أعمال إجرامية منظمة تستهدف مقارّ الأمن والديوانة (مصالح «القمارق» حيث توجد مضبوطات التهريب، و«قباضات المالية» إدارة الضرائب حيث توجد أموال وممتلكات واحتكارات التبغ، بالإضافة إلى أعمال نهب منظمة لمستودعات المضبوطات لدى الدولة والبلدية والبنوك والمؤسسات التجارية.
وبالتوازي مع ذلك، شهد غرب تونس محاولة خلية إرهابية - محسوبة على تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب العربي» - نقل مؤونة ومعدات حربية ومتفجرات إلى جبل الشعانبي المحاذي لمدينة القصرين، فيما قال المتحدث الرسمي باسم الجيش التونسي بلحسن الطرابلسي إن دوريات عسكرية ضبطت مجموعة مهربين تونسيين وليبيين بصدد تبادل كمية كبيرة من البضائع في المنطقة الصحراوية العازلة بين تونس وليبيا، مشيراً إلى أن الدورية العسكرية تعرضت لإطلاق نار من المهربين مما جعلها ترد على مصادر النيران، فتمكنت من السيطرة على الوضع، وتوقيف عدد من الأشخاص، بينهم شخص يحمل وثائق ثبوتية سورية.
قبل ثماني سنوات، وتحديداً في مطلع 2008، كانت محافظة قفصة التي تقع هي أيضاً في الجنوب التونسي، والتي اشتهرت تاريخياً بأعمال استخراج الفوسفات من أرضها وفق الطريقة النموذجية للأنماط الاستعمارية الفرنسية، قد شهدت كذلك ما بات يعرف بانتفاضة الحوض المنجمي، التي شارك فيها عمّال المناجم وعائلاتهم، والعمال والعاطلون من العمل وطلاّب المدارس. وكانت العناوين الرئيسة لهذه الانتفاضة الشعبية، تتمثل في الاحتجاج ضد مظاهر الفقر المدقع وارتفاع الأسعار، وانتشار ظاهرة البطالة، وضد الفساد المستشري في نظامٍ محلّي يقوم على التحالفات الزبائنية، والعصبيات القبلية والعائلية.
وفي ظل الحراك الاجتماعي الأخير للشباب المهمش الذي عم تقريبا معظم البلاد التونسية، يصل القارئ الموضوعي لهاتين الانتفاضتين الشعبيتين، إلى نتيجة محددة وهي أن جذرهما واحد، وهو اقتصاديٌّ اجتماعي بامتياز ينبعث من هيمنة الشعور بالظلم، في ظل تفشي أزمة البطالة، لا سيما بطالة حاملي الشهادات الجامعية من الشبان، واستشراس منظومة الرشوة والمحسوبية التي عادت أقوى مما كانت عليه قبل الثورة، وأحيانا بنفس الأشخاص والأسماء، وأن دولة ما بعد الثورة عاجزة أو متواطئة مع مافيات الفساد،بسبب ما يسمونه من «غلبة الفساد وخيانة النخبة» على «مشاعر التغيير».
فالاحتجاجات لم تندلع هذه المرة بسبب البطالة وانسداد الآفاق فقط، بل بسبب ما يسميه الشباب «التلاعب في قوائم تسميات انتداب عمال الحضائر»، أي اعتماد الرشوة والمسحوبية والعلاقات الخاصة لتثبيت المسجلين في قوائم «الحضائر» ليصبحوا موظفين حكوميين. و«الحضائر» هي صيغة تشغيل هشة في المؤسسات الحكومية بأقل من الأجر الشهري الأدنى المضمون بالقانون، وتعتمدها الدولة التونسية منذ نظام بن علي، كحل مؤقت لامتصاص غضب الشباب العاطل من العمل، وخصوصا من متخرّجي الجامعات، واتسع نطاقها بعد الثورة كثيرا، في ظل غياب كامل لمشروع تنموي في المناطق الفقيرة في غرب تونس.. وعلى هذا الأساس، كان الشباب يشاهد كيف يتفرغ الإعلام منذ نصف عام لتفاصيل عراك زعامات حزب «نداء تونس» بعد فوزه بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، وتفاصيل الفساد السياسي الذي يختلط بالفساد المالي، فيما وضعه يزداد سوءاً.
لقد انفجرت ظاهرة «الفساد المنظم، والمحسوبية، وتحويل وجهة المساعدات الدولية للمناطق المحرومة والمهمشة في تونس إلى المسؤولين المحليين وحلفائهم من المتنفذين، بطريقة أسوأ مما كان يحدث في زمن بن علي»، في وجه كل الحكومات الثماني المتعاقبة بعد الثورة، ولكن أحداً لم يواجه هذا الفساد بطريقة جدّية، حيث توافقت كل هذه الحكومات الثماني على ترحيل المسألة الاجتماعية، بوصفها المعضلة الحقيقية للثورة التونسية، والتي في ضوء حلها يتم قياس مدى نجاح عملية الانتقال الديمقراطي في تونس.
فالحكومات المتعاقبة منذ الثورة، لم تتجاوز مرحلة تصريف الأعمال، في ظل غياب «مشروع مارشال» وطني يليق بما بعد الثورة، ويؤسس لنموذج تنموي جديد، يحقق التنمية المستدامة، ويقوم على أساس محاربة الفساد والمحسوبية، وتحقيق العدالة الجبائية، وبالتالي العدالة الاجتماعية.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
102
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
90
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
63
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2046
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026