رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت تونس خلال الأسبوع الماضي احتجاجاً اجتماعياً لافتاً في محافظة القصرين (التي تبعد 260 كلم جنوب غرب العاصمة تونس)، على أثر وفاة أحد العاطلين عن العمل، ويدعى رضا اليحياوي (28 عاماً) بصعقة كهربائية بعد تسلقه عمودا قرب مقر الوالي في القصرين احتجاجاً على سحب اسمه من قائمة توظيف في القطاع العام، فاتسعت دائرة المواجهات إلى خارج تلك المحافظة لتشمل تقريبا مختلف المحافظات التونسية من الشمال الغربي إلى الجنوب..
وأعادت احتجاجات الفئات الشبابية المهمشة والعاطلة عن العمل، وأعمال العنف التي رافقتها، إلى الأذهان بدايات الثورة التونسية في ديسمبر العام 2010، والتي احتفل التونسيون بذكراها قبل أسبوعين.
وقد شكلت هذه الحادثة الشرارة الأولى للزلزال الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب هذه المحافظة التونسية النائية الواقعة في الجنوب الغربي على الحدود التونسية – الجزائرية، وقادت إلى تفجير انتفاضة شعبية ذات طابع اجتماعي عمّت المدن والبلدات التونسية في باقي المحافظات.. ولخصت صحيفة «الشروق» التونسية هذه الانتفاضة الشعبية بعبارة: «كأننا لم نغادر أواخر سنة 2010 وأوائل سنة 2011». وفي إشارة إلى محمد البوعزيزي، البائع المتجوّل الذي أضرم النار في نفسه قبل ما يزيد قليلاً على خمسة أعوام، ليصبح رمزاً للشباب الطامح إلى العدالة الاجتماعية، فكتبت تقول: «من البوعزيزي إلى اليحياوي، تكررت الدوافع والأساليب، فهل ستتكرر النتائج؟». لا أحد يستطيع أن يتكهّن بالآفاق التي ستبلغها التظاهرات الأخيرة، بالرغم من كونها حركة احتجاجية ذات طابع اجتماعي، لا يقودها أي حزب سياسي، ولا نقابة، ولا منظمة من منظمات المجتمع المدني الحديث، لكنها ترفع شعارات صحيحة: مقاومة الفساد والمحسوبية والإفلات من العقاب.
ورغم الإجماع الوطني على أحقّية المطالب التي خرج من أجلها الشباب الغاضب إلى الشوارع، فإن اللافت للانتباه أن أحزاباً ومنظمات وطنية تونسية باتت تنظر بشك وريبة إلى حركة الاحتجاج، التي تحوّل الكثير منها إلى نهب وإجرام منظم، وسط مخاوف من تحرّك بعض الخلايا الإرهابية في غرب البلاد وجنوبها، ما دفع وزارة الداخلية إلى إعلان حظر التجوّل على امتداد الأراضي التونسية، ابتداءً من الساعة الثامنة مساءً وحتى الخامسة صباحاً، في محاولة لعزل العناصر المخرّبة، واستعادة السيطرة على الوضع الأمني المهدد بكل الاحتمالات السيئة.
لا شك أن المطالب الاجتماعية العادلة التي حملها الشباب الغاضب والمهمش والعاطل عن العمل في حراكه الاجتماعي السلمي في البداية، والمتمثلة في الحق بالعمل، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، تم إجهاضها من خلال الأعمال الإجرامية التي تحدثنا عنها في البداية، الأمر الذي جعل كثيرين يتحدثون عن «مؤامرة ضد الثورة وضد إرادة الشعب»، لكن المشكلة الأكبر، في هذا السياق، أن كل طرف سياسي بات يحاول توظيف الحديث عن «المؤامرة» ضد خصومه السياسيين. فالإسلاميون «حركة النهضة» المشاركون في الحكم يتهمون اليسار بالعمل على إسقاط الحكومة، وتأجيج الفوضى والانفلات، في حين أن اليسار ممثلاً في «الجبهة الشعبية» ائتلاف من 11حزبا يساريا وقوميا يتهم الإسلاميين والمهربين بتخريب الثورة لوراثة حزب «نداء تونس» الفائز بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب.
هذا الجدل السياسي بين اليمين الديني والليبرالي واليسار القومي، أصبح مألوفاً في المشهد السياسي التونسي، خلال السنوات الماضية، لكن ماهو مؤكد هو وجود اختراقات إجرامية لحركات الاحتجاج للشباب الغاضب والمهمش، ومحاولات لإنهاك المؤسستين الأمنية والعسكرية لخلق ثغرات أمنية، وذلك بغرض تأمين تحرّك الخلايا الإرهابية، ومجموعات مرتبطة بكبار المهربين الذين قاموا بتوزيع الأموال على عدد من الشباب المنحرف فى هذه المناطق المحرومة والفقيرة من أجل التصعيد والحرق والتخريب، ومهاجمة المقارّ الأمنية والحكومية.. فالمتابعون للشأن التونسي الداخلي يلمسون بوضوح أن ثمة وجود مؤامرة على الحراك الاحتجاجي، وتتمثل في أعمال إجرامية منظمة تستهدف مقارّ الأمن والديوانة (مصالح «القمارق» حيث توجد مضبوطات التهريب، و«قباضات المالية» إدارة الضرائب حيث توجد أموال وممتلكات واحتكارات التبغ، بالإضافة إلى أعمال نهب منظمة لمستودعات المضبوطات لدى الدولة والبلدية والبنوك والمؤسسات التجارية.
وبالتوازي مع ذلك، شهد غرب تونس محاولة خلية إرهابية - محسوبة على تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب العربي» - نقل مؤونة ومعدات حربية ومتفجرات إلى جبل الشعانبي المحاذي لمدينة القصرين، فيما قال المتحدث الرسمي باسم الجيش التونسي بلحسن الطرابلسي إن دوريات عسكرية ضبطت مجموعة مهربين تونسيين وليبيين بصدد تبادل كمية كبيرة من البضائع في المنطقة الصحراوية العازلة بين تونس وليبيا، مشيراً إلى أن الدورية العسكرية تعرضت لإطلاق نار من المهربين مما جعلها ترد على مصادر النيران، فتمكنت من السيطرة على الوضع، وتوقيف عدد من الأشخاص، بينهم شخص يحمل وثائق ثبوتية سورية.
قبل ثماني سنوات، وتحديداً في مطلع 2008، كانت محافظة قفصة التي تقع هي أيضاً في الجنوب التونسي، والتي اشتهرت تاريخياً بأعمال استخراج الفوسفات من أرضها وفق الطريقة النموذجية للأنماط الاستعمارية الفرنسية، قد شهدت كذلك ما بات يعرف بانتفاضة الحوض المنجمي، التي شارك فيها عمّال المناجم وعائلاتهم، والعمال والعاطلون من العمل وطلاّب المدارس. وكانت العناوين الرئيسة لهذه الانتفاضة الشعبية، تتمثل في الاحتجاج ضد مظاهر الفقر المدقع وارتفاع الأسعار، وانتشار ظاهرة البطالة، وضد الفساد المستشري في نظامٍ محلّي يقوم على التحالفات الزبائنية، والعصبيات القبلية والعائلية.
وفي ظل الحراك الاجتماعي الأخير للشباب المهمش الذي عم تقريبا معظم البلاد التونسية، يصل القارئ الموضوعي لهاتين الانتفاضتين الشعبيتين، إلى نتيجة محددة وهي أن جذرهما واحد، وهو اقتصاديٌّ اجتماعي بامتياز ينبعث من هيمنة الشعور بالظلم، في ظل تفشي أزمة البطالة، لا سيما بطالة حاملي الشهادات الجامعية من الشبان، واستشراس منظومة الرشوة والمحسوبية التي عادت أقوى مما كانت عليه قبل الثورة، وأحيانا بنفس الأشخاص والأسماء، وأن دولة ما بعد الثورة عاجزة أو متواطئة مع مافيات الفساد،بسبب ما يسمونه من «غلبة الفساد وخيانة النخبة» على «مشاعر التغيير».
فالاحتجاجات لم تندلع هذه المرة بسبب البطالة وانسداد الآفاق فقط، بل بسبب ما يسميه الشباب «التلاعب في قوائم تسميات انتداب عمال الحضائر»، أي اعتماد الرشوة والمسحوبية والعلاقات الخاصة لتثبيت المسجلين في قوائم «الحضائر» ليصبحوا موظفين حكوميين. و«الحضائر» هي صيغة تشغيل هشة في المؤسسات الحكومية بأقل من الأجر الشهري الأدنى المضمون بالقانون، وتعتمدها الدولة التونسية منذ نظام بن علي، كحل مؤقت لامتصاص غضب الشباب العاطل من العمل، وخصوصا من متخرّجي الجامعات، واتسع نطاقها بعد الثورة كثيرا، في ظل غياب كامل لمشروع تنموي في المناطق الفقيرة في غرب تونس.. وعلى هذا الأساس، كان الشباب يشاهد كيف يتفرغ الإعلام منذ نصف عام لتفاصيل عراك زعامات حزب «نداء تونس» بعد فوزه بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، وتفاصيل الفساد السياسي الذي يختلط بالفساد المالي، فيما وضعه يزداد سوءاً.
لقد انفجرت ظاهرة «الفساد المنظم، والمحسوبية، وتحويل وجهة المساعدات الدولية للمناطق المحرومة والمهمشة في تونس إلى المسؤولين المحليين وحلفائهم من المتنفذين، بطريقة أسوأ مما كان يحدث في زمن بن علي»، في وجه كل الحكومات الثماني المتعاقبة بعد الثورة، ولكن أحداً لم يواجه هذا الفساد بطريقة جدّية، حيث توافقت كل هذه الحكومات الثماني على ترحيل المسألة الاجتماعية، بوصفها المعضلة الحقيقية للثورة التونسية، والتي في ضوء حلها يتم قياس مدى نجاح عملية الانتقال الديمقراطي في تونس.
فالحكومات المتعاقبة منذ الثورة، لم تتجاوز مرحلة تصريف الأعمال، في ظل غياب «مشروع مارشال» وطني يليق بما بعد الثورة، ويؤسس لنموذج تنموي جديد، يحقق التنمية المستدامة، ويقوم على أساس محاربة الفساد والمحسوبية، وتحقيق العدالة الجبائية، وبالتالي العدالة الاجتماعية.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1858
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1086
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10329
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2424
| 08 سبتمبر 2026