رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد كانت خطوة مباركة تلك التي طرحتها إحدى سيدات الأعمال القطريات الأخت سهيلة ربيعة الحارب وبعض الأخوات مشكورات مع الأستاذة بثينة عبد الجليل والدكتور خالد هنداوي أن تقوم النساء القطريات بيوم تضامني مع شقيقاتهن السوريات في قطر بالدوحة لدعمهن في الداخل والمخيمات في المهجر بمناسبة يوم الأم العالمي بتاريخ 21/3/2013 من كل عام، وانعقد الملتقى بتاريخ 23/3/2013 في النادي الدبلوماسي ليؤكد أنه يوم مناصرة المرأة السورية العالمي، أما الأم فإن كل لحظة هي عيد لنا معها نحن العرب والمسلمين لا كما تشاء التقاليد الغربية أن تجعله يوما واحدا في العام، ولقد جاء يوم التضامن هذا متزامنا مع ذكرى انطلاق الثورة السورية المجيدة في مارس 2011م ليؤكد اصطفاف المرأة القطرية إلى جانب أختها السورية وأنها ليست وحدها في محنتها المريرة التي تعاني منها منذ عامين وقد دخلت في العالم الثالث، وقد كان من حسن الطالع أن يكون هذا الملتقى برعاية سماحة العلامة الإمام يوسف القرضاوي حيث افتتحه رغم ارتباطه بسفر عاجل وأكد أهمية دور المرأة في كل مجالات الثورة منبها أن الثورة السورية يجب أن تكون قضية كل إنسان شريف وحر في العالم وشجع على الدعم المالي وافتتحه بتبرع خمسين ألف ريال قطريا عنه وعن بناته، كما تحدث سعادة الأخ السفير السوري الجديد في قطر نزار حسن الحراكي عن دور المرأة السورية وأنه الأكثر نقاء في ثورة الحرية، كما أبان سعادة السفير السوري الجديد في المملكة المتحدة حيث دعى إلى الملتقى أن المرأة السورية قدمت الكثير من التضحيات منذ نصف قرن من الزمان وامتحنت في عهد حافظ الأسد الذي زج بأكثر من ثلاثة آلاف امرأة في السجون وقتل وعذب وانتهك كرامتهن وأقداسهن وقد كتبت الأخت هبة الدباغ كتابها بعنوان: خمس دقائق تسع سنين، وصفت سجت النساء بالمعاملة الفظيعة، ثم جاء عهد ابنه امتدادا لجرائمه ضد المرأة حتى وصل عدد المعتقلات في إحصاء أخير إلى 6400 بالإضافة إلى استشهاد 7460 من جميع المدن السورية ذبح قسم منهن بالسكاكين بالإضافة إلى اختطاف أكثر من 1500 حرة طلبا للفدية المالية وممارسة الدناءات، وقالت الناشطة الدكتورة فلك طه: إن النساء السوريات أذهلن العالم بصبرهن وقوتهن، وأكدت الدكتورة موزة المالكي أن المرأة السورية تشبه اليوم طائر الفينيق الذي يولد كل يوم من جديد من خلال تحديها الموت المؤكد، وأثنى سعادة السيد عبد الله بن حمد العطية رئيس هيئة الرقابة الإدارية والشفافية حاليا ونائب رئيس الوزراء سابقا على هذه المبادرة المبتكرة لدعم المرأة القطرية لشقيقتها السورية مؤكداً أن هذه وقفة نفسية واجتماعية رائعة في وقت الضيق والشدة وتمنى أن تعمم هذه الفكرة على جميع البلاد، وتحدثت من الداخل السوري إحدى الفتيات الناشطات شارحة المآسي والانتصارات من خلال معاينتها للمشهد، كما تحدثت الأخت الداعية أم عصام عن معاناة المرأة السورية في المخيمات بالأردن خصوصا مخيم الزعتري ونوهت بأن ثمة مخيمات غيره منسية تماما كذلك من الخدمة والدعم، وأكد الدكتور سمير الحجاوي ما تقاسيه المرأة الفلسطينية في مخيم اليرموك في دمشق من قصف وتشريد وأنها تشارك فعليا أختها المرأة السورية في الألم والأمل، وإننا لنلحظ من خلال تلك الخطب والمقالات والأناشيد وعروض الأفلام والصور المؤثرة جدا أن المرأة السورية مثلت بحق اليوم دور المنارة في الظلام والدرع الحصينة لحماية البيت السوري وأنها عززت موقفها من خلال الثورة بأن أنتجت مصانع الرجال والأجيال والأبطال أمام أعتى جبروت عسكري مدعوم من إسرائيل وإيران وروسيا وحزب الله ومالكي العراق وبعض البلاد المنافقة الأخرى العربية والدولية، وأخذت هذه المرأة تهز العالم بيمناها ويسراها حيث أصبحت وقود الثورة التي هي أنثى والأنثى ثورة، فلا غرابة أن يفرد لها الشعب جمعة خاصة بها هي جمعة الحرائر وهكذا توضحت بشكل بارز معاناة المرأة السورية في هذا الملتقى وأنها تقوم بأعباء وأحمال وأثقال وهموم تنوء بها الجبال الراسيات في الداخل ثم الخارج، وأهم ذلك الاعتقال المهين مع التعذيب الوحشي الحسي والمعنوي والاعتداء عليها بشتم عقيدتها وأخلاقها بل ممارسة ما حرم الله كما حدث في بابا عمرو وكرم الزيتون بحمص وغيرها في سورية حتى سأل أحد المواطنين أحد العلماء على الشاشة المباشرة يا شيخ هل الوطن أهم أم العرض؟ ويكفي ما عانته إحدى المعتدى عليهن بقولها: شكوناهم إلى الواحد الأحد إنه لا يوجد وحوش في العالم مثل هؤلاء ولقد كانت أول شهيدة في الثورة حميدة النطراوي من تلبيسية لتذكرنا بأول شهيدة في الإسلام سمية رضي الله عنها ثم تبعها ثماني شهيدات في بانياس بالساحل حيث قتلت في أول المرحلة السلمية للثورة خلال المظاهرة ثم قتلت الآلاف بالرصاص والقنص والحرق والتعذيب والقصف فإذا ما ذهبت إلى المخيمات في الحدود التركية والأردن ولبنان والعراق رأيت أن نسبة %70 فيها هم من النساء والأطفال طبقا لتقارير الأمم المتحدة يعانون المحن، وقد زاد عدد النازحين في الداخل والخارج على خمسة ملايين إنسان يحتاجون إلى أبسط مقومات الحياة، لكننا نرى مع كل هذه المآسي والويلات –كما قدمنا- دورا رائدا للمرأة السورية في مصيبتها حيث تقدمت ناشطات بارزات وحملن همها في الثورة وأقمن حراكات عديدة ومنظمات تعنى بشؤونها، مثل رابطة المرأة السورية (سوا) ذات الفروع العديدة، ومنظمة (نسوة) ومنظمة النساء السوريات الحرات وغيرهن، يقمن قدر الاستطاعة بدعم الجانب الإغاثي والطبي والتعليمي، وأما عن دورهن العسكري فقد انخرطن في صفوف الجيش الحر وأقمن كتائب خالد باسم بنات خالد وكان من أشهرهن ثويبة كنفاني وأميرة عرعور وجيفارا المقاتلة وبرزت القناصات مؤخرا حتى بلغ عدد المشاركات الميدانيات المئآت يثبتن الأبطال ويتقدمن الصفوف، ولذا فإننا نشكر كل الشكر من قمن بهذه المبادرة في قطر للتضامن مع أخواتهن وأخذ دورهن مثلهن ومشاركتهن في التحدي حتى أصبحت المرأة السورية والقطرية بقلبيهما في قلب واحد والحمد لله.
وكان من أهم التوصيات في الملتقى الاستمرار بدعم المرأة السورية دوما وليس يوما وبكافة الأنواع والمجالات والمظاهر الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، وكذلك التوصية بتشكيل الورش ولجان العمل المتخصصة ضمن جمعية قطرية سورية لهذا الغرض، وكذلك ترتيب الزيارات الميدانية للاطلاع عن كثب، وكذلك مناشدة الهيئات الحقوقية الدولية والأهلية للكشف عن أحوال المعتقلات والمطالبة القانونية بالإفراج عنهن، وكذلك إنشاء موقع إلكتروني خاص بالمرأة القطرية السورية وإنشاء لجنة للتواصل والمتابعة، وكذلك اغتنام فرصة انعقاد القمة العربية في الدوحة للتذكير بأحوال المرأة السورية والتأكيد على دعمها وحمايتها من الوحوش القتلة، وهذا ما نبهت إليه الدكتورة عائشة المناعي عميدة كلية الشريعة سابقا ونائبة رئيس البرلمان العربي من أن قلوب العرب والمسلمين تعتصر ألما للمحنة الكارثية التي تعانيها المرأة السورية مبشرة أن البرلمان العربي سيعقد جلساته في سورية بعد النصر بإذن الله، وهكذا كانت هذه الفعالية ممتعة بموضوعاتها حقا في اليوم التضامني الذي شعرنا فيه أن دور المرأة إنما هو كدور النحلة التي لا تعطينا إلا العسل، فيالها من إنسان رائع يجب أن يدعم ويخدم لأن مساندته في هذه الثورة فريضة شرعية كما أكد الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5262
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
921
| 12 فبراير 2026