رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن منزلة العلماء عند الله تعالى والبشر منزلة عظيمة رفيعة ولعل النصوص في ذلك أكثر من أن تحصر كمثل قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)، "الزمر: 9"، وكقول الحسن البصري رحمه الله: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء ومن هنا رأينا أهمية ركوب موسى عليه السلام البحر وذهابه إلى الخضر عليه السلام من أجل طلب العلم ولكن ثمة سؤالاً يتردد على الألسنة دوما ما المقصود بمصطلح العلم هذا ومن هم العلماء المستحقون لحمله والتشرف به، ولعلنا نجد الإجابة من خلال النظرة الإسلامية والإنسانية كذلك، فالعلم بناء على ذلك هو الفهم والمعرفة على وجه النفع والفائدة والذي يظهر على جوارح وأركان المتعلم سواء كان علما لصالح الدين أو لصالح الدنيا وهو يشمل بعد ذلك الأسرة والمجتمع العام فيغذي بكل مفيد يؤدي إلى النجاح في الحياة أما ما كان علما ظاهريا أو تجريبيا ولكنه لا يسعد فيها فهو الضرر بعينه وكما قال حافظ إبراهيم:
والعلم إن لم تكتنفه شمائل
تعليه كان مطية الإخفاق
كم عالم مد العلوم حبائلا
لوقيعة وقطيعة وفراق
فالعلم والعلماء في الأمة أسباب للعمار أو للدمار وأمثلة للمحاسن أو للمساوئ ولذلك قسم علماء الإسلام ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء "1/59" أمر أهل العلم إلى صنفين علماء الآخرة وعلماء الدنيا أو علماء السوء فإذا ما ذكرنا الجانب الأول منهم فإننا نرى أنهم يتصفون بعلامات عديدة من أهمها أنهم يريدون وجه الله وحده بعلمهم ولا يطلبون الدنيا به بل يزهدون فيها ويصبرون على ما قد يعتريهم من الفقر والحاجة احتسابا بالله تعالى وخدمة للأمة بحفظ الأصول والفروع كما قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "ص 6" والغزالي في الإحياء "1/62" والإمام مالك كما في كتاب صفحات من صبر العلماء "168".
ومنها أنهم يكونون خير قدوة للناس لا تخالف أفعالهم أقوالهم لأن ذلك من كبائر الذنوب (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)،"الصف: 3"، وقد نقل الغزالي في الإحياء "2/340"، أن الله أوحى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا استح مني.
وروى مرفوعا وموقوفا عن أبي الدرداء كما في اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي "ص 47" (ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات)، وكذا ما ورد عن معاذ ابن جبل وابن عباس بنحوه كما في قوت القلوب "2/58" وإتحاف السادة المتقين "1/374"، إذا زل العالم زل بزلته العالم من الخلق أو احذروا زلته لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه جماعات وتبلغ زلته الآفاق وقد ورد عن عيسى عليه السلام أن مثل هؤلاء أشد الناس فتنة.
ومنها أنهم يكونون بعداء عن السلاطين الظلمة فلا يدخلون عليهم البتة ويحترزون عن مخالطتهم، إذا المخالطة قد لا تخلو عن تكلف في طيب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أن الواجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدورهم لإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم فإذا سكت يكون مداهنا لهم، وإنما علماء الآخرة على طريق الاحتياط لا الدخول في مواقع الفتن وقد قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم وطريق الفتن قالوا وما هي؟ قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم فيصدقهم بالكذب ويقول فيهم ما ليس فيهم، ولذلك كان صلاح الأمراء بصلاح العلماء كما في الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عنه صلى الله عليه وسلم: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء. فعلماء الآخرة يرون أنهم لابد لهم من محاسبة الحاكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لأنهم هم القادة الحقيقيون للأمة وذلك بعد النصح والتذكير ففي الحديث الذي خرجه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضا وليلعنكم كما لعن بني إسرائيل" وعند الحاكم بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره فنهاه فقتله) وكم عانى علماء السلف من محن في سبيل الإصلاح ومجاهدة الباطل ويعاني العلماء المعاصرون الكثير المرهق أمام جبروت الطغاة المفسدين وأولئك الذين وصفهم المولى في كتابه باستشعار الخوف منه لاستفادتهم من العلم الذي خصهم به (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، "فاطر: 28".
(الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله)، الأحزاب: 39، وبمثل هؤلاء يصلح الراعي وتصلح الرعية وتعم السعادة.
أما عن علماء الدنيا الذين هم علماء السوء فهم الذين لا يزالون في لهث على الدنيا وطلب الجاه والمال ولو من غير وجه حلال وهم الذين لا تنفعهم علومهم في الآخرة بل يعذبون بسببها وقد ورد في الحديث أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وقد ورد في الخبر لا يكون العالم عالما إلا إذا كان بعلمه عاملا وعلق بعضهم على ذلك بأنه إذا لم يكن بعلمه عاملا دعي وعاء علم! ثم إن من هؤلاء من يتعلم العلم للرياء والمفاخرة وما إلى ذلك وهو ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار، ومنهم الذين يثنون على السلطان الجائر ويدخلون في كبيرة المداهنة من أجل أنفسهم أو من أجله فيضحون بدينهم لكسب دنياهم ويعاشرون كل فاسق مظهرين الرضا بما هو فيه كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح "10/428" وقال ابن القيم في الروح "ص 23" والمداهنة من أخلاق المنافقين أي النفاق العملي لا القعدي في الحياة بإقرار السلطان على باطله وهو ما حذر منه ابن مسعود أن يكون باباً للتعامل مع أي إنسان كما ذكر الإمام أحمد في العلل "1/268": أن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيلقي الرجل له إليه حاجة فيقول: إنك لذلت تثني عليه بما ليس فيه وعسى ألا يحلى أي يحظى من حاجته بشيء فيرجع فيسخط الله عليه فيرجع وما معه من دينه شيء! وهكذا يظهر أن ما يفعله بعض المنتسبين للعلم من هذا القبيل يتسبب بعقوبة لهم في الدنيا وهي موت القلب كما قال مالك بن دينار ترحل عنهم بركات العلم ويبقى عليهم رسمه كما في البداية والنهاية لابن كثير "9/268"، ومنهم المفتون الذين يسهلون على الولاة الأحكام في الحلال والحرام وهم المسلمون الذين ينزلقون حتى الهاوية في ذلك فيجرون مجرى السفهاء ويجرون على الأمة الويلات ومنهم صنف آخر وصفهم عيسى بن مريم عليه السلام بقوله: مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك هذا الماء يخلص إلى الزرع!
فلنحذر من علماء السوء فإن دورهم في الأمة دور النار في الهشيم أقول ذلك حيث الذي دفعني أن أنصح نفسي وإخواني من أهل العلم لما وجدته في وطني الغالي سوريا من نماذج مضيئة مشرقة تمثل أقوالا وأفعالا من عرجنا على بعض أوصافهم من علماء الآخرة حيث نصحوا الرئيس بشار والحكومة والشعب لله ولم يخافوا في الله لومة لائم رغم القبضة الأمنية الرهيبة والاعتقالات.. فكانوا خير خلف لخير سلف أطال الله في أعمارهم وزاد في حسن أعمالهم وذلك في مختلف المحافظات السورية رغم الأحداث الدامية وأحيي منهم أيضا مفتي درعا البطل الذي استقال من منصبه الحكومي احتجاجا على التعاطي الدموي الوحشي الرهيب فانحاز للقرآن لا للسلطان لكنني من جهة أخرى أدعو الله تعالى أن يلهم من ساروا في الدرب الآخر أن يصحوا من سكرتهم وينحازوا للشعب الذي هو أقوى من الحكومة وحقه أقوى من قوتها ويفقهوا قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)، الشورى: 42، وماذا يفيدهم الرئيس والظلمة في الدنيا ويوم القيامة؟ أنا أعرف أن منهم من كان أستاذا لنا نجله ونحترمه ونحبه ولكننا نقول: إن زلته في هذا الجانب والتقرب إلى السلطان سابقا ولاحقا تجعل الحق أحب إلى قلوبنا منه في هذا الخطأ وما كنا نتمنى أن ينضم إلى الصف الرسمي الذي أذيع عبر التلفزيون السوري بحضرة وزير الأوقاف الذي شن هجوما جارحا على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة العلامة المجاهد الشيخ يوسف القرضاوي قواه الله وقال: هؤلاء لا صلة لهم بالعلم ولا بالإسلام عليه من الله ما يستحق ومن وافقه ويجري معه في كذبه، ثم أخذ ومن معه ممن يتصدر للفتوى وهو الذي لا يعرف كلمة لا أبدا إلا حاضر سيدي ويتهمون الاتحاد بالعمل لأجندة خارجية وبألسنة حداد تجردهم من أخلاق العلماء وللأسف الشديد، يا ويل من يتعاطف مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحايا والشهداء الذين زينوا ربيع سوريا بدمائهم الزكية لقد تبين مما صرح به الأجانب وهيآتهم أنهم أشد احتراما لحق الشعب السوري ولكن ماذا نملك إذا نزعت الرحمة من القلوب؟! وسوف ينتصر الحق بإذن الله ويخسأ هؤلاء ما لم يتوبوا كما خسئ علماء النفاق في كل زمان ومكان.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026