رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثلما قدمت المملكة المغربية نموذجا للاستثناء في التفاعل الذي بدا إيجابيا مع الربيع العربي في زمانه، فإنها قدمت أخيرا نموذجا مماثلا لتفريغه من مضمونه.
(١)
تتردد في كتابات النشطاء والمدونين المغاربة في الأسابيع الأخيرة، عبارات مثل «عودة المخزن إلى صدارة المشهد» و«إغلاق قوس الحراك الديمقراطي» و«الفوز في الانتخابات تحول إلى هزيمة سياسية»، و«أهم نجاحات الثورة المضادة»... إلخ. وهي العبارات التي تختزل ست سنوات من خبرة السياسة المغربية، التي بدا أنها دخلت منعطفا جديدا مع هبوب رياح الربيع العربي في عام ٢٠١١، وتلك خلفية لا مفر من استدعائها.
آنذاك، بعد نجاح ثورة الشعب التونسي وسقوط نظام بن علي، وهروبه، وكذلك انطلاق شرارة الثورة في مصر، كان لذلك الحراك صداه القوي في المملكة المغربية، ذلك أن مليكها محمد السادس كان قد ورث نظاما بوليسيا سلطويا لم يختلف كثيرا عما كان عليه الحال في تونس ومصر، وربما كان أشد، ورغم أن الملك بعد توليه العرش في سنة ١٩٩٩ حاول امتصاص غضب المغاربة وسخطهم من خلال تشكيل «لجنة الإنصاف والمصالحة»، إلا أن التجربة أثبتت أن رحيل الملك الحسن لم يغير كثيرا في النظام وأدائه نظرا لرسوخه وعمقه التاريخي.
حين هبت رياح التغيير في بداية عام ٢٠١١، كانت الساحة المغربية جاهزة لاستقبالها. ذلك أن بعض الشباب المغاربة سارعوا إلى إعداد مقطع فيديو قصير دعوا فيه إلى التظاهر يوم ٢٠ فبراير لإعلان المطالبة بالإصلاح. وكان للدعوة صداها السريع، إذ ظهرت بعده تسجيلات عدة مؤيدة ومؤازرة له. وظلت كرة الثلج تكبر ومعها ظل صوت الدعوة للتغيير يعلو، إلى أن ذاع خبر انتصار الثورة المصرية وتنحي الرئيس مبارك في ١١ فبراير. حينذاك قررت ٢٠ هيئة حقوقية مغربية يوم ١٧ فبراير الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية وتأييد انتفاضة ٢٠ فبراير. وفي اليوم نفسه (١٧ فبراير) عقد شباب حركة ٢٠ فبراير مؤتمرا صحفيا في مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أعلنوا فيه صراحة مطالبهم التي حدودها في أمور عدة هي: إقامة نظام ملكي برلماني ــ وضع دستور ديمقراطي جديد ــ حل البرلمان وإقالة الحكومة.
(٢)
لأن الغضب كان عاما وعارما، كما أن المطالب كانت كلها إصلاحية بالدرجة الأولى، مع الديمقراطية وضد الاستبداد والفساد، ولأن الرياح بدت شديدة في العالم العربي، فإن الموجة بدت أعلا وأقوى من أن تتصدى لها المؤسسة الأمنية. وحين أدرك الملك ذلك فإنه سارع إلى ضم صوته إلى الدعوة للتغيير، ووجه خطابا يوم ٩ مارس، وصفته بعض الصحف بأنه «ثوري»، عبر فيه عن تجاوبه مع طموح الشارع المغربي، فدعا إلى تعديل الدستور وشكل لجنة استشارية لذلك الغرض، حتى بدا وكأنه رفع شعار «الشعب يريد وأنا معه».
الدستور الجديد بعد تعديله أشاع بعض التفاؤل. إذ نص على الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء. كما أنه وسع من اختصاص الوزير الأول (رئيس الوزراء) بحيث أصبح هو المسؤول عن إدارة الحكومة وليس فقط منسقا بين الوزراء. كما نص على اختيار رئيس الوزراء من الحزب الفائز بأعلى الأصوات في الانتخابات. الأمر الذي بدا تعبيرا عن احترام نتائج صناديق الاقتراع. واعتبر الأمازيغية لغة وطنية إلى جانب العربية، في تعبير آخر عن احترام التعددية العرقية والإثنية. ووصفته بعض وسائل الإعلام باعتباره نقلة أحدثت ثورة سياسية وثقافية في المملكة،
(٣)
كان حزب العدالة والتنمية (الذي بدأ باسم حركة التوحيد والإصلاح) جزءا من الخارطة السياسية وفي المعارضة منذ ١٤ عاما. إذ بدأ في عام ١٩٩٧ بتسعة مقاعد في مجلس النواب، أصبحت بعد ذلك ١٤ مقعدا وتضاعفت إلى ٤٢ مقعدا (في سنة ٢٠٠٢) ثم ٤٦ مقعدا في الانتخابات التالية. إلا أن أجواء الربيع العربي مكنت الحزب من تقدم الصفوف والفوز بـ١٠٧ مقاعد في عام ٢٠١١.
المناخ الذي أتاح فرصة الفوز، كان له دوره في تيسير تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة الأمين العام للحزب السيد عبد الإله بنكيران. وقد اشترك معه فيها ثلاثة من أحزاب الوسط السياسي هي: حزب الاستقلال والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية. ولم تكن مهمة الحكومة سهلة ولا كان الطريق أمامها ممهدا. إذ فضلًا عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحديات الفساد التي يعانى منها المجتمع المغربي، فإن مراكز القوى في الدولة لم تكن سعيدة بالتركيبة الجديدة للحكومة التي أفرزتها أجواء الربيع العربي، خصوصا أنها جاءت بوزير أول ينتمي إلى حزب له مرجعيته الإسلامية. فالقصر كان يراقب وحلفاؤه من أصحاب المصالح وعناصر الدولة العميقة ظلوا كامنين ومتربصين. أما الخصوم السياسيون والفكريون فقد ظلوا في الواجهة يناوؤن ويتصيدون. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن أجواء تلك المرحلة اقتضت إقامة «هدنة» نسبية على المسرح السياسي، خصوصا أن رئيس الحكومة حرص طوال الوقت على أن يحتفظ بعلاقة إيجابية مع القصر، وهو يحاول تنفيذ برنامج حكومته في الإصلاح ومكافحة الفساد. ويذكر له في هذا الصدد أنه قام بإصلاح صندوق المقاصة الذي كان يدعم السلع الأساسية، كما أن حكومته رفعت أسعار بعض السلع (المحروقات والكهرباء وبعض السلع الغذائية)، إلا أنها بالمقابل دعمت صندوق التضامن الاجتماعي ورفعت معاشات المتقاعدين وزادت من دعم الأدوية لتخفيض أسعارها ورفعت نسبة الطلاب المستفيدين من المنح... إلخ.
ما يثير الانتباه، أن رفع الأسعار لم يؤثر على شعبية الحكومة. دلت على ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في ٧ أكتوبر من العام الماضي (٢٠١٦)، ذلك أن حزب العدالة والتنمية لم يحتفظ بصدارته للفائزين فحسب، وإنما ارتفع عدد المقاعد التي حصدها، إذ فاز بـ١٢٥ مقعدا مقابل ١٠٧ مقاعد في انتخابات عام ٢٠١١، وكان الحزب قد فاز برئاسة البلديات في أهم المدن المغربية في الانتخابات التي جرت في العام السابق. إلا أن ذلك الفوز في الانتخابات التشريعية والبلدية تم في مناخ مختلف ــ بل مناقض تماما ــ لذلك الذي هبت رياحه على العالم العربي عام ٢٠١١.
(٤)
الحكومة التي تشكلت في أجواء انطلاق الربيع العربي لم يكن مستغربا أن تختلف عن تلك التي أريد لها أن تتشكل في أجواء انتكاسته، لذلك لم يكن مفاجئا أن تنتهي الهدنة التي كانت منعقدة ضمنا بين الفرقاء في عام ٢٠١١. وكانت النتيجة أن بنكيران الذي استطاع تشكيل حكومته في عام ٢٠١١، جرى إفشال محاولته حين كلف بالمهمة ذاتها في عام ٢٠١٦. فالذين تراجعوا وسكتوا في عام ٢٠١١ تقدموا وارتفعت أصواتهم، والذين كمنوا ظهروا مرة أخرى على المسرح، والذين راقبوا أصبحوا أكثر جرأة في فرض شروطهم. كما أن القوى الإقليمية التي آثرت السكون والحذر صارت طرفا فاعلا ومؤثرا. لذلك فإن بنكيران حين قاوم ضغوط المرحلة الجديدة ورفض المساومات والإملاءات فإنه لم يستطع عقد الائتلاف الذي يشكل به حكومته الجديدة. ووصف المشهد في الإعلام المغربي بأنه «بلوكاج» وهو مصطلح فرنسي يعبر عن «الانسداد». إزاء ذلك أعفاه الملك من تشكيل الحكومة، وأسند المهمة إلى الدكتور سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في حزبه. وهو طبيب دارس للعلوم الشرعية، كان قد تولى حقيبة الخارجية في وقت سابق. وأمهله الملك ١٥ يوما لأجل ذلك.
حين صدر الأمر الملكي بإجازة وزارة العثماني تبين أنها أقرب إلى وزارات ما قبل ٢٠ فبراير ٢٠١١. صحيح أن حزب العدالة والتنمية الفائز انتخابيا حصل فيها على ١٠ وزارات من ٣٩، إلا أنها كانت الأقل أهمية، في حين أن الوزارات الأخرى الأكثر أهمية وزعت على رجال القصر ومراكز القوى المنافسة فضلا عن الخصوم السياسيين إضافة إلى التكنوقراط ورموز العائلات الغنية. فإلى جانب أن «المخزن» يعين مباشرة وزراء الدفاع، الداخلية، والأوقاف. فإن الحزب الرابع في ترتيب الفائزين (التجمع الوطني للأحرار الذي له ٣٧ نائبا في البرلمان فقط) حصل على أهم وزارات المال والفلاحة. ورئيسه المقرب من القصر عزيز أخنوش حصل على وزارة تختص بالفلاحة (الزراعة) والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. وعين أشد خصوم العدالة والتنمية عبد الوافي لفتيت الذي كان واليا على الرباط وزيرا للداخلية. أما وزير الداخلية السابق محمد حصاد الذي كان بدوره خصما للإسلاميين فإنه عين وزيرا للتربية والتعليم. أخذ على الوزارة أيضا أنها غير متجانسة في اتجاهات عناصرها، وإن القصر وراء تعيين عشرة منهم على الأقل، وإن العثماني لن يكون له سلطة عليهم لأنهم جاءوا من جهات أعلا.
فضلا عن الاستياء الذي قوبلت به الوزارة الجديدة، فإن تشكيلها أحدث صدمة وصفت بأنها زلزال في أوساط حزب العدالة والتنمية. ومن نشطاء الحزب من وصفها في المدونات بأنها حكومة «الإهانة». إلا أنني فهمت أن الدكتور العثماني ــ وهو من حكماء الحزب وقادته التاريخيين ــ بالتنازلات التي قدمها فإنه وضع في اعتباره أمورا ثلاثة، أولا أنه راهن على كفاءته المشهودة في التوفيق بين المتناقضات ومرونته في الإدارة. وثانيا أنه حافظ على شعرة التفاعل الإيجابي مع القصر، لأن البديل هو الانتقال إلى المعارضة والصدام مع الملك. وفي ذلك من الضرر الذي يصيب المجتمع واستقراره بأكثر مما فيه من النفع. الثالث أنه حين خُيِّر بين السيئ والأسوأ فإنه قبل بالسيئ، معتبرا أن ذلك يصب في مصلحة البلد وإن بدا خصما من رصيد الحزب.
أيا كانت المبررات فإن العودة الظاهرة إلى أجواء ما قبل فبراير ٢٠١١، إذا كانت صدى لانتكاسة الربيع العربي في الإقليم فإن ذلك يظل شأن الطبقة السياسية ولاعبيها. لكننا سنحتاج إلى وقت أطول لكي نتعرف على صدى كل ذلك في الشارع العربي الذي يعيش تلك الأجواء ويمر بمختلف العواصم، والرباط من بينها بطبيعة الحال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5217
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4989
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1701
| 13 مايو 2026