رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
زيارة سمو أمير دولة قطر وعقيلته المكرمين لقطاع غزة لا يمكن قطعها عن اعتبارات المكان والزمان والضيف والمضيف ؛ أما من حيث المكان فالزيارة لغزة الصمود والمقاومة والعزة والنصر والوطنية والثورية.. ولغزة الحصار والفقر والحاجة والعراء والبلاء.. وغزة ليست هي المكان الأفضل للاستجمام ولا شواطئها هي الأجمل التي تستقطب سياحة الملوك والزعماء والأعيان.
وأما من حيث التوقيت فهي تأتي في وقت يعاد فيه تصفيف معادلات المقاومة على ضوء الأزمة السورية التي نقلت سوريا وإيران عن دعم المقاومة إلى العداء لها لأنها لم تقبل بالمنطق البغيض للطائفية والاستبداد والدم الذي " تتلبطان به " فكانت الزيارة القطرية لغزة بمثابة التوثيق والتأكيد ورسالة الوفاء لها وللمقاومة ؛ رسالة فهمها أصدقاء الشعب الفلسطيني وخصومه على حد سواء.. وهي تأتي – من حيث التوقيت أيضا - في وقت تنشغل فيه النظم والشعوب العربية والإسلامية كل بمشكلاته وتحدياته الداخلية، وإذ يتطلع الفلسطينيون حواليهم في الجهات الأربع فلا يجدون التعاطف والنصرة إلا من غربيين يغامرون بأنفسهم في محاولات متتالية وغير يائسة لكسر الحصار عنهم..
وأما من حيث الضيف ؛ فهو الشيخ حمد الذي مواقفه في دعم القضية الفلسطينية بكل فصائلها وتفاصيلها أشهر وأكثر من أن تحصر في مقال أو ترصد في بيان وليس ينكرها إلا جاهل أو جائر.. الشعب الفلسطيني لن ينسى قولة الشيخ الفذ المكرم يوم قال " حسبنا الله ونعم الوكيل " وهو يحاول جمع الصف العربي في الدوحة للوقوف في وجه العدوان الصهيوني على غزة وإذ يحول خبث ومكر أنصار المشروع الصهيوني في المنطقة دون ذلك.. ولم ييأس فجمع من وافقه منهم ليقول وإياهم قولتهم وليسجلوا في التاريخ أنهم الوحيدون الأحرار والوحيدون الذين وقفوا مع الشعب الفلسطيني والوحيدون الذي أناروا ببياض مواقفهم وأدفئوا بصدق اخوتهم ليل الفلسطينيين بل ليل العرب والمسلمين البارد الطويل في أحلك الظروف وأقساها..
وأما من حيث المضيف فهي المقاومة ورموزها وحكومتها التي هي الحكومة الوحيدة المنتخبة شرعيا وحقيقة وجديا في طول وعرض كل المنطقة العربية – طبعا قبل الثورات الحالية التي غيرت الموازين وأسقطت بعض الفاسدين الكاسدين - من هنا فالزيارة القطرية تؤكد على شرعية المقاومة وعلى أن غزة محررة بالفعل وأن فيها حكومة حرة تستقبل وتودع زوارها دون الإذعان الفلسطيني والإذن الصهيوني.. وهو ما لا تستطيع مثله السلطة التي دأبت في سياق التبرير لخضوعها للاحتلال واختراقه لها وتخويفه إياها على الزعم بأن " غزة كالضفة وأنها ليست محررة ".
هذه الزيارة في ميزان الفعل الحقيقي والتأثير العملي وبكونها بادرة غير مسبوقة من زعيم عربي لغزة منذ ست سنوات وبالأخص بعد عدوان 2008 – 2009 تعد في قمة المطلوب وأوج المأمول وغاية غايات الوطنية والقومية والإسلامية ؛ رغم ذلك فقد قامت فئة من الكتّاب أغلبهم من أقلام وألسن السلطة الفلسطينية الذين أكلت نار الغيرة قلوبهم وأحرقت أعصابهم فلم ترق لهم فقاموا يفتشون في ثناياها عن انتقاد هنا أو هناك ليتعلقوا بحباله أو ليتعللوا به، وإذ لم يجدوا راحوا يجترون كلاما بعضه يستحق الرد وبعض منه لا يلتفت إليه ولا من الحكمة الانشغال به..
مما قالوا ويرد عليه: إن في الزيارة معنى الاعتراف بالانقسام وبحكومة حماس " المقالة " وتعلية لها – أي لحماس - على السلطة وللسيد هنية على عباس وفياض ولقطاع غزة على الضفة بما يضرب التمثيل الرسمي للسلطة وللمنظمة.. وهي – أي الزيارة - بمثابة التعزيز لما تجسده حماس من خروج على الشرعية الفلسطينية.. وتساءلوا أيضا: لماذا قطر دون كل الدول؟ ولماذا أمير قطر دون كل الزعماء؟
وأقول: أما أن الزيارة تضرب التمثيل الرسمي للسلطة والمنظمة ؛ فأمير قطر لم يأت البيوت إلا من أبوابها ؛ فقد دعا السيد عباس لمرافقته في هذه الزيارة لكن الأخير رفض ؛ وهو رفض تدينه بالتأكيد اتجاهات المصالحة، وتشينه حاجة غزة للدعم السياسي والمعنوي، وكان يفترض أن يبرره ويحفزه قرار فك الحصار المعتمد عربيا ومشروع الإعمار المعتمد دوليا.. ثم إن قطر لم تسحب اعترافها بالمنظمة ولا بالسلطة ولا بعباس ولم تسلخ اعترافا بديلا لا على حماس ولا على غزة، ولم يسبق أن تعرضت قطر للفروق الخاصة بين هنية وعباس وفياض لا في الجوانب الشخصية ولا الاعتبارية ؛ بل ظلت في مقابل ذلك على موقف واحد ثابت منذ الانقسام ومنذ ما قبله هو السعي في المشتركات والجوامع والمصالحة وفي دعم استراتيجية كل فريق دون التدخل في تفاصيل موقفه وقناعاته وخلافاته مع غيره..
الحقيقة أنه ليس على قطر ولا على أي أحد سواها أن يوقف تواصله مع المقاومة أو مساعيه لفك الحصار عن غزة لمجرد أن السلطة لا تحبذ ذلك أو لأنها لا تجد مصلحتها فيه أو لأنها تتخذ منه موقفا! فإن كان السيد عباس والسلطة يفهمون أو يشعرون بأن هذه الزيارة أو ما سيتبعها من زيارات مسؤولين عرب أو غير عرب تضغط عليهم ؛ فالأحسن والأليق ليس أن يدينوا ذلك ويظهروا بموقف المؤيد للحصار والرافض للمصالحة والمغامر بمصالح شعبه ولكن أن يأتوا للمصالحة وأن يخرجوا من تحت هذا الضغط؟
وأما التساؤل لماذا قطر دون غيرها ؛ فالجواب في السؤال المقابل: ولماذا لا تكون قطر ؛ وهي التي لم تبتعد لحظة عن الهم الفلسطيني؟ وإذا كان تسعون مليون مصريا هم كل الشعب المصري - باستثناء الفلول - قد فرحوا بزيارة أمير قطر لبلادهم واستبشروا منها خيرا ؛ فهل على حماس أن ترفضها أو تمتعض منها؟ ثم أليست السلطة ووزير أوقافها هم الذي أفتوا بزيارات العلماء والرموز لهم في رام الله وخطبوا في سبيل ذلك ودهم وبرروا بأنها نصرة للقضية ؛ اللهم إلا إذا كان الحلال لهم حراما على غيرهم؟
والحقيقة أن على فتح والسلطة أن تعلما أن الأحداث والأحوال تتحرك من حواليهما فيما هما الوحيدتان الباقيتان على خيارات بل مضى عليها عشرات السنين ولم تحقق شيئا ولم توصل لنتيجة إلا خدمة الاحتلال وتمضيته وتسهيله.. وعليهما أن تعلما أن الأحداث تجاوزتهما وستتجاوزهما أكثر فأكثر ما أطالا المكوث في اللافعل واللاثورة واللاوحدة وفي الحرد السياسي والبكاء على الأطلال.. وعليهما أن تعلما أن حماس التي عرفاها قبل عشرين سنة ولم يقدراها حق قدرها وانتهتا معها إلى ما تريانه قد أقنعت الشعب الفلسطيني باستراتيجيتها وأقنعت المتضامنين من أنحاء العالم بمواقفها واستحقاقاتها، وها هي اليوم تستقطب الزيارات والوفود الرسمية..
الحقيقة أيضا أن الزيارة القطرية قد سلطت الضوء على التخاذل العربي الذي لم يعد له ما يبرره، ولست أدري بعد اليوم كيف يغمض جفن من يدعي عروبة أو إسلاما وهو يساهم في حصار غزة بتآمر أو بتخاذل! (فلا نامت أعين الجبناء)! وهل يقبل حر أو يرضى بذلك ذو شرف!؟ وعلى من يقبل بذلك أو يسوّغه متعللا أو مترخصا أن يقرأ عن حصار السوفييت لبرلين عام 1948 التي لم يكن عدد سكانها إذ ذاك يتجاوز عدد سكان غزة هذه الأيام.. ليقرأ كيف مد الغرب لها جسرا جويا زودها من خلاله بملايين الأطنان من الغذاء عبر أكثر من 270 ألف رحلة طيران ما اضطر السوفييت لفك ذلك الحصار بعد سنتين من محاولة فرضه!!
آخر القول: بورك الكبار إذ يرسمون التاريخ وبوركت الزيارة القطرية لغزة، وليس على قطر أو سواها من أشقاء وأصدقاء الشعب الفلسطيني في ظل تعطل عملية التسوية والحصار الخانق للمقاومة وتبدل ألوان الولاءات أن يتوقفوا كثيرا عند تفاصيل الخلافات الفصائلية الفلسطينية..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12210
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11133
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3699
| 22 أكتوبر 2026