رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
زيارة سمو أمير دولة قطر وعقيلته المكرمين لقطاع غزة لا يمكن قطعها عن اعتبارات المكان والزمان والضيف والمضيف ؛ أما من حيث المكان فالزيارة لغزة الصمود والمقاومة والعزة والنصر والوطنية والثورية.. ولغزة الحصار والفقر والحاجة والعراء والبلاء.. وغزة ليست هي المكان الأفضل للاستجمام ولا شواطئها هي الأجمل التي تستقطب سياحة الملوك والزعماء والأعيان.
وأما من حيث التوقيت فهي تأتي في وقت يعاد فيه تصفيف معادلات المقاومة على ضوء الأزمة السورية التي نقلت سوريا وإيران عن دعم المقاومة إلى العداء لها لأنها لم تقبل بالمنطق البغيض للطائفية والاستبداد والدم الذي " تتلبطان به " فكانت الزيارة القطرية لغزة بمثابة التوثيق والتأكيد ورسالة الوفاء لها وللمقاومة ؛ رسالة فهمها أصدقاء الشعب الفلسطيني وخصومه على حد سواء.. وهي تأتي – من حيث التوقيت أيضا - في وقت تنشغل فيه النظم والشعوب العربية والإسلامية كل بمشكلاته وتحدياته الداخلية، وإذ يتطلع الفلسطينيون حواليهم في الجهات الأربع فلا يجدون التعاطف والنصرة إلا من غربيين يغامرون بأنفسهم في محاولات متتالية وغير يائسة لكسر الحصار عنهم..
وأما من حيث الضيف ؛ فهو الشيخ حمد الذي مواقفه في دعم القضية الفلسطينية بكل فصائلها وتفاصيلها أشهر وأكثر من أن تحصر في مقال أو ترصد في بيان وليس ينكرها إلا جاهل أو جائر.. الشعب الفلسطيني لن ينسى قولة الشيخ الفذ المكرم يوم قال " حسبنا الله ونعم الوكيل " وهو يحاول جمع الصف العربي في الدوحة للوقوف في وجه العدوان الصهيوني على غزة وإذ يحول خبث ومكر أنصار المشروع الصهيوني في المنطقة دون ذلك.. ولم ييأس فجمع من وافقه منهم ليقول وإياهم قولتهم وليسجلوا في التاريخ أنهم الوحيدون الأحرار والوحيدون الذين وقفوا مع الشعب الفلسطيني والوحيدون الذي أناروا ببياض مواقفهم وأدفئوا بصدق اخوتهم ليل الفلسطينيين بل ليل العرب والمسلمين البارد الطويل في أحلك الظروف وأقساها..
وأما من حيث المضيف فهي المقاومة ورموزها وحكومتها التي هي الحكومة الوحيدة المنتخبة شرعيا وحقيقة وجديا في طول وعرض كل المنطقة العربية – طبعا قبل الثورات الحالية التي غيرت الموازين وأسقطت بعض الفاسدين الكاسدين - من هنا فالزيارة القطرية تؤكد على شرعية المقاومة وعلى أن غزة محررة بالفعل وأن فيها حكومة حرة تستقبل وتودع زوارها دون الإذعان الفلسطيني والإذن الصهيوني.. وهو ما لا تستطيع مثله السلطة التي دأبت في سياق التبرير لخضوعها للاحتلال واختراقه لها وتخويفه إياها على الزعم بأن " غزة كالضفة وأنها ليست محررة ".
هذه الزيارة في ميزان الفعل الحقيقي والتأثير العملي وبكونها بادرة غير مسبوقة من زعيم عربي لغزة منذ ست سنوات وبالأخص بعد عدوان 2008 – 2009 تعد في قمة المطلوب وأوج المأمول وغاية غايات الوطنية والقومية والإسلامية ؛ رغم ذلك فقد قامت فئة من الكتّاب أغلبهم من أقلام وألسن السلطة الفلسطينية الذين أكلت نار الغيرة قلوبهم وأحرقت أعصابهم فلم ترق لهم فقاموا يفتشون في ثناياها عن انتقاد هنا أو هناك ليتعلقوا بحباله أو ليتعللوا به، وإذ لم يجدوا راحوا يجترون كلاما بعضه يستحق الرد وبعض منه لا يلتفت إليه ولا من الحكمة الانشغال به..
مما قالوا ويرد عليه: إن في الزيارة معنى الاعتراف بالانقسام وبحكومة حماس " المقالة " وتعلية لها – أي لحماس - على السلطة وللسيد هنية على عباس وفياض ولقطاع غزة على الضفة بما يضرب التمثيل الرسمي للسلطة وللمنظمة.. وهي – أي الزيارة - بمثابة التعزيز لما تجسده حماس من خروج على الشرعية الفلسطينية.. وتساءلوا أيضا: لماذا قطر دون كل الدول؟ ولماذا أمير قطر دون كل الزعماء؟
وأقول: أما أن الزيارة تضرب التمثيل الرسمي للسلطة والمنظمة ؛ فأمير قطر لم يأت البيوت إلا من أبوابها ؛ فقد دعا السيد عباس لمرافقته في هذه الزيارة لكن الأخير رفض ؛ وهو رفض تدينه بالتأكيد اتجاهات المصالحة، وتشينه حاجة غزة للدعم السياسي والمعنوي، وكان يفترض أن يبرره ويحفزه قرار فك الحصار المعتمد عربيا ومشروع الإعمار المعتمد دوليا.. ثم إن قطر لم تسحب اعترافها بالمنظمة ولا بالسلطة ولا بعباس ولم تسلخ اعترافا بديلا لا على حماس ولا على غزة، ولم يسبق أن تعرضت قطر للفروق الخاصة بين هنية وعباس وفياض لا في الجوانب الشخصية ولا الاعتبارية ؛ بل ظلت في مقابل ذلك على موقف واحد ثابت منذ الانقسام ومنذ ما قبله هو السعي في المشتركات والجوامع والمصالحة وفي دعم استراتيجية كل فريق دون التدخل في تفاصيل موقفه وقناعاته وخلافاته مع غيره..
الحقيقة أنه ليس على قطر ولا على أي أحد سواها أن يوقف تواصله مع المقاومة أو مساعيه لفك الحصار عن غزة لمجرد أن السلطة لا تحبذ ذلك أو لأنها لا تجد مصلحتها فيه أو لأنها تتخذ منه موقفا! فإن كان السيد عباس والسلطة يفهمون أو يشعرون بأن هذه الزيارة أو ما سيتبعها من زيارات مسؤولين عرب أو غير عرب تضغط عليهم ؛ فالأحسن والأليق ليس أن يدينوا ذلك ويظهروا بموقف المؤيد للحصار والرافض للمصالحة والمغامر بمصالح شعبه ولكن أن يأتوا للمصالحة وأن يخرجوا من تحت هذا الضغط؟
وأما التساؤل لماذا قطر دون غيرها ؛ فالجواب في السؤال المقابل: ولماذا لا تكون قطر ؛ وهي التي لم تبتعد لحظة عن الهم الفلسطيني؟ وإذا كان تسعون مليون مصريا هم كل الشعب المصري - باستثناء الفلول - قد فرحوا بزيارة أمير قطر لبلادهم واستبشروا منها خيرا ؛ فهل على حماس أن ترفضها أو تمتعض منها؟ ثم أليست السلطة ووزير أوقافها هم الذي أفتوا بزيارات العلماء والرموز لهم في رام الله وخطبوا في سبيل ذلك ودهم وبرروا بأنها نصرة للقضية ؛ اللهم إلا إذا كان الحلال لهم حراما على غيرهم؟
والحقيقة أن على فتح والسلطة أن تعلما أن الأحداث والأحوال تتحرك من حواليهما فيما هما الوحيدتان الباقيتان على خيارات بل مضى عليها عشرات السنين ولم تحقق شيئا ولم توصل لنتيجة إلا خدمة الاحتلال وتمضيته وتسهيله.. وعليهما أن تعلما أن الأحداث تجاوزتهما وستتجاوزهما أكثر فأكثر ما أطالا المكوث في اللافعل واللاثورة واللاوحدة وفي الحرد السياسي والبكاء على الأطلال.. وعليهما أن تعلما أن حماس التي عرفاها قبل عشرين سنة ولم يقدراها حق قدرها وانتهتا معها إلى ما تريانه قد أقنعت الشعب الفلسطيني باستراتيجيتها وأقنعت المتضامنين من أنحاء العالم بمواقفها واستحقاقاتها، وها هي اليوم تستقطب الزيارات والوفود الرسمية..
الحقيقة أيضا أن الزيارة القطرية قد سلطت الضوء على التخاذل العربي الذي لم يعد له ما يبرره، ولست أدري بعد اليوم كيف يغمض جفن من يدعي عروبة أو إسلاما وهو يساهم في حصار غزة بتآمر أو بتخاذل! (فلا نامت أعين الجبناء)! وهل يقبل حر أو يرضى بذلك ذو شرف!؟ وعلى من يقبل بذلك أو يسوّغه متعللا أو مترخصا أن يقرأ عن حصار السوفييت لبرلين عام 1948 التي لم يكن عدد سكانها إذ ذاك يتجاوز عدد سكان غزة هذه الأيام.. ليقرأ كيف مد الغرب لها جسرا جويا زودها من خلاله بملايين الأطنان من الغذاء عبر أكثر من 270 ألف رحلة طيران ما اضطر السوفييت لفك ذلك الحصار بعد سنتين من محاولة فرضه!!
آخر القول: بورك الكبار إذ يرسمون التاريخ وبوركت الزيارة القطرية لغزة، وليس على قطر أو سواها من أشقاء وأصدقاء الشعب الفلسطيني في ظل تعطل عملية التسوية والحصار الخانق للمقاومة وتبدل ألوان الولاءات أن يتوقفوا كثيرا عند تفاصيل الخلافات الفصائلية الفلسطينية..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4296
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2565
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026