رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست متأكدا من أن الرئيس محمد مرسي سوف يخاطبنا بعد إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور. لكنني تحمست للفكرة إلى حد دفعني إلى التطوع بكتابة خطابه الذي تمنيت أن أسمعه منه.. هذا نص الخطاب.
(1)
أيها المواطنون ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ها قد خطونا خطوة إلى الأمام باتجاه إقامة النظام الديمقراطي الذي تطلع إليه شعبنا حين قام بثورته دفاعا عن الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وهو إنجاز خرج من رحم المعاناة والتجاذب الذي شهدته الساحة المصرية، وانخرطت فيه جميع القوى والفعاليات السياسية، سواء بالموافقة أو المعارضة، في ممارسة صحية لم تشهد لها مصر مثيلا خلال نصف القرن الأخير على الأقل. وكانت تلك شهادة عملية أكدت أن مصر استفاقت واستعادت وعيها وحريتها، وأن عصور الاستبداد قد ولت إلى غير رجعة، وأن حكم الفراعين والمتألهين لم يعد له موطئ قدم في بر مصر، وأن الشعب وحده أصبح صاحب الكلمة العليا ومصدر كل السلطات.
لقد شابت ممارسات الأشهر الأخيرة شوائب عنف ما تمنيت لها أن تكون، لأنها أخلّت بسلمية الثورة التي نعتز بها ونفخر. كما ارتكبت أخطاء ما تمنيت لها أن تقع، كان حصار المحكمة الدستورية العليا والتهجم على النائب العام من أبرزها. وهو ما لم يكن ممكنا احتماله واغتفاره في الظروف العادية، ولولا أن أمثال تلك النوازل من قبيل ما عرفته فترات الانتقال التي مرت بها الأقطار والثورات عبر التاريخ لكان لنا معها شأن آخر. وإذا جاز لنا أن نستخلص العبرة مما جرى فلا مفر من أن نعترف بأننا مازلنا نفتقد إلى خبرة وثقافة العيش في ظل الاختلاف. وتلك من بقايا النظام السابق الذي قوَّض مؤسسات وقيما كثيرة في مصر، وخلّف لنا بعد رحيله تركة ثقيلة تحول في ظلها الوطن إلى مجموعة من الأنقاض والتشوهات، التي أصابت السلطة والمجتمع. وذلك ليس مقصورا على أوضاعنا الداخلية فحسب. ولكن ذلك التشوه أصاب علاقات مصر الخارجية أيضا، الأمر الذي وضعنا بإزاء تحديات لا حصر لها وأثقال تنوء بحملها الجبال. إذ تعين علينا ليس فقط أن نعيد بناء مؤسسات الدولة، وليس فقط أن نعيد للمواطن كرامته، وإنما كان علينا أيضا أن نعيد للوطن كرامته ونرد له كبرياءه وقامته. من ثَمَّ فقد وجدنا أنفسنا منذ اللحظات الأولى نسابق الزمن ونحارب على أكثر من جبهة. فعملنا كثيرا وتكلمنا قليلا. واجتهدنا فأصبنا وأخطأنا وركضنا وتعثرنا، لكننا لم نفقد البوصلة ولم نتخل في أية لحظة عن الأهداف التي قامت من أجلها الثورة.
(2)
أيها الإخوة والأخوات:
ونحن نقبل على مرحلة جديدة في مسيرة مصر الثورة، أرجو أن أنبه إلى عدة أمور:
ـ أنه من المبكر كما أنه من غير الإنصاف أن نتحدث الآن عن جني الثمار، وقد توليت المسؤولية منذ نحو ستة أشهر فقط، وتلك فترة لا تسمح بأكثر من رفع الأنقاض وتمهيد الأرض وتنظيفها، قبل غرس البذور. والتعجل في هذه الحالة يمثل مغامرة تهدد المستقبل ولا يحتملها الوطن.
ـ إن عبء التركة وثقل المسؤولية يتطلب منا احتشادا لكل القوى واستنهاضا لكل الهمم واستدعاء لكل الطاقات، ذلك أن الوطن الذي هو ملك للجميع يظل أكبر من أي فئة أو جماعة. ومخطئ من يظن غير ذلك. فكل قضية تحتمل الخلاف أو الاعتراض وحتى القطيعة، إلا أن الأمر لابد أن يختلف تماما حين يتعلق بالمصلحة العليا للوطن، التي تمثل نداء ليس لأحد أن يتجاهله أو يصم أذنيه عنه.
ـ إنني في كل ما اتخذته من إجراءات وكل ما أصدرته من قرارات وضعت نصب عينيّ أهداف الثورة ومطالب الثوار، وأرجو من الجميع أن يختبروا ما قلته من خلال قراءة منصفة لما صدر عني خلال تلك الأشهر الستة. وحتى إذا كنا قد أخطأنا في الوسائل فإن سلامة المقاصد قد تغفر لنا ذلك.
ـ يجب أن نعترف بأننا جميعا حديثو عهد بالممارسة الديمقراطية، التي لم تعرفها بلادنا منذ منتصف القرن الماضي، الأمر الذي قد يفسر الكثير من المواقف الحرجة والملتبسة التي مررنا بها. وبسبب حداثة عهدنا بتلك الممارسة، فنحن أحوج ما نكون إلى بعضنا البعض، ليس فقط لكي نتقوى ونتساند، ولكن أيضا لكي يكمل منا الآخر ويتعلم منه. فنحن لا نملك ترف الاستغناء أو الاستعلاء وكل منهما يشكل جريمة في حق الثورة والمستقبل. وإنني على ثقة من أننا سنتغلب على ما نواجهه من تحديات وصعوبات، إذا استخرج كل منا أفضل ما فيه ليضيفه إلى الأفضل من عطاء الآخر. وخشيتي الوحيدة أن يؤدي التجاذب أو التشاحن الراهنين إلى استخراج أسوأ ما فينا.
ـ لا مفر أيضا من الاعتراف بأن العهود التي غيبت فيها الممارسة الديمقراطية أو زورت، وهي ذاتها المرحلة التي غيبت فيها مصالح المجتمع العليا لم تتح لنا أن نعمل معا، حتى أحالت المجتمع إلى جزر منعزلة يجهل كل منها الآخر. وحين طال الأمد بهذه النازلة فإن كلا منا لم يجهل الآخر فحسب، وإنما أساء الظن به أيضا. الأمر الذي حول مجتمعنا إلى كتلة سكانية تعاني جهل الآخر وعدم الثقة فيه. وبعض ما نعاني منه الآن من إفرازات وتداعيات هاتين النقيصتين.
ـ ينبغي أن يكون واضحا في الأذهان أن التجاذب الراهن في مصر لا ينبغي أن يحمّل بأكثر مما يحتمل بحيث يفسر بحسبانه خصومة سياسية أو نزالا بين أعداء، لأنني على ثقة من أنه في أبعد فروضه يظل خلافا بين فصائل الثوار من عناصر الجماعة الوطنية، حتى إذا انطلق من قراءات واجتهادات متباينة لأهداف الثورة. ذلك أن الخصومة الداخلية الحقيقية التي لا ينبغي أن تغيب عن البال هي مع النظام السابق وكل عناصر الثورة المضادة التي تمثله.
(3)
أيها المواطنون:
لقد تابعت عملية التصويت على الدستور في مرحلتيها الأولى والثانية، وساءني ما تخللها من عنف بين مؤيديه ومعارضيه، بقدر ما ساءتني مسارعة بعض الأطراف السياسية والأبواق الإعلامية إلى تشويه العملية والطعن فيها بالتزوير، الذي يفترض أن تبت في دعاواه لجنة عليا مختصة تضم نخبة من أرفع رجال القضاء مكانة وعلما ونزاهة. إلا أن أهم ما يعنيني فيما تم أمران، أولهما أن المشروع حظي بتأييد الأغلبية، وهو ما يمكننا من المضي قدما في استكمال البناء الديمقراطي وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية، ومن ثم إعادة الاستقرار إلى البلد.
الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية أن نتيجة التصويت بعثت إليّ برسالة حررها نحو 40% من المصوتين عبرت عن عدم الرضا عن أوضاعنا الراهنة، وهؤلاء هم الذين قالوا "لا". وفهمت أن الرفض أو التحفظ ليس منصبا على مشروع الدستور فحسب، وإنما ينسحب إلى أمور أخرى لعل ثقل أعباء المعيشة في مقدمتها. ولست أخفي أن تلك الرسالة لقيت مني اهتماما خاصا، لأن أي رئيس لا يستطيع أن ينام مرتاح البال وهو يجد أن 40% من أبناء شعبه لا يشعرون بالرضا، حتى إذا بذل غاية واسعة وكان مرتاح الضمير.
إنني أصارحكم أيها الإخوة والأخوات أن استيعاب تلك الرسالة وتحليلها سيكونان على رأس جدول أعمال المرحلة القادمة. وسأباشر بنفسي مع أهل الاختصاص محاولة الإجابة على الأسئلة التالية: إلى أي مدى أسهمت الأخطاء التي وقعت فيها مؤسسة الرئاسة في هذه النتيجة؟ وما مدى مسؤولية الحكومة الراهنة في هذه الحالة؟ ولماذا لم تنجح في توسيع نطاق الائتلاف مع بقية القوى الوطنية؟ وهل عدم الرضا راجع إلى أن سقف الجماهير كان أعلى مما ينبغي بعد الثورة، وحين لم يتحقق لها ما توقعته فإنها أصيبت بالإحباط والغضب؟ وإلى أي مدى أسهمت التعبئة والتحريض الإعلاميين في إشاعة ذلك الشعور بالإحباط؟ وهل ساعد على ذلك أيضا أننا لم ننجح في التواصل مع المجتمع ولم نحقق الشفافية المطلوبة في أدائنا؟ فرآنا الآخرون بعيون الآخرين، من خلال الإعلام مثلا، ولم يرونا على صورتنا الحقيقية؟ وإلى أي مدى أسهمت عوامل الداخل أو عوامل الخارج فيما صرنا إليه؟
(4)
أيها الإخوة والأخوات:
ينبغي أن نعترف بأن ضجيج الخلافات بين القوى السياسية قد حجب عن أبصارنا المشاكل الحياتية التي يعاني منها المصريون. ورغم أنني أدرك أن الحكومة تبذل جهدا كبيرا وتعمل في صمت على حل تلك المشاكل، إلا أنني تمنيت أن تظل أولويات العمل الوطني واضحة في أذهان الجميع بغير التباس أو اختلال. وإذا كنت قد اعتبرت استعادة رضا الغاضبين ومن ثم طمأنة الجميع واستعادة ثقتهم في الحاضر والمستقبل من أولويات المرحلة المقبلة، إلا أنني لا أتردد في القول بأن ثمة مسؤولية وطنية أخرى ينبغي أن نواجهها بشجاعة وصراحة. وهي تتمثل في استعادة الوفاق الوطني الذي انفرط عقده جراء التجاذبات والمشاحنات الأخيرة. ومازلت أتمنى أن نستعيد «اليد الواحدة» التي كانت عنوانا للتلاحم والتلاقي بين الوطنيين المصريين الذين نجحوا بإرادتهم تلك ـ وبعون الله لا ريب ـ في إسقاط النظام المستبد. ولئن نجحت تلك اليد الواحدة في هدم بنيان ذلك النظام، فنحن أشد ما نكون في حاجة إليها ونحن ننطلق لإقامة البنيان الجديد الذي يعبر عن أشواق الشعب ويجسد حلمه.
إننا في المرحلة القادمة لسنا بحاجة إلى استعادة تلاحم القوى الوطنية فحسب، ولكننا بحاجة أيضا إلى استدعاء كل طاقات العافية والإبداع في المجتمع لكي تنهض بمسؤوليتها في إقامة ذلك البناء. ذلك أننا إذا قلنا إن شعب مصر استعاد وطنه وأكدنا مرارا على أن مصر ملك للجميع وأكبر من أي فصيل فذلك الحق ينبغي أن يقابله واجب إسهام الجميع في صياغة وحمل مسؤولية الحاضر والمستقبل.
إنني أمد يديّ إلى الجميع لكي نأخذ بيد هذا البلد ونقيله من عثرته، وإذا كنت قد ذكرت في اليوم الأول أنه ليست لديّ حقوق ولكن عليّ واجبات، فإنني أضع على رأس واجباتي في المرحلة القادمة أن أعيد «اليد الواحدة» شعارا لها، وأسأل الله العلي القدير أن يعيننا على ذلك. ليس فقط لكي تستعيد مصر عافيتها في الداخل، ولكن أيضا لكي تتمكن من النهوض بمسؤولياتها والآمال المعلقة عليها في الخارج.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2874
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1182
| 28 سبتمبر 2026