رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهت الأسبوع الماضي الامتحانات النهائية للفصل الدراسي خريف 2018، ونبارك لطلبتنا وطالباتنا ممن حالفهم الحظ في اجتياز الامتحانات بنجاح، وتأهلهم إلى المرحلة التالية، كما نتمنى على الذين لم يُحالفهم الحظ، أن يتمعّنوا في الأسباب التي أدّت إلى تأخرهم. وبهذه المناسبة، وحرصاً منا على أن يقتنص أبناؤنا وبناتُنا الفرصة، لتحقيق آمالهم في الدراسة، وبالتالي خدمة الوطن، وبعد تجربتنا لأكثر من خمسة وعشرين عاماً في التدريس الجامعي تولدت لدينا بعض الأفكار والرؤى حول ملابسات التعليم الجامعي وظروفه، نوجزها في التالي:
عدم تأهيل طالب الثانوية تأهيلاً واضحاً ودقيقاً، كي يُدرك متطلبات المرحلة الجامعية! إذ نجد الطالب لا يُقدّر قيمة الوقت، فهل لا يحضر في موعد المحاضرة، وقد يصل متأخراً لأكثر من خمسين دقيقة، وهو أمر مخالف لنظم التعليم، كما أنه يفوّت على نفسه فرصة الحصول على المعلومات من الأستاذ، فيما يتعلق بالتوجيهات الأكاديمية، أو ما يخص المادة التي يدرسها، ويدخل ضمن التأهيل (Orientation ) طريقة مخاطبة الطالب لأستاذه، إذ لاحظنا – من خلال التجربة – أن خطاب الطالب فوقي، ولكأن الأستاذ يعمل لديه! كما أن بعض الطلبة يرفعون أصواتهم عالياً، عندما يحاولون طلب شيء من الأستاذ، وأغلبهم لا يعي القوانين المُنظمة للدراسة الأكاديمية، ولا يقرأ (توصيف المقرر) الذي هو بمثابة عقد إلزامي بين الطالب والأستاذ.
عدم مراعاة الوقت، كأن لا يحضر الطالب إلى الامتحان في موعده، دون سبب، ويطلب من الأستاذ عمل امتحان خاص به، وهذا يُربك جدول الأستاذ، ويجعله يتأخر في التزاماته تجاه الجامعة أو الكلية. ويلجأ بعض الطلبة، من المتعثرين، إلى الطلب من الأستاذ إعادة الامتحان، وهذا لا يجوز، لأنه يفتح الباب أمام كل الطلبة من الذين لم يحققوا درجات عالية أن يطلبوا إعادة الامتحان، وهذا له علاقة بتعود الطالب – في أيام قبل الدراسة الجامعية – وعدم إلمامه بقوانين ولوائح الجامعة أو الكلية، وينطبق الشيء ذاته على مواعيد تسليم الواجبات أو التكليفات، إذ أن تأخُرَ طالبين عن تسليم الواجبات أو التكليفات يُلجئ الأستاذ إلى عدم رفع الدرجات على (البلاك بورد)، وبالتالي يدخل في إلحاحات الطلبة المتكررة لمعرفة درجاتهم، أما أهم المخالفات في هذا الخصوص، فهو عدم حضور الطالب للامتحان النهائي، وعدم اتصاله بالأستاذ، الأمر الذي يتسبب في إرباك جدول الأستاذ، وعدم إيفائه بدقة تسليم النتائج للإدارة. لذا، يتوجب على جهات التعليم في المرحلة الجامعية، تنظيم ورش عمل، حول مراعاة الوقت، وكيفية الاستفادة من تجارب الأساتذة، في حفظ الوقت، وحُسن استغلاله لمصلحة الطلبة. بحيث لا يُربك الأستاذ بطلبات الطلبة المتعددة، ما يمكن أن يؤثر على سير الرحلة الأكاديمية.
عدم مذاكرة بعض الطلبة كليةً، حيث وجدنا في الامتحان النهائي من أجاب إجابة 100% في الامتحان، ونال كل الدرجة، في الوقت الذي سجّل البعض أقل من 5 درجات من مجموع 30 درجة! وأيضاً حصل 8 طلاب على درجة (A) بينما حصل 4 طلاب على درجة (F). وهذا مؤشر على أن الأسئلة ليست بتلك الصعوبة، بقدر ما تحتاج إلى تركيز بعض الطلبة. ومع تقديرنا لظروف الطالب اجتماعياً ووظيفياً، إلا أن تخصيص وقتٍ كافٍ للمذاكرة أمر مهم لنجاح عملية التعليم، فإذا ما اجتمعت عادةُ عدم المذاكرة، مع الغياب المتكرر، مع عدم تركيز الطالب في الفصل، فإن المشكلة تتفاقم، وتساهم في تعثّر الطالب دراسياً.
عدم اهتمام بعض الطلبة بالتكليفات، داخل أو خارج الفصل، ومن واقع التجربة، وجدنا أن أكثر من 75% من الطلبة الذين تُطلب منهم بحوث خارج الفصل، يقومون بالاستعانة بالغير في وضعها، حتى إذا ما دعاهم الأستاذ لشرح ما تقدموا به، نجدهم يتعثرون، أو يتهربون من ذلك، أو نجدهم يغيبون وقت عرض بحوثهم، وهذه إشكالية واضحة، لابد وأن توضع لها الحلول، لأن الأستاذ يكتشف مستوى الطالب خلال الأسبوعين الأولين، ويلاحظ المفردات والصياغات التي يستخدمها. وترتبط بهذا الموضوع، قضية القطع واللزق (Cut and Paste)، التي نلاحظها في بعض تكليفات الطلبة خارج الفصل، فعلى سبيل المثال وجدنا في تقرير لإحدى الطالبات عن زيارة لمعرض الكتاب الأخير في الدوحة، أنها دخلت على موقع المعرض، وسحبت المادة بأسرها من الموقع وطبعتها وقدمتها إلى الأستاذ، حتى دونما مراعاة لتغيير صيغ المستقبل أو الماضي في العبارات، وتعتقد هذه الطالبة أنها سوف «تخدع» الأستاذ، كي يُعطيها درجة عالية، ويغيب عن بال هذه الطالبة أن الأستاذ يدخل إلى موقع المعرض، ويتابعه أولاً بأول. لهذا، فإن توجيه الطلبة والطالبات في أول أيام الدراسة، خلال عملية التأهيل (Orientation) إلى أهمية مراعاة ذلك، وكتابة التقارير الخاصة بهم، حسبما شاهدوه في المعرض، من الأمور التي تُجنّبهم الإحراجات مع الأستاذ ومع الطلبة.
طلب رفع الدرجات.. درجَ بعض الطلبة على الطلب من الأستاذ رفع درجاتهم، دونما مبرر، فقط لأن هؤلاء الطلبة لم يحرزوا النتيجة التي ترفع معدلاتهم، ولكأن الأستاذ يفتح «دكاناً» لمنح الدرجات. كما أن العديد من الطلبة لا يرضى بما حققه أثناء دراسته، ونغمة الاحتجاج والعتب تطغى على تعاملهم مع الأستاذ. فالطاب الذي يحقق (A) يُشغل الأستاذ – وقت وضع الدرجات – بأن يمنحه (A+)، والطالب الذي يحقق (C)، يطلب من الأستاذ رفع درجته إلى (B)، وهكذا، وهذا نابع من عدم تقييم الطالب لذاته، أو أنه سوف «يكسر قلب» الأستاذ، ويقوم بتغيير درجته! وهذا، مستحيل، لأنه مخالف للقوانين الأكاديمية، ولابد لنا هنا أيضاً من ربط هذا الموضوع بموضوع التأهيل (Orientation)، الذي يجب أن يساعد الطالب في تفهم ظروف الدراسة الجامعية.
عدم اهتمام بعض الطلبة بالساعات المكتبية التي يحددها الأستاذ، والتي هي من حق الطالب، فنجد الزيارات للاستاذ في الأسبوع الأخير من الدراسة، وهذا يسبب تراكم الأسئلة على الطالب، وعدم وجود حلول لها، ومن المفيد للطالب، الذي لا يستوعب، خلال شرح الأستاذ، أن يأتي للأستاذ – خلال الساعات المكتبية – ويشرح له الموقف، والذي يحصل أن بعض الطلبة يغيبون عن المحاضرات، قد يوزع الأستاذ فيها بعض المذكرات الهامة، ويأتي هذا البعض إلى الحصة التالية، ولا يسأل زملاءه عما تم شرحه في الحصة السابقة، علماً أن جميع مواد المقرر مرفوعة على الـ (Black board)، ويسهل على الطالب الوصول إليها، إن حضور الطالب، وأخذه للملاحظات، خلال الفصل، أو خلال الساعات المكتبية، أمر مهم لتسهيل استيعابه للمادة، وجعله مستعداً لمواجهة الامتحان.
بعض الطلبة يُشعرك بأنه ما زال في المرحلة الثانوية، أو أنه في « العزبة»، يحضر متى شاء، ويخرج متى شاء، وهذا يشيع مناخ الفوضى وعدم احترام المدرس، ولقد واجهنا مثل هذه المواقف من بعض الطلبة، من الذين يخرجون بلا استئذان، ولا يعودون إلى الفصل، مكتفين بأنهم وقعّوا على كشف الحضور.
وبعد، فهذه بعض التجارب، التي بالطبع عاصرها العديد من الزملاء الأساتذة، والتي لا شك تحتاج إلى حلول وعلاجات لبعض المشكلات التي تواجه التعليم الجامعي لدينا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7230
| 11 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
1695
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1236
| 16 أغسطس 2026