رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ ما قبل الدولة المدنية الحديثة، لم يكن حكم دولة من الدول أو التحكم في فضاء إقليمي أو دولي، ليتم بالبندقية وحدها؛ إذ كان وما يزال أنه ليس من بُدٌّ من وجود حاضنة دينية أو سياسية تتوكأ عليها البندقية، فيسري مارد السلطة بين الناس مختالاً آمراً. وعندما فسدت وأفسدت الحواضن الدينية، لاسيما الكنيسة في عهود تاريخية بعيدة، استبدلت بحاضنة سياسية أسموها العلمانية. وكان للكنيسة قبل ذلك خاصة في العصور الوسطى، سلطة كبيرة على الناس وكانت الأكثر مالا ونفوذا وتهدد الملوك وتعين الوزراء وتوزع المناصب أو تطرد وتمنع من يعارضها من حضور الطقوس الدينيية وحتى يصل الأمر الى الاتهام بالهرطقة ثم الإعدام والموت حرقاً.
ولما بلغ سيل الكنيسة الزُبى قام الثورات ضدها، فجاءت فكرة فصل الكنيسة عن الدولة وهو ما عرف بـ"العلمانية" أو فصل الدين عن الدولة. فغدت العلمانية بعد ذلك عقيدة وحاضنة سياسية للحكومات والدول. فالدولة العلمانية، دولة ذات نظام حكم عَلماني، وهي رسمياً تضمن كونها محايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين. لكن العلمانية التي قصد منها حياد السلطة تجاه المؤمنين وتحريم الرموز الدينية في إطار أجهزة السلطة وأدواتها، استخدمت بقصد وبشكل غير منصف تجاه المجتمع من خلال تضخيم مبدأ الحيادية، مما أدى إلى تحييد المجال العام وليس تحييداً للسلطة فحسب، بمعنى تطور الأمر إلى منع عامة الناس وليس السلطة من ممارسة طقوسهم الدينية ولعل ذلك قصد به أقليات دينية بعينها، ولذلك أطلقوا على ذلك ـ"العلمانية الرادعة" المناعة للتعابير الدينية.
لكن عودة أخرى للحواضن الدينية قد بدت؛ ولم يبدأها الرئيس الروسي فلادمير بوتين، فهو ليس رجلا متدينا أو أن اهتمامه بالكنيسة الأرثوذكسية نابع من ذلك، بل أن بوتين جاء متأخرا جداً. فعلى سبيل المثال تبدو صورة بريطانيا لدى الناس أنها دولة علمانية مدنية تفصل تماماً بين الدين والدولة، لكن ذات الوقت نجد أن الملكة هي رأس الكنيسة، وهي تتصرف بوصفها الحاكم الأعلى والقائد الأعلى للجيش. وتحمل الملكة في بريطانيا لقب "حامي الإيمان"، و"حامي العقيدة". ويوجد في مجلس اللوردات 26 أسقفاً أعضاء في المجلس تعتمدهم الملكة، ويمارسون دوراً أساسياً في عمليات التشريع وسنّ القوانين. حتى ممارسة السياسة على مستوى الحكومة البريطانية نجد أن للدين حظا وافرا في اسباغ الشرعية على قراراتها الكبيرة؛ ففي العام 2003 عندما كان توني بلير رئيساً للحكومة البريطانية، أيد الاجتياح الأمريكي للعراق، وشارك فيه على خلفية دينية. وقد منحته الملكة الأسبوع الماضي وسام الفروسية ولقب "سير". أما رئيس الحكومة الأسبق دافيد كاميرون، وصف بريطانيا بأنها "دولة مسيحية" في مقال نشره في الصحيفة الانجليكانية "تشرش تايمز" قال فيه: "يجب أن نكون على ثقة أكبر كدولة مسيحية، وبصراحة، أن نكون انجيليين أكثر”. بالطبع ليست بريطانيا وحدها التي عادت سرا للحاضنة الدينية، فقد أجرى مركز بحوث بيو الأمريكي دراسة تبيّن فيها أنّ 31 دولة مسيحية تحوي أعلامها عنصراً دينياً، منها النمسا والدانمارك وفنلندا واليونان والنرويج وإيسلندا وإسبانيا والسويد وصربيا وجمهورية الدومينيك.
وكذلك كان حال مع دونالد ترامب وجورج بوش الابن، فمع كونهما رجال سياسة بالدرجة الأولى فلم يترددا في استخدام أدوات مختلفة لتحقيق خططهما ومن هذه الأدوات الايدولوجية الدينية لا سيما في أوقات الأزمات والشدة. وهذا ما فعله ترامب وبوش. فالناس كانوا مستغربين من علاقة ترامب المنفلت أخلاقيا حتى بمعايير القيم الغربية، وبين ما عرفوا بالإنجيليين البيض لأنهم لطالما ربطوا أنفسهم كحماة للقيم العائلية والأسرية، بيد أن ترامب كان أبعد ما يكون نموذجا لهذه القيم الأخلاقية أو الأسرية. ومن يفكر بعمق لا يجد أن هذه العلاقة مجرد علاقة نفعية، فالإنجيليون يعتقدون في فهم قومي مسيحي لما يسمى بالعظمة الأمريكية، وقد أخذوا على عاتقهم استعادة هذه العظمة ورأوا في ترامب بحماقته رجلا لا يخشى استخدام القوة العسكرية أو الأدوات السياسية القاسية لتحقيق النظام والأمن. والإنجيليون كانوا خارجين من حقبة باراك أوباما، حيث شعروا بتهميش فكرة العظمة الأمريكية. وكم رأينا كيف صاغ ترامب خططه السياسية وصبغها بالدين والمسيحية. أما بوش فقد بدأ حملته الانتخابية بقوله إن السيد المسيح هو أفضل فيلسوف سياسي لديه لكونه أنقذه من طريق الضلال ودله على الصراط المستقيم. ولاحقا برر بوش حربه على العراق بأنها تفويض إلهي. وعندما قال إن "منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة تاريخية ومفصلية يتوجب على شعوبها الاختيار بين الديمقراطية والحرية وبين الاستبداد والتطرف" فكانت رسائل مشفرة وليس كما يفهمها الشخص العادي على أنها تنم عن حسن نية والتزام الرئيس بوش بالمبادئ الأمريكية في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان. أما المتدينون المسيحيون من أتباع الكنائس الإنجيلية، وعليه فإن فك الشفرة يبين لهم التزام بوش بتطبيق حكم الله في الأرض وتحقيق الرؤية التي نص عليها الإنجيل والعهد القديم ووردت في سفر الرؤية أي تخليص منطقة الشرق الأوسط من قوى الشر الذي هو شرط أساسي لعودة المسيح وتحضير المنطقة لخوض المعركة الأخيرة التي سينتصر فيها الخير على الشيطان وبالتالي إقامة دولة الله على الأرض.
المدهش أن المتمسكين المتشددين بالعقيدة العلمانية تجد أكثرهم في الدولة الإسلامية، ويجدر هنا ذكر ما حدث للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عام 1998 عندما كان عمدة لمدينة أسطنبول حيث اتهم بالتحريض على الكراهية الدينية، لأنه خالف علمانية الدولة التركية وتسبب ذلك في سجنه وعزله من منصب عمدة أسطنبول ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة. وكل ذلك لأنه اقتبس أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري يقول فيه:
مسـاجـدنـا ثكناتـنـا
قـبـابـنـا خـوذاتـنــا
مـآذنـنـا حـرابـنـــا
والمصلون جنودنا
هذا الجيش المقدس يحرس ديننا
yasirmahgoub@hotmail.com
yasir_mahgoub@
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1011
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
819
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1215
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2730
| 30 أكتوبر 2026