رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الأزمة السودانية وتفاعلاتها ببعيدة عن الصراع الدولي الرئيس، بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية حول مراكز النفوذ الإستراتيجية حول العالم. ومن المؤكد أن السودان يقع في قلب أتون الصراع الإستراتيجي الدولي، وهو صراع يدور حول الطاقة والمياه والأراضي الزراعية والموقع الإستراتيجي. فالسودان يحتل مكانة محورية في التفكير الإستراتيجي الأمريكي والروسي على حد السوداء، بالنظر إلى مخزونه من الثروات النفطية والمعدنية لا سيما الذهب في الوقت الحالي واليورانيوم في المدى المتوسط، فضلا عن امتلاكه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومصادر مُتنوِعة من الموارد المائية وإطلالته الإستراتيجية على البحر الأحمر.
وفيما تقف روسيا عبر مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة مع مليشيا الدعم السريع التي تخوض اليوم صراعا مع الجيش السوداني بعد محاولتها الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب فاشل في 15 أبريل الماضي؛ فإن الولايات المتحدة تتحفظ على الوقوف بوضوح مع الجيش السوداني بسبب مزاعم سيطرة الإسلاميين عليه، فوقع القرار الأمريكي في الحالة التأرجح بين مؤسستين سياسية وتمثل وزارة الخارجية والكونغرس من جهة، وبين البنتاغون والمخابرات المركزية من جهة أخرى. وتحاول واشنطن عبر وساطته المشتركة التحكم في المآلات السياسية بقيادة الجيش فيما بعد عملية دحر مليشيا الدعم السريع نهائيا. وتشير تقارير صحفية أمريكية نقلا عن وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن مجموعة فاغنر تزود مليشيا الدعم السريع بصواريخ أرض جو لمواجهة الجيش السوداني.
وقبل نحو عام نشرت نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا ذكرت فيه أن شبكة فاغنر حصلت على الكثير من الأموال والذهب من السودان، ورسخت أقدامها هناك وأصبحت مساهمة في سحق الحركة الديمقراطية في البلاد. وقالت إن فاغنر مورّد «للبنادق المأجورة»، بهدف التوسع الروسي بالقوة في رقعة واسعة من أفريقيا تتمدد في السودان وليبيا ودول الساحل وموزمبيق وتنزانيا وأفريقيا الوسطى وغيرها. وتخشى واشنطن من حصول روسيا على امتيازات تعدين في السودان مربحة بمساعدة قائد مليشيا الدعم السريع الشهير بحميدتي، تنتج سيلا من الذهب، يعزز مخزون الكرملين البالغ 130 مليار دولار، الأمر الذي يمكن من استخدام ذلك في تخفيف تأثير العقوبات الاقتصادية في حرب أوكرانيا، من خلال دعم الروبل.
وتابعت واشنطن بقلق شديد ما تعتبره تعطشا شديدا للسلطة والثروة من جانب محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خاصة بعد زيارته لموسكو في الأيام الأولى لحرب أوكرانيا الحالية. وتسيطر عائلة حميدتي على تجارة الذهب السوداني الذي يُهرّب حوالي 70 % منه، وفقا لتقديرات بنك السودان المركزي. وتطمع روسيا بالإضافة للذهب في إنشاء قاعدة عسكرية لها على الشاطئ السوداني المطل على البحر الأحمر، قادرة على استيعاب سفن تعمل بالطاقة النووية.
ويعتبر الاهتمام الأمريكي بالسودان أقدم من الاهتمام الروسي؛ إذ يعود تاريخ اهتمام الولايات المتحدة بالسودان إلى العام 1910، حين قام الرئيس الأمريكي الأسبق تيدور روزفلت بزيارة رسمية للخرطوم. كما زار السودان في أواخر خمسينيات القرن الماضي ريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأمريكي في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور. في عهد الرئيس جعفر نميري (1969 - 1985) بدت العلاقات السودانية الأمريكية حسنة في ظاهرها حيث قامت شركة شيفرون الأمريكية بالتنقيب عن البترول، ولكن قبل أن تبدأ الشركة مرحلة استخراجه توقفت وجمدت عملها بضغوط من البيت الأبيض وجماعات الضغط الأمريكية بسبب تطبيق نميري قوانين الشريعة الإسلامية في العام 1983م وقد تم رهن استئناف العمل في استخراج البترول بإلغاء تطبيق قوانين الشريعة. ولم ير استخراج البترول النور إلا في عهد نظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي قيل إن الخرطوم قامت من خلال طرف آخر بشراء حق التنقيب والاستخراج من شيفرون وانطلت الحيلة على شركة شيفرون وواشنطن.
وفي أواخر عهد الرئيس نميري زار السودان جورج بوش الأب نائب الرئيس الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وكان من نتائج الزيارة تنفيذ عملية ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان إلى إسرائيل باشراف المخابرات الأمريكية. كما قام النميري في ذات الوقت بالإطاحة بحلفائه الإسلاميين بزعامة حسن الترابي وأصدر أحكاما بالإعدام على عدد من قياداتهم، ولم تنفذ بسبب تسلم وزير الدفاع الفريق عبد الرحمن سوار الذهب السلطة في أبريل 1985 إثر ثورة شعبية أطاحة بالنميري نفسه.
ولعل نظام الرئيس البشير شكَّل أكبر تحدٍّ أمام المخططات الأمريكية في السودان ولذا تخشى واشنطن من عودة ما للإسلاميين وتصدر المشهد السوداني ربما عبر الجيش السوداني، ولذلك تعول في هذا الوقت على عدم حسم النصر لصالح الجيش واستمرار الفوضى وحالة السيولة الأمنية عبر أداة المفاوضات والعقوبات، فقد عمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال عقود طويلة مضت إلى خلق أزمات في عدة مناطق من العالم تنفيذا لإستراتيجية الهيمنة الأمريكية.
ومعلوم أن واشنطن فرضت أول عقوبات على نظام البشير في نوفمبر 1997، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان. وقبل ذلك أدرج واشنطن الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993 زاعمة إيواءه جماعات تعتبرها إرهابية بعد الهجوم على سفارتها في العاصمة الكينية نيروبي. ومع ذلك كله بادرت واشنطن في العام 2001 إلى احتواء السودان في موقف اعتبر تحولاً عن سياسة المواجهة، حيث نقل القائم بأعمال السفارة الأمريكية في السودان رسالة إلى الرئيس البشير يهنئه فيها بفوزه في الانتخابات الرئاسية. كما قامت في 2009 بافتتاح أكبر سفارة لها في أفريقيا بمساحة 40 كيلومترا مربعا. ونقل عن الإدارة الأمريكية خططها لأن تكون السفارة الأمريكية في السودان مركز وثقل العمل الدبلوماسي الأمريكي في أفريقيا، وأنها تعتبر الثانية في الشرق الأوسط بعد العراق من حيث التجهيزات.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026