رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الوصفة التركية.. نموذج ما بعد الثورات العربية لماذا لا يوجد تعارض بين الإسلام والديمقراطية في تركيا؟ ليبراليون ويساريون وأكراد صوتوا لأردوغان وحزبه! هل تقتفي الحركات والجماعات الإسلامية العربية نهج حزب العدالة التركي؟
ستكون هذه آخر المعارك الانتخابية.. هكذا أعلن اردوغان الذي فاز في الانتخابات البرلمانية التركية للمرة الثالثة على التوالي، الرجل الذي غيّر وجه تركيا أكثر من أي رئيس وزراء آخر خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، والذي يقارنه أتباعه بمصطفى كمال أتاتورك، المؤسس الأسطوري للجمهورية التركية. التجربة التركية خلال السنوات العشر الماضية أثارت الكثير من الجدل ولفتت الأنظار في العالم الغربي القريب منها على الضفة الأخرى، وفي عالمنا العربي والإسلامي الذي يشترك معها في التاريخ والجغرافيا والتراث الديني. تجربة الوصفة التركية الأخيرة جاءت مع انطلاقة حزب العدالة والتنمية الذي حقق فوزه الثالث ليطرح العديد من التساؤلات خصوصا ما بعد ثورات الشعوب العربية في الدول التي تحررت من ديكتاتورية الرئيس الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد، في مدى تحقيق الديمقراطية وتكريس التعددية الحزبية، وحكم الشعب للشعب، وتحقيق الحريات العامة والفردية مع بروز الأحزاب والجماعات السياسية ذات المرجعية الدينية.. وهل يمكن تكرار التجربة التركية في العالم العربي؟!
التيار الإسلامي في تركيا بدأ مسيرته بالبدايات الكلاسيكية لخطاب الجماعات الإسلامية في التأكيد على الحاكمية والتفرد والانكفاء على الذات والموقف من الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحرية الرأي والتعبير إلى أن جاءت نقطة التحول مع تقدم الصفوف الأمامية قيادة تعلمت من التجربة ومسيرتها واخفاقاتها وتقدمها وتراجعها، وانفتحت على الآخرين وقدمت خطابا جديدا مغايرا وهو ما تبناه حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، الذي حصل في انتخابات 2011 على أكثر من (50) في المائة من أصوات الناخبين وليس كالعربية (99 %)، وهو فوز كبير يعكس تصاعد شعبيته، بالمقارنة مع فوزه بنسبة (47) في المائة من المقاعد البرلمانية في الانتخابات السابقة التي أجريت عام (2007)، أو عام (2002) عندما فاز بنسبة (34) في المائة من المقاعد. لقد شهدت تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية نموا اقتصاديا واستقرار سياسيا، وهو في طريقه لكي يحقق الشعار الذي وعد به في سنة (2023)، (بعد سنة من استضافة دولة عربية هي قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم)، وهو جعل تركيا قوة عالمية في خلال عقد اجتماعي ابتداء من إغلاق جميع الملفات السياسية العالقة، وتحولها إلى واحد من الاقتصاديات العشرة الأقوى في العالم، مرورا ببناء بنى تحتية جديدة متطورة والمشاريع الاستثمارية في قطاع الخدمات والطرق والإنشاءات والصحة، وانتهاء بجعل المدن التركية واحدا من أهداف السياحة الخمسة الكبرى في العالم.
لقد خرج رجب طيب أردوغان من رحم المؤسسة الدينية في تركيا، تخرج من مدرسة دينية، ودخل السياسة من بوابة التيار الإسلامي الذي قاده نجم الدين أربكان، لكنه منذ انطلاقته في عام (2002) يشير الى أنه لا يمثل حزبا دينيا، ويريد بناء دولة ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة كما في أوروبا ولا تسيطر فيها الدولة على الدين كما هو حال العلمانية التركية. مجلة الشروق طرحت عدة أسئلة على أردوغان بعد فوزه، أهمها من انتم (نفس سؤال القذافي عن الثورة وثوارها)، إسلاميون أم علمانيون أم ماذا؟ هل انشقاقكم عن حزب الفضيلة، انسلاخ كامل عن الجسم والروح، لتتماشوا بصدق مع شرط العسكر، أم انها ضرورة تكتيكية لحزب إسلامي بعباءة علمانية، يريد أن يتجنب سيناريو الحل كما حدث من قبل؟ ليرد بهدوء مؤكدا بعد الفوز الثالث أن حزب العدالة والتنمية ليس حزباً إسلاميا ولا أيديولوجيا، بل حزب ديمقراطي لكل تركيا، بأعراقها وأطيافها وتياراتها المتعددة في سقف القيم المشتركة، قيم العدالة والحرية والأخلاق والعمل، ثم يعود لتقديم الرسائل التطمينية "ليس في نيتنا أبدا لا اليوم ولا غدا أن نقيد من حريات الناس، أو نجبرهم على اتخاذ نمط حياة بعينه، هذه قناعتنا الأبدية" وهو لا يقصد بذلك العلمانيين، بل أيضا الأعراق الأخرى التي يتشكل منها العنصر التركي "لن تكون تركيا قوية وديموقراطية ما لم تعترف بالمطالب المشروعة لشعبنا من الأكراد، كنا سبّاقين لطرح مشروع قوي يفتح نقاشا وطنيا شاملا حول الموضوع، وجرى سن قوانين تعترف وتدعم التنوع الثقافي في البلاد"، من المفاجآت اللافتة بقوة في الانتخابات الأخيرة تصويت الأعداء السابقين من الليبراليين واليساريين والأكراد لاردوغان وحزبه. لكن الطريق ليس كله مفروشا بالورد، فالمعركة القادمة قد تكون حاسمة في تركيا وتحمل اختبارات حقيقية: من صياغة دستور جديد، والمسألة الكردية والخلافات المزمنة بين تركيا وجيرانها في قبرص، والصراع في سورية، والموقف من الربيع العربي وثوراته خصوصا ان موقف اردوغان مع ليبيا كان مخيبا للآمال لكنه تعلم الدرس عندما اندلعت شرارة الثورة في دمشق، بالإضافة إلى الدور التركي الإقليمي والعلاقة مع إسرائيل وإيران، والعلاقات مع الولايات المتحدة ومستقبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
لقد أثبتت التجربة التركية في الانتخابات الأخيرة في سنة ولادة الربيع العربي وثوراته، انه لا يوجد تعارض بين الإسلام والديمقراطية، فقد أكد حزب العدالة والتنمية على مدى السنوات العشر الماضية في السلطة سقوط هذا المفهوم وزيفه، وعمل على ترسيخ قيم العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان والفصل الكامل بين السلطات، والاحتكام دائما إلى صناديق الاقتراع. كان أردوغان واضحا في قوله "لسنا حزبا إسلاميا ولا ايديولوجيا، بل حزب ديمقراطي لكل تركيا، بأعراقها وأطيافها وتياراتها المتعددة". فهل تجرؤ التيارات والحركات والجمعيات الدينية في الخليج، مثل الحركة الدستورية الإسلامية "حدس" والتجمع السلفي الإسلامي في الكويت، وجمعية المنبر الوطني الإسلامي، جمعية الوفاق الوطني الإسلامية في البحرين، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب الله في لبنان، والجماعات الإسلامية في العراق والجزائر وتونس وسوريا السودان والإخوان والسلف والأقباط في مصر، أن يدلوا بتصريحات مشابهة أو حتى قريبة منها؟ّ!
فاصلة أخيرة:
وَدَعِ الباقـي للديَّـان
أمّـا الحُكْـمُ.. فأمـرٌ ثـانْ
أمـرٌ بالعَـدْلِ تُعـادِلُـهُ
لا بالعِـمّةِ والقُفطـانْ
توقِـنُ أم لا توقِـنُ.. لا يَعنـيني
مَـن يُدريـني
أنَّ لِسـانَكَ يلهَـجُ باسـمِ اللهِ
وقلبَكَ يرقُـصُ للشيطـانْ!
احمد مطر
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
852
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
666
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
642
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026