رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* منذ أن نال السودان استقلاله وبدأ مسيرته دولة ناشئة، وحتى اليوم، لا يزال يسعى جاهدا لإحداث الانتقال من حال الضعف إلى حال القوة، متجاوزا معيقات تقدمه، ما ورثها من الاستعمار وما كانت كامنة فيه، يسعى لبناء دولته الحديثة، ليحقق التنمية والرفاهة، ويستوفي استقلال الأمة وسيادتها. وإن كان السودان قد كسب تحدي وجوده كدولة قائمة بإعلان الاستقلال، فإنه قد خسر تحدي استقراره السياسي، وأقعدته الخطوب عن القيام بواجبات النهوض والتنمية، بل إنه ليكاد في هذه اللحظة التاريخية يعود كرة أخرى ليواجه تحدي وجوده – الذي يفترض أنه قد تجاوزه.
* لقد تضافرت عوامل عدة منذ الاستقلال لتورث نظامنا السياسي علله الراهنة. أولها، علل الدولة التي اضمحلت على مر الأيام كفاءتها وحيدتها وهيبتها، وانحازت إلى وظيفة التنفيذ على حساب وظائف التشريع والرقابة، وإلى هموم الحكومات ومن يمسكون بها على حساب هموم المجتمع وسواد الناس. وقد غدت مؤسسات الدولة بلا استراتيجيات هادية، وضعف التزامها بحقوق المواطن وحرياته، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية التجمع والتنظيم، واختل نظام العدالة، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية، وازداد داء الفساد المالي والإداري الذي أضحي مسلكاً لا يرتكبه بعض الأفراد فحسب بل نهج تسير به مؤسسات وهيئات باسم القانون والإجراءات الاستثنائية.
* ولقد تناصرت تلك العلل، مع علل أخرى لتورث البلاد ضائقة اقتصادية هي خليط من ضعف البنية الاقتصادية واضطراب السياسات. ونتج عن ذلك تراجع التنمية ومعاناة جميع فئات المجتمع خاصة الفقيرة، سوى قلة قليلة، مما أدى إلى اتساع الفروق الاجتماعية، ثم تضاعفت مهددات الدولة بنشوء الحركات المسلحة لانتزاع مطالبها بالمغالبة، فازداد بذلك عبء الحرب المثقل إلى الأعباء الأخرى.
* وإن أزمات السودان قد أصابت علاقاته الخارجية، حتى أصبح دولة استجابة لا مبادرة، بينما موقعه وتاريخه، كلاهما، يرشحانه لأن يقود المبادرات الإقليمية التي تعيد تشكيل المنطقة وعلاقاتها.
إن أخطر التهديدات التي يواجهها السودان اليوم جراء استخدام القبيلة أداة للتمكين السياسي المرحلي على حساب الوطن هي تفكك نسيجه الاجتماعي، وخطر أن يتحول التنوع فيه إلى وقود للاحتراب الأهلي عوضا عن أن يكون مصدر ثراء، وأن يصبح الفضاء السياسي ساحة للصراعات القبلية وللممارسات العنصرية والإقصائية.
* صحيح أن كثيرا من علل السودان وأزماته عمقها وعقدها التدخل الخارجي والتضييق على السودان واستهداف وحدته منذ الاستقلال، لكن ذلك لا يكفي مبررا وحيدا لرفع الملام عن أخطاء السياسة وعبء المسؤولية الذي يتحمله الحكم الوطني، إذ ما كان لكيد الخارج أن يحقق أهدافه لولا ضعف الثقة في المجتمع وتفكك عناصر المقاومة الداخلية.
* ومن ثم فإن المسؤولية الأخلاقية توجب النقد والمراجعة، دون خوف أو مواربة، ليس على صعيد الممارسة العملية فقط، بل على صعيد الأطروحات الفكرية والسياسية، حتى ينطلق مشروع إصلاحي حقيقي، يملك من الضمانات ما يكفي لعدم إعادة إنتاج التاريخ.
* إن مما يعقد التحديات والمخاطر التي يواجهها السودان هو غياب الرؤية الإستراتيجية تجاه الأوضاع الراهنة، وضعف المبادرات السياسية لحلها. لذلك فإن على القوى السياسية أن تنتقل من الشعارات والأهداف العريضة إلى اتخاذ مواقف جديدة تحمل معالجات عملية للتحديات والمخاطر. وهذه ليست مهمة لحزب واحد أو للحكومة وحدها، بل ينبغي النظر إليها ومقاربتها باعتبارها عبئاً وطنيا مشتركا ووظيفة عامة يتداعى إليها جميع السودانيين، فهذه الأوضاع ليست نتاج اللحظة الراهنة وحدها، بل هي نتاج تراكم تاريخي متصل. وليس الهدف من المبادرة تبرئة الذات وإلقاء المسؤولية على أفراد أو جماعة أو فئة، بل هي تنطلق من إحساس عميق ببالهم المشترك والمسؤولية التضامنية.
* إن المبادرة التي يطرحها هذا النداء ليست منبتة عن أصل ولا هي وليدة لحظة مفردة، بقدر ما هي امتداد لدعوات سبقت، وحوارات داخلية نقدية عميقة لتجربة الإنقاذ وللتجربة السياسية السودانية عامة. فهي بذلك محاولة للنظر والاقتباس من تلك المبادرات، بما في ذلك أدبيات القوى السياسية المختلفة، تطرح مساهمة في معالجة التحديات التي يواجهها السودان.
* ولا يصدر هذا النداء عن دعوى بامتلاك ناصية الحقيقة والاستئثار بجوهر الحكمة، لكنها تنطلق من إيمان بقدرة المجتمع على الفعل، وبأهلية الإنسان وإمكاناته لأن يمتلك مصيره برغم ما يحيط به من أسباب القنوط. ما تطمح إليه هذه المبادرة هو أن تبعث حراكاً إصلاحياً في أوصال السياسة وقواها المختلفة، حراكاً يتوسل إلى غاياته بتجميع صف السودانيين على الحدود الدنيا المتفق عليها لتكوين "جبهة سودانية متحدة" تقود التصدي لأهم واجبات المرحلة بالبناء على كل ما هو متفق عليه وتأجيل المختلف فيه إلى حين قيام انتخابات يرتضيها الجميع. حراكاً يؤسس لإقامة مجتمع مؤمن، وشعب حر، ودولة عادلة، وسلام مستدام، ووطن متحد، يستمد نهجه من سبل التدافع السلمي وتنظيم الإرادة الجماهيرية ودفعها وفق الدستور والقانون والأطر المدنية.
* وليس الحراك الإصلاحي ممارسة يحتكرها تيار أو فئة، بل هو فاعلية نقدية بنّاءة ومتجددة للتاريخ وواقع الممارسة السياسية في السودان، هدفه الأقصى بلورة مشروع سياسي تنموي شامل لتجاوز خيار الوهن والاحتقان السياسي والاجتماعي والتراجع الاقتصادي. ويرتكز هذا المشروع على المرجعية الإسلامية والقيم الحضارية التي أشار إليها الدستور عندما أكد أن الأديان "مصدر قوة وتوافق وإلهام". مرجعية تستمد قوتها ومضاءها من هدي الدين المؤكد لمبادئ الحرية والعدل وكرامة الإنسان، المعلي لمفهوم المسؤولية الفردية والجماعية، والصارم في إمضاء مبدأ المحاسبة وإزالة جميع أشكال الفساد والزيغ عن الاستقامة.
* إن الحراك الإصلاحي ليس بدءاً جديدا بالكلية، وإنما هو جهد يستند في أدبياته ومرجعياته على الحكم المستخلصة من التجربة السياسية السودانية متمثلة في دستوري السودان لسنتي 1998 و2005 اللذين قعد بهما سوء التطبيق أكثر مما أضرت بهما علل المضامين. ويعمل الحراك الإصلاحي على تحقيق أهدافه استناداً على قوة الحجة والحوار وتفعيل الأطر السياسية التشريعية والتنفيذية والشعبية، وفق ما يكفله الدستور والقانون وما تجيزه اللوائح والنظم وأعراف الممارسة، وذلك وفق المرجعيات التالية:
الإنسان
المبدأ الأول هو محورية الإنسان السوداني في رؤية الحراك الإصلاحي، الذي يهدف في جوهره إلى صيانة أمن الإنسان واحترام كرامته وحفظ دينه وحماية حريته وتحقيق رفاهة، وذلك بالانصياع التام لمقتضى تكريم الخالق للإنسان وبإطلاق طاقاته وممكناته على نحو معزز لمبادرة الفرد في مجتمعه، ومؤكد لدور المجتمع في توجيه الدولة ونظمها. إن حرية الضمير والتفكير والتعبير، وعدالة النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهي الأساس الذي ينهض عليه المجتمع المتآلف والفاعل، ولا يجوز بأي حال التضحية بالحرية من أجل الأمن، أو تعطيل العدل من أجل التمكين السياسي أو الاقتصادي لفئة أو جماعة.
الوطن ووحدته
الوطن بسلامه ووحدته في مقدمة الأولويات، لأن الوطن هو موضع التكليف وهو الفضاء الذي تتحقق فيه الهوية والكرامة ومعنى الانتماء، فالحفاظ على وحدته وسلامه الاجتماعي ونموه الاقتصادي والثقافي هدف أسمى للحراك الإصلاحي. ولكي ما يتحقق ذلك لابد من تحكيم مبادئ الدولة الحديثة والابتعاد عن النماذج التي تتخذ الدولة وسيلة لتغذية نزعات جهوية، أو مصالح طائفية، أو طموحات إيديولوجية على حساب المصلحة العامة ومقتضيات الشراكة الحقة في الوطن، إذ إن أولى لبنات مشروع البناء الإصلاحي هو تعميق مفهوم الشراكة والتكافؤ في الوطن واعتماد الحوار كطريق أنجع لصياغة التوافق الوطني الشامل والدائم، وذلك وفق الآتي:
الحرية والعدل هما أساس البناء الوطني الراسخ والناهض. فبسطهما وصيانتهما هو غاية الحراك الإصلاحي ومدار فعله.
(ب) المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.
(ج) تأكيد قومية أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية وكفاءتها، بوضع الأسس والضوابط التي تمنع من جعل الدولة ملكية لفئة متغلبة، تستغلها وتسخرها لخدمة أهدافها والاستقواء بها إزاء شركائها في الوطن.
(د) إنفاذ الإرادة الشعبية في تكوين أجهزة الدولة ومحاسبتها، وذلك من خلال ترسيخ ثقافة الشورى وتبني الإجراءات الديمقراطية الصارمة لضمان شروط العدالة وتكافؤ الفرص.
(ح) اعتماد مبدأ التوازن والمركزية الإيجابية في السياسات الاقتصادية والتمثيل السياسي لترسيخ العدالة الاجتماعية ولمعالجة خلل التوازن في الفرص.
التنوع الثقافي والفكري والهوية الوطنية
الاحتفاء بالتنوع والتعددية التي يذخر بها السودان، باعتبارها آية ومنة من الله الخالق، وأنها مصدر ثراء وقوة جديرة بأن تحمى وتعزز في مناخ حر وصحي يدفع بالحوار الإيجابي والتفاعل الواعي. فللسودان هوية متميزة هي نتاج طبيعي لعمق تاريخه وثراء ثقافته وتنوع مكوناته البشرية والطبيعية، والهوية هي بالضرورة مجموع لمتعدد، ينبغي أن تحترم مكوناته وألا تستخدم كأساس للإقصاء أو الصراع أو تهديد روابط الإخاء والتعايش السلمي المشترك. ويستوجب احترام التنوع والإيمان بمبدأ الحوار البناء بين الأديان عطفاً على الأخوة في الوطن والإنسانية وعملا بواجب التعامل بالقسط والتعاون على البر والإحسان التي حضت عليها الشرائع السماوية، واجتناب المسالك التي تسعر الصراع الديني.
السلام
لئن كان السلام الدائم تحرسه القوة فإن الطريق إليه لا يتأتى إلا وفق بنية سياسية مستقرة يتراضى عليها الجميع، يؤمنون بها ويعملون على حمايتها وتطويرها. والتراضي الوطني شرطه إقامة العدل وتنفيذ حكم القانون وإزالة دواعي الغبن والاحتقان الاجتماعي والحيف الاقتصادي.
التوافق الوطني
الأوطان خاصة في مراحل النمو والتشكل تحتاج لبنية سياسية لا مغالبة فيها ولا إقصاء. لذا، فالتوافق الوطني شرط لازم لبناء الدولة الوطنية الحديثة وليس خيار تحتمه أو تلغية توازنات السياسة المحضة. وللوصول لهذا التوافق الوطني لابد من ترسيخ ذهنية الانفتاح والتواصل، التي تعد الترياق الناجع ضد التعصب القبلي والجهوي والأيديولوجي الذي يهدد وجود السودان ويعوق فرص نموه وتطوره.
المصلحة والتعاون مع المحيط الإقليمي والعالمي
إن علاقات السودان الخارجية، الإستراتيجية منها والمرحلية، يجب أن تستند إلى أسس هي مزيج من المبادئ والمصالح الوطنية بما يؤدي إلى ترسيخ مفاهيم التعاون على البر وتحقيق المنافع المشروعة وفق المبادئ المشتركة والاحترام المتبادل بين السودان ومحيطه الإسلامي والإفريقي والعربي وبقية القوى والمنظومات الدولية، ويجب أن يكون السودان متعاونا مع كل القوى الخيرة من أجل دعم السلم والعدالة الدولية واحترام خيارات الشعوب.
التنمية والتحديث
من أهم أهداف الحراك الإصلاحي هو إحداث التنمية الشاملة في أبعادها الثقافية والاقتصادية والتقنية. والتحديث يعني التعاطي الواعي مع الحضارة الكونية بما يحفظ هوية الفرد والمجتمع، ويؤسس لمنظور نقدي مقارن بين الخصوصية والعولمة يسمح بإبداع أصيل للأفكار وإنتاج المعارف وإرساء دعائم النهضة.
ملحوظة: تتوقف هذه الوثيقة عند حدود الحجج التأسيسية للإصلاح، وتحجم عن تقديم صيغ ومقترحات عملية للإصلاح إلى وقت آخر قريب. ومع ذلك تظل هذه الورقة التأسيسية مفتوحة للجدل والإضافة والاستدراك من قبل المطلعين عليها، عملا بمبدأ الشورى المفتوحة التي تهدف للتجويد والتكميل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9669
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3456
| 22 أكتوبر 2026