رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يرد في القرآن والسنة ذكر لهذين الاسمين (هابيل وقابيل)، ولكنهما متداولان على نطاق واسع في كتب التاريخ والتفسير، وموجودان في الروايات الإسرائيلية وكتب أهل الكتاب.
والمهم أصل القصة وعبرتها، ولا يضر اعتماد هذين الاسمين لشهرتهما، ولا يحتاج ذلك إلى أسانيد قوية، خاصة وقد ورد هذا عن ابن عباس وعبدالله ابن عمرو وغيرهما.
وفي القرآن سرد القصة في خمس آيات من سورة المائدة، وجاء السياق متصلًا بقصص أهل الكتاب مما جعل بعضهم يظن أن القصة وقعت في بني إسرائيل، والحق أنها كانت لولدين مباشرين من أبناء آدم، ولذلك جاء في الصحيحين: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا. إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا. لأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ). (أخرجه البخاري ومسلم).
إذًا فهي أول جريمة قتل تقع في الأرض بعد خلافة آدم.
معظم الروايات تتحدث عن خلاف على الزواج من البنت الأجمل، وهذا معنى ظل ساري المفعول في بني آدم كما قال ابن السمّاك: (لولا ثلاث لم يقع حيف ولم يرفع سيف: وجه أصبح من وجه، وسلك أنعم من سلك، ولقمة أسوغ من لقمة).
فالصراع على الجمال والثياب والطعام؛ سر كثير من الحروب التي يوظّف فيها من لا يدرك مغزاها.
والقرآن لم يعنَ بتفصيل ذلك؛ لأن المقصد هو العبرة بتعظيم الدم وحرمته وحفظ حقوق (الأخوة الإنسانية الآدمية) القائمة بين البشر كلهم، إلا ما يقتضيه العدل وتأذن به الشريعة.
كما لم يعنَ القرآن بتفصيل القربان، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أفضل ما لديه بطيب نفس، وقابيل صاحب زرع فقرَّب شر ما لديه وبغير طيب نفس.
أما التَّقبُّل، ويعني قبول الله للقربان فورد ما يدل على أن علامته أن تأتي نار من السماء فتحرقه، وجاء في القرآن قول اليهود: {الَّذِينَ قالوا إن الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (183: آل عمران).
وفي صحيح مسلم في قصة "يوشع بن نون": أنهم جمعوا الغنائم فأقبلت النار فلم تأكلها، فأعادوا إليها الذهب المغلول فأقبلت النار فأكلتها.
حسد قابيل لأخيه أنموذج مصغَّر لما وقع من الشيطان مع آدم، شعوره بأفضليته أثار غيرته، فطفق يهدده {لَأَقْتُلَنَّكَ} (27: المائدة)، وكان رد هابيل: إن الله الذي جلبنا إلى الأرض سيثأر لي إن قتلتني.
الهمُّ بالقتل يحدث، والتسامي عن الانتقام يحدث أيضًا، فهابيل كان الأقوى، ولكنه كان الأتقى، ولذا لم تُحدِّثه نفسه بأن يبادر بالقتل، ولا خطرت في باله فكرة: (تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك).
مبدأ هابيل كان سلميًا: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} (29: المائدة)، كان عارفًا بأن القتل نار وعار وظلم: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} (29: المائدة).
كان حريصًا على حماية نفسه، حذرًا من غدر أخيه، ولا يغني حذر من قدر، لقد وجده قابيل نائمًا على سفح جبل فرماه بحجر فقتله..
وقع لقابيل بعض التردد والإحجام فهو يهم بجريمة لم يرها قط، ولكنه يدرك أنها يمكن أن تقع، وبمقدوره أن يفعلها، تهيَّبَ من ذلك ولكن نفسه الأمارة بالسوء (طَوَّعَت) له قتل أخيه.
التعبير بالأخوة تذكير بالمشترك الإنساني بين البشر من بني آدم، وتعظيم لحرمته وحقه، وتحذير فوري من التجاوز والعدوان عليه.
يسجل القرآن ندم قابيل بعد أن رأى أخاه جثة هامدة، وتعبير القرآن: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31: المائدة)؛ يدل على شدة الندم وتمكّنه، فهو أبلغ مما لو قال: فأصبح نادمًا!
وهذا يشبه قول الله تعالى لآدم وحواء: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35: البقرة).
ولعل هذا الندم لم يكن ناشئًا من خوف الآخرة ولا قصد به التوبة الصادقة ولذا لم ينفعه، والتوبة تنفع في الآخرة من كل ذنب حتى من الشرك والقتل فما دونهما.
عبَّر عن ندمه بقوله: {يَا وَيْلَتَا} (31: المائدة)، وهي إنما تقال عند الوقوع في هلاك أو تعاسة أو حسرة، وتذكَّر فورًا أن المقتول أخوه: {فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} (31: المائدة).
الأخطاء مهما عظمت لا تلغي الأخوة، وفي سياق مشابه بشأن القصاص يقول تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (178: البقرة).
الذنب مهما عظم لا يعني الكفر ولا يخرج صاحبه من الدائرة الواسعة.
تقديم قابيل للقربان دليل على وجود أصل الإيمان، ولا دليل على أنه كان منافقا.
جاء عمران بن طلحة بن عبيدالله إلى علي - رضي الله عنه - فرحَّب به علي وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك (يعني طلحة الذي حاربه) والزبير ممن قال فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (47: الحجر).
يمر القرآن على مشهد القتل سريعًا دون إبطاء ولا تفصيل ولا تطويل: {فَقَتَلَهُ} (30: المائدة)، فمن الجدير عدم التركيز في السرد على لحظة الضعف بتفصيل قد يفضي إلى المحاكاة أو الإغراء.
العبرة هي الخسارة الناجمة عن القتل: خسر أخاه، وأسرته، وإنسانيته، وسعادته، وآخرته، خسر تاريخه وصار مثالًا يُتلى إلى يوم القيامة، ونموذجًا يحتذى في الشر والقطيعة.
العلاقة بين الإخوة في الأسرة الواحدة ذكورًا وإناثًا يجب أن تكون قائمة على الحب والاحتضان، والانسجام والإيثار، والاحترام المتبادل والتفاهم، ومراعاة حق الوالدين، والعفو والتسامح في حال حدوث مشكلات وحلها بالصبر والحلم والتنازل وتجاوز الحظوظ النفسية، والتسامي عن الأنانية.
(حضن الوالدين) يسعنا جميعًا وليس علينا أن نكثر من الشكوى: أيّنا يعتنون به ويحبونه أكثر، مأدبة الطعام التي نتحلّق حولها، المنزل الذي احتفظ بذكريات الطفولة، الجينات، المعبر الذي سلكناه جميعًا (الرحم)، المصير..
حالات العصبية أو الحساسية أو التوتر يجب أن تعالج بـ{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134: آل عمران).
العلاقة بين المتنافسين في الأجواء الصحية هي تسابق بالخيرات، وتنافس في الطاعات دون تباغض أو تحاسد أو استسلام لنزعات النفوس المريضة، فرص الحياة تسعنا جميعًا فلماذا نتدافع؟ لماذا نعتقد أن نجاحنا هو في تقويض نجاح الآخرين؟
قابيل وهابيل أنموذجان بشريان.. أيهما تحب أن تكون؟
إذاعة قطر.. هذا الصرح الكبير
منذ أيام وبتاريخ ٢٥/ ٦ /٢٠٢٦ احتفلت إذاعة قطر بمرور ٥٨ عاما على انطلاقها عبر الأثير، فحمدت الله... اقرأ المزيد
45
| 05 يوليو 2026
الكفاءات الطبية.. بين الاستغناء والاستقطاب
حين يرحل صاحب الكفاءة والخبرة الطويلة من موقعه الوظيفي بعد سنوات من العطاء والانتاج والإخلاص، وكسب السمعة الطيبة... اقرأ المزيد
57
| 05 يوليو 2026
بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها،... اقرأ المزيد
1581
| 04 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4827
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4524
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3381
| 01 يوليو 2026