رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في العلاقات الدولية ثمة سياسة تسمى المساعدات الدولية، وهي تحويل موارد دولة لأخرى لسبب طارئ في وقت معين لتحقيق أهداف معينة مباشرة في وقت المساعدة أو تحقيق أهداف غير مباشرة طويلة الأمد، لكن الدول تقع دائماً تحت سندان التذمر من المواطنين للظاهر من المساعدة، دون أي اعتبار للعلاقات الدولية والظروف المحيطة بهذا الفعل.
في السياسة الدولية تأتي المساعدات على شكلين، شكل ظاهر، وهو الذي تراه الجماهير والذي يكون في إطار أموال تخرج من حساب الدولة إلى حساب دولة أخرى كمعونة مالية غير مرتجعة في أزمة تتعرض لها الدولة الأخرى باختلاف أنواع الأزمات، في الغرب يراها المواطن أنها أموال الضرائب التي كانت يجب أن تعود له على شكل خدمات، وفي الشرق يراها المواطن على شكل أموال الثروات التي كانت يجب أن تعود له على شكل مكتسبات.
الشكل الثاني للمساعدات هو ما يراه أهل السياسة والعاملون والخبراء فيها، وهي التي من خلالها يحققون ما يحققونه لدولهم، وتتعدد أسبابها، وتتقدمها الأسباب الإنسانية، لكننا في السطور التالية سنفرد بعضاً من أسبابها وليست جميعها.
هناك مساعدات مرتبطة بالجانب الديني أو العرقي أو الإقليمي أو الطائفي أو المذهبي وفق توجهات الدول السياسية، وقد تطول فترة هذه المساعدات، وقد يمتعض المواطنون في دولة معينة منها بسبب تغير الزمن أو الفهم أو الترويج السياسي أو التعاطي الإعلامي، لكنها واقعة ومستمرة والدول تحتاج لها لضمان أمنها أو لأي من الأسباب التي ذكرتها في المقدمة.
فلسطين مثلاً بالنسبة للعرب، هي قضيتهم التي يستمر الدعم لها ما دامت أرضاً محتلة، واجبة الفعل عليهم وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي للدول العربية، وكلما رُدِع الكيان الصهيوني في مكان فإن مدينة عربية في مكان آخر أمنت نفسها لسنوات، ففلسطين أرض الرباط التي يجب أن تبقى حية، بغض النظر عن أسباب دعمها المباشر وغير المباشر من كل دولة، كما أن مساعدات الدول العربية الغنية للدول العربية الفقيرة تأتي في إطار تقوية منظومتنا العربية، بغض النظر عن الاختلافات السياسية، لكن وجود منظومة عربية قوية يقوي الجميع وضعفها يضعف الجميع.
وتقدم الدول المساعدات لتقي نفسها ويلات الأزمات التي قد تحدث في مكان آخر، والتي قد تؤثر على المدى البعيد عليها في أحد جوانب إدارتها للدولة، فعلى سبيل المثال يتم تقديم المساعدات الآن لأوكرانيا من دول العالم لأسباب مختلفة منها الإنسانية، ومنها من الدول القريبة من أوكرانيا التي ترى أنها قد تكون التالية، ومنها التي ترغب بهزيمة روسيا وهز صورتها وإدخالها في أزمة اقتصادية وعسكرية وسياسية، ومنها من يساعد أوكرانيا حتى لا تتأثر صادراتها بما يؤثر على استهلاكها المحلي وسلاسل الإمداد المختلفة (أوكرانيا أكبر مصدر لزيت الذرة ورابع مصدر للقمح والذرة)، هذه الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب ستؤثر في كل بيت في العالم على مستوى القمح مثلاً، وإن لم تتوقف الحرب فإن الأسعار سترتفع وستدفع الدول أضعاف ما تدفعه من مساعدات لأوكرانيا حالياً.
وتقدم الدول المساعدات على شكل منح تعليمية للدول الفقيرة التي تعاني مشكلات كبرى في التعليم وخاصة في إفريقيا وآسيا، فهذه المساعدات وإن كانت من جانب إنساني في مقام معين، فإنها في مقام ثان تساهم في نهضة الأمم والقضاء على الجهل الذي قد يولد الجريمة ويزيد من احتمالية انتشار الفساد من محيط هذه الدول لمحيط عالمي أو انتشار الهجرة غير النظامية التي تؤدي لمشكلات من كافة الأنواع والأشكال.
أيضا هناك المساعدات في وقت الأزمات الصحية التي تساهم في القضاء على انتشار الأمراض والسيطرة على الأوبئة والتي لو لم تتدخل الدول فيها لزاد انتشارها وكانت تكلفة العلاج منها أعلى بكثير من القضاء عليها في مهدها.
وهناك مساعدات تدفعها الدول الغنية، والدول المستعمرة سابقاً، والدول التي ما زالت تحت الحماية مثل دول التاج البريطاني على سبيل المثال، أو الدول التي تتعرض لمضايقات مستمرة من جيرانها مثل كوريا الجنوبية وهونغ كونغ في سبيل حماية نفسها من أي تهديد إقليمي محيط بها.
وهناك مساعدات بأشكال كثيرة مثل المساعدات الرياضية، أو المساعدات الثقافية، أو البيئية أو غيرها مما يساهم في تحقيق أهداف هذه الدول أو في فرض سياسة معينة في هذه الدولة أو في وقاية نفسها من شر مستقبلي أو في تحقيق غاية إنسانية سامية.
لكن.. ماذا تحقق هذه المساعدات؟ تحقق هذه المساعدات للدول الكثير من المكاسب على المدى البعيد، فعلى سبيل المثال لا الحصر تساهم في بعض الأحيان في فرض أجندات معينة على هذه الدول مثلما كانت تفعل بعض الدول الأوروبية في إفريقيا، أو تساهم في زرع ثقافة مثلما حدث مع الفرانكفونية في إفريقيا أيضا.
كما أن هذه المساعدات تساهم في منح الدول الضوء الأخضر للقيام بمشاريع كبرى، فبعض الدول حصلت على الضوء الأخضر لشراء نوع معين من الأسلحة مثلاً بسبب ذلك، أو إقامة مشاريع طاقة نووية أو إقامة مشاريع صناعية كبرى أو تحالفات سياسية معينة، ولم يكن لذلك أن يكون لولا أنها قدمت مساعدات مباشرة للدولة التي منحتها الضوء الأخضر (وغالبا تكون من الدول الكبرى) أو للدول المتحالفة مع هذه الدولة الكبيرة.
والمساعدات تساهم أيضا في بناء التحالفات على المدى البعيد وبناء نوع من اتفاقيات الحماية المشتركة وإن لم تكن موقعة كما حدث في الكثير من الأزمات السياسية التي وقفت فيها دول مع دول كانت تساعدها دائماً، وتخلت فيها دول عن مواقف الحق لأن الدولة صاحبة الباطل من الدول التي تقدم لها منحاً أو مساعدات مستمرة.
وقد تكون المساعدات أيضا شكلاً لبناء تحالف للمكاسب المشتركة في عمليات التصويت المختلفة، فهذه الدولة تساعد دولاً محددة في وقت معين لأنها تمتلك حق التصويت في منظمة دولية، أو لأعضائها القدرة على التأثير على قرار مؤسسة أممية، أو لحكومات يمثلها أفراد يملكون حق التصويت للفوز باستضافة حدث عالمي كالألعاب الأولمبية مثلاً.
وهنا يجب أن نذكر أن الجمهور يفرح بأي إنجاز تحققه بلادهم، في مشروع قومي، أو في استضافة حدث عالمي، أو في الفوز في التصويت، لكنها لا تعلم كيف تحقق هذا الإنجاز، أو كيف نالت بلادهم حق الاستضافة، أو الفوز بالمنصب، أو التصويت، أو غيره. إن المساعدات المالية في السياسة الدولية تختلف اختلافا كليا عن العلاقات بين الأفراد، لهذا لا يجب أبداً النظر لأي فعل سياسي من المنظور الاجتماعي الفردي الضيق، ولا الحكم عليه في إطار أن كل شيء عندي يجب أن يكون لي، فأنت لا تعيش في العالم وحدك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8724
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2829
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2451
| 30 أكتوبر 2026