رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن المتأمل لحقائق المشهد الفلسطيني في الصراع مع الكيان الصهيوني والذي كانت حرب غزة هاشم مسرحا له منذ أحداث عام ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩ بعملية إسرائيل المسماة حينها الرصاص المصبوب ثم العملية الأخيرة في هذا الشهر المدعوة "السحاب المعومد بالنار" وما جرى في المعركتين من نزاع ميداني انتهى - خصوصا في الحلبة الأخيرة إلى ظهور مكسو بالهيبة التي أفرزها بناء الذات في غزة واستطاعت أن تصل بقوتها وصواريخها إلى قلب تل أبيب وعسقلان والعمق الإسرائيلي المزعوم ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يسرع إلى أمريكا وكذلك الشركاء والحلفاء طالبا التهدئة مع حماس، كما أكد ذلك المراقبون المحايدون وصرح بذلك خالد مشعل بكل وضوح، إن هذا يدل دلالة أسطع من الشمس أن الكيان الصهيوني لا يمكنه أن يفهم إلا لغة القوة والقوة فقط وإن من يسبر غور القضية الفلسطينية منذ بدايتها يشعر ويحس بضرورة هذا الحل الذي يجعل الإسرائيليين يغيرون من مواقفهم بناء على الغلبة الميدانية ضدهم والباحث المنصف ليس بحاجة إلى أبجدية هذه المعرفة إذ تثبت كل حقيقة على مدار الصراع ذلك. ولذا كان العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد الحموي يقول: إن عقدتنا مع اليهود عقدة لا تحلها إلا القوة وقد ذهب إلى ذلك رئيس الوزراء السوري الأسبق فارس الخوري مفندا أن يأتي الصلح مع اليهود بأي نتيجة كما ذكر العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه قضية فلسطين. فالرد المطلوب مع هؤلاء هو المناجزة الفعلية وليس إلا. ولعلنا إذا عدنا إلى بدايات القضية نرى ذلك فقد ذكر اللواء محمود شيت خطاب في كتابه " طريق النصر في معرفة الثأر" في بعض أحداث عام ١٩٤٨م أن دورية يهودية هاجمت ليلا قرية جلبون المشرفة على غور بيسان ضمن قطاع جنين فأسرت ستة رجال وامرأتين وكانتا قد استنجدتا بالله تعالى وبالنبي صلى الله عليه وسلم على حين كانت الدورية تجرانهما من شعريهما وكانت مفرزة من الجيش العراقي مرابطة في المنطقة فجاءت الفكرة المخلصة من ضابط منه تتلخص في اصطحاب مدفع واحد عيار ٣/٧ جبلي مع ست عشرة قنبلة وقام الضابط بقصف إحدى مستعمرات اليهود في بيسان للانتقام منهم وإجبارهم على إطلاق سراح الأسرى من أهل جلبون وبعد غروب الشمس تم إطلاق المدفع على مستعمرة (تل العمال) فقصفها بما لديه من القنابل فأطفئت أنوار المستعمرة حتى غدت المنطقة في ظلام دامس. وفي عصر اليوم التالي ما كان من اليهود إلا أن فكوا أسر الرجال الستة والمرأتين وعادوا إلى أهليهم في جلبون وارتفعت المعنويات في القطاع وكان من نتيجة ذلك أن اليهود لم يعودوا يجرأون على مهاجمة القرى العربية هذه. وتلك هي اللغة التي تفهمها إسرائيل فاليهود جبناء ولكنهم مقتدرون إذا كنا أضعف منهم وإن أعددنا وملكنا القوة فإنهم يذوبون ويبذلون كل الجهد لحفظ حياتهم ومالهم [ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ] البقرة ٩٦.
وإن هذه المعادلة يجب أن يحفظها السياسيون المحنكون وهي أنه لن يكون لهم ولا لسياساتهم قيمة ما لم تكن لهم قوة ضاربة تؤيدهم وقديما قالوا: الحق للسيف والعاجز يحتاج إلى شهود، ويوم أن أذعن السياسيون لمن هم وراء إسرائيل من دول وقبلوا الهدنة الأولى ثم الثانية مع بدايات الصراع خسروا كل شيء وكانت فرصة لليهود أن يتوسعوا في المستوطنات ويغتنموا الوقت لتمرير الاحتلال أمام قوم فقدوا إرادة الاستمرار في القتال وأصبحت جرائم إسرائيل محترمة بقوة الاستمرار وغفلة أهل الحق عن حقهم، وهكذا يفعل المحتل إذا لم يكن في وجهه من يصده فالديناصور الإسرائيلي سيبقى بسرطانه الخبيث يفعل في جسم الأمة وليس الجسم الفلسطيني والغزاوي فقط خصوصا أن الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية بما يملكونه من مال وإعلام ولوبي كالإخطبوط يدعمون هذا المحتل، هذا من جهة أما من جهة أخرى فإنه يجب ألا ننسى أن المحتل ينصب الحكومات المستبدة على شعوبها لمعونته وضمان مصالحه وكلاهما لا يرتويان من ضحاياهما فالمحتل يستفيد من المستبد الذي لا هم له إلا السلطة ونهب الشعب والمستبد يستفيد من لغز وجود المحتل كي يبرر قمعه للشعب بحجة مواجهة المحتل ويشيع أنه إنما يفعل ذلك باسم المقاومة والممانعة كما هو الحال في الخطاب السوري منذ عهد حافظ الأسد إلى بشار، وقد لا يكون عبثا أن يكون التزامن بين اشتعال الحرب الجديدة في غزة مع دوام اشتعال الشمال السوري. وقد يفيدنا هذا في التحليل أن مصير المشرق العربي إنما يتحدد في القوس الذي ترسمه بلاد الشام لرفع الاحتلال من وجه ودفع الاستبداد من وجه آخر إذ إنهما متلازمان في الهدف وقد يكون الثاني أخطر من الأول لالتباس مشهده على الكثير من الجماهير، والدليل أن كليهما بواقع فائض القوة الموجهة عندهما في الكيان الصهيوني من جانب والكيان الأسدي من جانب آخر يعملان في قهر الناس واستذلالهم وإن كان بحسب السنن الكونية لن يستطيعا أن يحققا نتائج مهمة أمام شعوب قررت أن تقاومهما حتى النصر، هنا يجب ألا نفرق بين وحش تل أبيب ووحش دمشق الذي هو أخطر من الأول. وقد حدثنا المجاهد رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين لما حضر مؤتمر الأمة الإسلامية في اسطنبول أن أحد العلماء حمله هذه الأمانة من رام الله كي يقولها في المؤتمر أمام الجمهور وهي قوله: الحمد لله الذي ابتلانا باليهود المجرمين ولم يبتلينا ببشار الأسد الأجرم منهم. ولعل من جملة الأدلة على ما نقول ما جاء في تقرير رويترز للأنباء في ٢٠- ٧ - ٢٠١٢ حيث نقل ديفيد رود مؤكداً تعاون أمريكا وإسرائيل مع بشار الأسد لقمع الثورة مفيدا أن ثمة خطرا على المصالح الأمريكية ولعل رأسها شأن الكيان الصهيوني والخوف من المارد الإسلامي الذي سوف يهدد ما رسموه منذ سنين، وفي هذا السياق أكد الدكتور صائب عريقات في كتابه " التغييرات في العالم العربي وآثارها على أمريكا وإسرائيل" طبع وزارة الخارجية في قطر - أن التغييرات الموجودة في العالم العربي تحتم على أمريكا الاعتراف بأن إسرائيل مصدر قوة للحفاظ على مصالحها وليس عبئا عليها كما أن إسرائيل لا تغفل أن علاقاتها مع جيرانها إنما تعتمد كليا على السياسات الداخلية للدول العربية كما أثبت تاريخ الأحداث. وهي تعلم أن الحاكم المستبد يصب في مصلحتها لمصلحة بقائه مهما كلف الثمن وهكذا يتقاسمان الأدوار في ظل فقدان الوطنية المخلصة لحاكم يقتل الشعب السوري. ولعل هيلاري كلينتون فهمت جيدا ذلك عندما أكدت أن حماية أمن إسرائيل أمر صلب كالصخر.
ونحن نؤكد أن القوة بمفهومها العام حتى بالنضال اللاعنفي تؤدي إلى كسر ضلع المحتل والمستبد أحيانا وقد حدث هذا في عدة من البلدان كما هو معروف ولكن الأمر بالنسبة إلى إسرائيل يبدو أنه لن يمكن لثوابت وسياسات باتت معروفة عند المحتل وكذلك لا يصلح الأمر بالنسبة إلى سورية الحارس الأمين لإسرائيل والمستبدة منذ أربعين عاما بمنطق الأسد على الشعب والنعامة مع اليهود لاسيما أنه أيضا ثمة مصالح إقليمية وعالمية تصب في هذا الهدف. وبينما لا يرى أوباما تناقضا في خطابه الأخير بين مصالح أمريكا وتطلعات الشعوب وأمالها في الديمقراطية مع الحذر أن هذا التصور قد لا يصمد لأن الحكام العرب لا يريدون ذلك فإن نتنياهو يؤكد أنه يجب أن تتوقف عملية السلام مع الفلسطينيين انتظارا لنتائج الربيع العربي الذي هو في قناعته ضد الحرية والليبرالية وإسرائيل وأن حركاته إنما جاءت باتجاه الإسلام السياسي المعادي لإسرائيل مؤكداً أن الذي لا يفهم الأمر هكذا إنما هو كمن يدفن رأسه في الرمال.
أقول وهذا ما يفسر سعي إسرائيل لعدم تغيير الأنظمة الاستبدادية إذ صرح نتنياهو أن ذهاب حسني مبارك خسارة كبيرة لإسرائيل وأن إبقاء بشار الأسد إنما هو مصلحة إسرائيلية إستراتيجية، ولكننا نقول إن تحرير البلاد العربية من المستبد إنما هو الطريق الأوحد لتحرير فلسطين من المحتل مع تأكيدنا أن كليهما وجهان لعملة واحدة وشعارهما ترجيح المصالح على المبادئ ولذا فلابد من مجاهدتهما دون كلل أو ملل على الدوام حتى تتحقق أهداف الأمة العربية والإسلامية في الحق والحرية والمساواة والكرامة وحتى لا تذهب دماء الشهداء أدراج الرياح لأنها هي وحدها ثمن النصر المنشود في كل حال.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
501
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
610
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
417
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3216
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2940
| 30 أكتوبر 2026