رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الملاحظ أن الكثير من أصحاب الرأي والخبرة والعلم والمعرفة ممن استلموا مهمات قيادية في أوطانهم في مرحلة من المراحل ووصلوا إلى أعلى الهرم الإداري في وزارات ومؤسسات الدولة سواء كانوا وزراء أو وكلاء وزراء أو قضاة أو عمداء كليات أو رؤساء جامعات أو أساتذة تربويين أو إعلاميّين مخضرمين أو رؤساء تحرير وصحفيين محترفين أو علماء أفاضل وغيرهم.. تجدهم عندما كانوا على رأس عملهم كانوا متفانين في أعمالهم ونشطاء في الكثير من الأحداث والفعاليات في المجتمع، وكان لهم نشاط وحضور واضحان بين الناس وفي الإعلام بشكل خاص، وسرعان ما انتقلوا من دائرة الضوء والنشاط إلى دائرة الظلام والفتور، فسرعان ما اختفوا من الإعلام ومن التواجد الفعّال بين الناس ومن الفعاليات والمبادرات المهمة في أوطانهم، كل ذلك لأنهم تركوا (مناصبهم) وفي لحظة واحدة أصبحوا على أعتاب مرحلة أخرى من الانزواء والانطواء والإهمال وبالتالي أصبحوا رهن الإحباط والفشل ومغادرة الحياة والاستعداد للموت.
هذه الظاهرة تعاني منها الكثير من الدول العربية والخليجية بشكل عام ولكننا في قطر نعاني منها بشكل لافت وواضح، حيث تختفي تلك القيادات التي كانت تقود وزارات ومؤسسات وكان لها شأن وأثر عظيمان في الكثير من القرارات، فبعد أن كانت شعلة من النشاط وكتلة من الحماس وحزمة من العلاقات إذا بها تخفت وتبهت ويتلاشى بريقها وتغيب في غياهب (الماضي) الذي بدأ مع انتهاء (الوظيفة الرسمية أو المنصب الرسمي) الذي كان يتقلّده في آخر عهده.
عندما يترك وزير الوزارة أو رئيس المؤسسة أو عميد الكليّة أو الجامعة أو نحوهم فيذيّل تاريخه الحافل بكلمة (السابق أو الأسبق) بعد أن أمضوا عدة سنوات في مناصبهم تلك – دون الخوض في إنجازاتهم أو إخفاقاتهم أثناء فترة عملهم – فإنهم بعد ذلك يمارسون دوراً (هامشيّا وتقليدياً) في مجتمعاتهم وفي مجتمعنا القطري تحديداً، حيث لا تصبح لديهم أنشطة أو مشاركات رسمية أو شعبية، بل ويتجاوز الأمر إلى مرحلة الغياب الفعلي أو الكلّي واختفاء الحضور الحقيقي في المجتمع. ولا أقصد هنا الحضور الحقيقي أو التواجد العادي كأن يحضر وزير سابق لحفل عرس أو أن يحضر قاضي محكمة سابق أو عميد كلية سابق أو ضابط عسكري سابق إلى وليمة عشاء أو دعوة شخصية لمناسبة اجتماعية.. فالجميع يفعل ذلك، وإنما أقصد الحضور الفعّال الذي ينتج عنه التأثير والمشاركة، فما العيب مثلاً أن يحضر مثل هذه الرموز أو النخب لبعض المحاضرات العامة أو الفعاليات المجتمعية المختلفة وأن يساهموا بتواجدهم في إضفاء نوع من الدعم والتقدير للمنظمين وللبرنامج وللفكرة أو الحدث الذي يحضره، فعلى سبيل المثال: إن حضور رئيس جامعة (سابق) أو عميد كلية (سابق) لمحاضرة ثقافية عامة إنما هو دليل اهتمامه وحضوره ومتابعته ورغبته في المشاركة بتعليق أو شهادة أو رأي أو حفاوة للحضور أو للمنظمين أو مجرد الاستماع إلى معلومة أو فائدة جديدة، فما الضير في ذلك؟! إذ إن الإنسان لا ينبغي أن يقف عند حد معين من العلم والمعرفة والاطلاع، وكلّما ازداد علمه ازداد معرفة بجهله، ولنا في العلماء وفي السلف الصالح خير أسوة وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يتواضع – رغم مكانته – أمام كل من يحفظ حديثاً للنبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن قد سمعه من قبل فيذهب قاصداً إليه ليتعلّم منه حتى أصبح حبر الأمة بعلمه وتواضعه الذي أوصله لتلك المكانة، ولذا كان ومازال العلماء أشد خشية لله تعالى، لأنهم يزدادون معرفة به سبحانه وتعالى كلما ازداد علمهم وأيقنوا بجهلهم فيما مضى فعدّلوا من أفكارهم وآرائهم واستغفروا لذنوبهم ولم يصّروا على أخطائهم بجهالة.
وقد يقول قائل: كيف لشخصية معروفة أن تحضر في محاضرة أو ندوة أو فعاليات بالمجتمع دون أن توّجه إليه دعوة للحضور؟! ولماذا لم يدع أصلاً ضمن المحاضرين لتلك المحاضرة أو تلك الندوة ناهيك عن دعوته للحضور والاستماع فقط؟! والجواب على ذلك التساؤل يعود إلى تلك الشخصية نفسها التي اعتادت أن تضع شروطها الخاصة للحضور والمشاركة الإيجابية في مجتمعها، فمن يضع شروطاً لنفسه بأنه لن يحضر إلا بدعوة شخصية أو ببطاقة تليق بمكانته السابقة إنما يرتكب خطأين بحق نفسه، الأول أنه ظهر بمظهر المتعالي والمتكبّر والمزهو بماضيه ومكانته السابقة مما يؤثر في علاقة الناس به، الثاني أنه حرم نفسه الخير الكثير والعلم الوفير بمجرد استماعه لصوت (الأنا) في داخله والتي غلّبت المظهر على المضمون، فإذا كان (البرستيج) يمنعه أو (المظهر الاجتماعي) يحول بينه وبين حضوره وتفاعله مع ما حوله، فإنه بذلك سيكون أول الخاسرين، أما إذا غلّب المضمون والجوهر على المظهر وشارك وتفاعل من دون (رسميّات) ولا (مظاهر) فإنه بذلك سيكون أول الفائزين، الذين كسبوا المزيد من العلم والمعرفة وكسبوا كذلك محبة الناس الذين رأوا فيه تواضعاً وحسن أخلاق.
وأذكر أنني التقيت مؤخراً بوزير سابق وكان ذا خلق رفيع وشخصية متواضعة، بل وعرّفني بنفسه، متواضعاً ثم تشرفت بمقابلته في مقهى لنتحادث معاً، فإذا به يلمّح إلى إحساسه بالفراغ والرغبة في تحقيق مزيد من الإنجازات لنفسه ووطنه، خاصة أنه كان طبيباً وهو الأمر الذي جعله (يتطوّع) لمعالجة الناس وخاصة (شيبان وعجايز) أهل قطر في أحد المراكز الصحية دون أن يأخذ أجراً رغم أنه (وزير سابق) ولكنه كان يذكر هذا الشيء ووجهه تغطيه ملامح الفرح والسعادة بما كان يفعله ويقول: (تكفيني دعواتهم الطيبة وفرحي بشفائهم بفضل الله تعالى). كما أنه يعكف على تدوين تجاربه ومذكراته بطريقة قصصية ممتعة ليستفيد منها الآخرون. فكم يحتاج مجتمعنا إلى مثل هذا الوزير السابق الذي رفض أن يستسلم للواقع ولم يجعل تأثيره ونشاطه رهين وظيفته السابقة كما يفعل الكثيرون وإنما تواضع وسعى لأن يساهم ويحضر ويتفاعل مع كل ما يجري حوله حتى بعد أن ترك منصبه أو حتى بعد تقاعده، ولعلّ في حديث نبينا العظيم خير تحفيز لنا: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، فما دام فيك قلب ينبض وما دام فيك أنفاس تصعد وتهبط، فلابد لنا أن نتفاعل وأن نكون إيجابيين وأن نسعى للتغيير وللخير حتى آخر لحظاتنا، ناهيك عن سؤال الله لنا عن أعمارنا وعلمنا وأموالنا، فكم لدينا من أهل خبرة واختصاص ينبغي أن يدلوا بدلوهم وأن يشاركوا في المجالس واللقاءات في الأحياء السكنية – على أقل تقدير – من باب زكاة ذلك العلم الذي تعلّموه، وأيضاً من باب (بلّغوا عنّي ولو آية).
ويبقى اللوم أيضاً على الكثير من الجهات الرسمية والشعبية والوسائل الإعلامية والثقافية التي أصبحت تنافق كثيراً وهي توجّه دعواتها لبعض النخب والرموز، إذ إنها تدعوهم لا لمكانتهم العلمية والحياتية وإنما لمكانتهم الوظيفية الحالية، بينما تتركهم إذا ذهبت مناصبهم أدراج الرياح، فينبغي على الجهات أن تسعى لتفعيل تلك النخب والرموز وأن تشجّعهم للمساهمة، فكم نستمع ونشاهد كثيراً من اللقاءات عبر قناة الجزيرة لضيوف بألقاب (عميد سابق) (وزير سابق) وهكذا للإدلاء بدلوهم وسماع رأيهم وشهادتهم في قضية ما، فلماذا لا تفعل قنواتنا الوطنية وجامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ذلك مع أولئك الذين لديهم خبرات علمية وعملية وحياتية سابقة، فهم أحياء وليسوا بأموات، ولكن يريدون فقط.. من يتذكّرهم ويوّظف طاقاتهم، فكم ستكون سعادة ذلك الوزير (السابق) لو أن جمعية خيرية مثلاً في قطر جعلته سفيرها الفخري وجعلته يرأس طواقمها الطبية لمعالجة الفقراء والمرضى بالمجان في أنحاء العالم الإسلامي، كل ما نحتاجه هو أن ننظر للإنسان على أنه (إنسان وقيمة) لا على أنه (وظيفة ومنصب) زائلان لا محالة. والله المستعان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8217
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4782
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026