رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤكد أنه لا يمكن اختزال مشكلات العالم العربي بكل تعقيداتها وتشعباتها في قضية المرأة، مثلما أنه لا يمكن عزل هذه القضية عن مجمل المشاكل والأزمات الكبرى التي يعاني منها العالم العربي مشرقا ومغربا، الرازح تحت ربقة الاحتلال الأجنبي والاستبداد السياسي والتخلف التنموي والتجزئة والانقسامات الدينية والإثنية والطائفية والحروب الأهلية وغيرها. إلا أنه مع ذلك لا يمكن التهرب من الإقرار بكون المرأة العربية رغم أنها تقاسم الرجل العربي العديد من المشاكل، إلا أنها تتحمل في الغالب القسط الأوفر من أعباء هذه المشكلات في واقع لا يخلو من ثقافة التمييز وطغيان العقلية الرجولية، خاصة بين الفئات الأقل حظا في التعليم والتنمية الاقتصادية.
أنا لا أستسيغ كثيرا فكرة النسوية المقابلة القائمة على التمركز حول الأنثى كردة فعل على واقع وثقافة التمركز حول الرجل، فقضايا المرأة العربية لا يمكن عزلها بأي حال من الأحوال عن الأوضاع العامة والقضايا الكبرى التي يواجهها العالم العربي، من قبيل الميراث الاستعماري الثقيل والفقر والأمية وضعف النظم التعليمية والصحية والأزمات السياسية والحروب وانعدام الاستقرار وغيرها من المشكلات. ولكن بالمعطيات الموضوعية، واضح أن المرأة العربية هي المتضرر الأكبر من سجل الإخفاقات والأزمات التي تمر بها المنطقة، فنصيبها من الصحة والتعليم والحضور في المجال العام أضعف وأقل من الرجل، أما حظها من العنف والضيم والتهميش والتمييز فأكبر وأوسع.
علاوة على هذه الظروف الموضوعية والعوامل البنيوية الاجتماعية والسياسية التي تكبل مقدرات المرأة والرجل بدرجات مختلفة في العالم العربي، تعاني المرأة المسلمة عامة، بما في ذلك العربية، من ثقافة دينية يغلب عليها الطابع الرجولي في الكثير من المناحي، ليس لأن الإسلام دين رجولي، فالخطاب القرآني قائم على المعاني الكلية الجامعة التي عنوانها "يا أيها الناس" و"يا أيها الذين آمنوا" (مع التخصيص في حالات معينة قليلة)، لكن الثقافة العامة في المجتمعات التقليدية المسلمة تظل متحيزة ضد المرأة في الكثير من الأحيان، صحيح أن العائلة المسلمة توفر قدرا غير قليل من الحماية والتضامن لأفرادها كما أنها تحيطهم بدفء عاطفي مهم، ومع ذلك تظل الأنثى عرضة للكثير من مظاهر الضيم والتمييز المشرعن دينيا في إطار الأسرة والمجالات العامة.
رغم أن الإسلام قد نحى منحى الكونية الجامعة وحرر المرأة من الكثير من القيود والإكراهات إلا أن ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن أغلب من يشتغل بتأويل النصوص الدينية وقراءتها هم من الرجال، علما وأنه لا يمكن فصل أي نص من النصوص، بما في ذلك النصوص الدينية عن عمليات التأويل التي تخضع لها وطبيعة السياقات التاريخية والثقافية التي تجري ضمنها عمليات التأويل، وهذا ما يسمح بالقول إن الاجتهاد الديني عامة والمنظومة الفقهية خاصة أكثر تحيزا للرجال وتعبيرا عن رؤاهم وأهوائهم ومصالحهم على حساب مكانة المرأة وموقعها. كما أن المجتمعات القديمة المشبعة بالقيم الرجولية والتحيز ضد النسوة قد اتجهت لوضع قيود شديدة على المرأة فعزلتها عن الشؤون العامة، وضيقت من دورها فحصرته في الواجبات الزوجية والإنجاب وشؤون البيت وليس أكثر، رغم أن الرسالة التحررية التي جاء بها الإسلام أعطت مكانة سامية للمرأة باعتبارها كائنا حرا عاقلا مكلفا ومسؤولا ومعنيا بأحكام الدين وواجباته على قدم المساواة مع الرجل (إلا ما كان خصوصيا)، وهي فضلا عن ذلك مستخلفةً في الأرض مثلها مثل الذكر.
ورغم أن التاريخ الإسلامي يزخر بنماذج نسوية متحررة خاصة في العصر التأسيسي الأول، والعصر العباسي والحقبة الأندلسية بأقدار متفاوتة، إلا أن هذه النماذج بقيت عبارة عن ومضات منيرة في محيط يغلب عليه واقع التهميش والإقصاء والاستنقاص من شأن المرأة والتسلط على إرادتها. وقد ازدادت القيود المكبلة للمرأة تحت غطاء الشرف والحياء والحشمة في العصور المتأخرة، حتى أن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أن المرأة لا يجوز لها أن تتعلم الكتابة أو أن ترى أحداً ويراها أحد سوى الزوج والمحارم، فحُرمت المرأة من التعليم ومُنعت من الذهاب إلى المدرسة وحُظر عليها حتى الذهاب إلى المساجد وأضحى مجرد ذكر اسمها في الفضاء العام مدعاةً للخجل.
في العصر الحديث بذل الإصلاحيون الإسلاميون من أمثال محمد عبده وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي والطاهر الحداد وعبد الحميد بن بأديس جهدا في التصدي للمظالم المسلطة على المرأة من داخل المنظومة الإسلامية من خلال تقديم اجتهادات دينية تبدو متحررة إذا وُضعت في سياقها التاريخي، وقد انصبت جهودهم على مقاومة ما اعتبروه ثقافة التقليد والجمود والانحطاط انتصارا للاجتهاد والتجديد ودفاعا عن فكرة المساواة بين النساء والرجال. ورغم عمليات الصد فقد زرع هذا التيار البذور التأسيسية لتيار نسوي تحرري من داخل المنظومة الإسلامية.
تشكل فيما بعد على أنقاض هذه المدرسة تيار نسوي لا يؤسس شرعيته من داخل الإسلام، بل يرى في الدين عقبة أمام اكتساب المرأة حقوقها وحريتها. في مقابل ذلك نحا التيار الإسلامي الذي تشكل منذ عشرينيات القرن الماضي منحى المحافظة، في تمايز عن التيار الليبرالي الذي رآه الكثير من الإسلاميين امتدادا للثقافة الغربية المهيمنة وتابعا لها. ورغم أن منتسبي الحركات الإسلامية في معظمهم خريجو المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الحديثة، إلا أنه قد غلب عليهم طابع المحافظة والتحوّط من المرأة، وتراوح بعضهم بين تغييب المرأة تماما والحديث نيابة عنها، أو فسح مجال محدود لمشاركتها، بحصرها في قضايا ذات صلة بالتنشئة والأسرة في أحسن الحالات. دون أن ينفي ذلك وجود تجارب متحررة نسبيا في تركيا وتونس والمغرب.
السؤال الرئيسي اليوم هو: كيف يمكن الخروج من هذه الثنائية الحادة بين أن تكون المرأة ليبرالية ساخطة على الإسلام متوترة من الثقافة الإسلامية، وبين أن تكون إسلامية تستبطن العقلية الذكورية وتدافع عن المحافظة وتهميش دور المرأة واختصاره في مجالات معدودة محدودة؟
هناك حاجة ماسة لتشكل تيار نسوي إسلامي ينتصر لحقوق المرأة ويناضل من أجلها لانتزاع موقعها في الحياة العامة بما في ذلك داخل المجال السياسي ندا للند مع الرجل ويرفض كل أشكال الوصاية على كيانها وخياراتها. ولكنه تيار متحرر من العقد التي لازمت التيارات النسوية اليسارية والليبرالية العربية ونظرتها العدائية للدين والاستعلائية للمجتمع، بما جعل هذه التيارات أشبه ما يكون بناد نخبوي مغلق، حصرا على بعض الجيوب الحضرية المرفهة التي جعلت من قضية المرأة العربية ضربا من الترف الفكري والسياسي.
هذا التيار يجب أن يكون متشبعا بإرادة الدفاع عن المرأة ومصالحها وحقوقها، ولا يتردد في الدفاع عن اجتهاداته النسوية للنصوص الإسلامية، ولكنه أيضا مندمج في النسيج المجتمعي يعبر عن أعباء وهموم وأوجاع المرأة العربية في الريف والمدينة، وبين الطبقات الوسطى والفقيرة الكادحة داخل مجتمعات ينهشها الفقر والقهر والجهل والأمية وضعف التنمية. نحتاج تيارا نسويا أصيلا متصالحا مع هويته العربية الإسلامية ومستجيبا لحاجيات المرأة الحقيقية وليست المفتعلة، تيار يمتلك الجرأة الكافية للدفاع عن مصالح المرأة وينتصر لحقوقها وتوسيع مكاسبها ويتصدى لعمليات التوظيف لقضية المرأة من طرف الحكومات والنخب لحساباتها الخاصة.
التحدي هو أن يكون حضور هذا التيار فاعلا وملموسا ليس في المجتمع فقط بل داخل الهيئات والمؤسسات الإسلامية التي يغلب عليها الطابع الرجولي والأبوي، لافتكاك المرأة موقعها والذود عن مصالحها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8751
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3747
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3126
| 30 أكتوبر 2026