رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عدد من الدول العربية والإسلامية يمر بظروف اقتصادية صعبة، فنجد الصومال الذي عانى من المجاعات وهو بلد فيه ثروات حيوانية وأسماك وزراعة وغيرها، وكذلك النيجر ومالي المليئتان باليورانيوم والبترول والمعادن، واليمن الذي زرع أهله القات بدل البن والثروة الحيوانية وأصبح يعتمد على المساعدات، وهناك أيضاً بلدان كثيرة تعاني من الانفجار السكاني واضطرابات في قضايا الموارد والبطالة، أضف إلى غنى فاحش عند طبقة معينة وفقر فاحش عند الكثير. إننا نسمع عن قصص مخيفة في بلدان كثيرة، فمجاعة النيجر كان الناس يـأكلون من الشجر، وهناك أناس يأكلون من القمامات، أضف إلى ذلك الكثير من المآسي الإنسانية بسبب الجفاف أو الزلازل أو تكاثر السكان والأزمات في تلك البلدان مع فساد وأنظمة معوقة للإصلاح الاقتصادي.. العالم العربي والإسلامي يدفع ثمناً غالياً لهذه الظروف القاسية التي تختلف أسبابها، ومن يقرأ تقارير الأمم المتحدة من اليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي والمفوضية السامية للاجئين وغيرها، كلها تقارير واحصائيات مخيفة، ونجد أن هناك منظمات خيرية تريد أن تساعد وكذلك الدول ولكن هل قضية المساعدات هي الحل النهائي للقضايا، لأن المساعدات الإنسانية آنية وتنتهي والمانحون لا يستطيعون أن يواصلون الدعم المستمر لكثرة الأماكن والمناطق والأحداث.
لذا لابد من دراسة حلول علمية وهي برنامج التنمية الذاتية من حيث تدريب الناس على الاعتماد الذاتي، ويستطيع البنك الإسلامي للتنمية والصناديق التنموية الخليجية العمل المشترك لتمويل برامج التنمية الذاتية من حيث الزراعة والمياه وأعمال مختلفة وإعداد العمال وتدريبهم وتأهيلهم، كذلك فإن هناك الاستثمارات والصناعات مع وجود ضمانات لمثل هذه البرامج. لا شك أن الاستقرار الأمني في عدد من الدول سيساعد على تشجيع البرامج الاستثمارية، ورأينا أن قضايا العمل لا تتفق مع الواقع الحالي والتغييرات وفق حاجة السوق والمنافسة أضف إلى ذلك الهجرات غير الشرعية أو الشرعية النابعة من سوء أحوال تجعل المهاجرين عرضة للابتزاز، وهناك قصص مخيفة عن الموت في البحار وضحايا عصابات التهريب، كما أن العمال غير الشرعيين الذين يصلون إلى دول غربية يواجهون ظروفا صعبة وبعضهم لا توجد لهم خلفيات ثقافية فيخسرون هويتهم ويصحبون ضحايا لجماعات منحرفة ومتطرفة وتجار المخدرات والجرائم والفساد، وللأسف لا يوجد من يدرس مثل هذه الظواهر. الغرب اليوم لديه مراكز أبحاث ودراسات لمجالات الهجرة والعمالة والتغييرات الاجتماعية، أما نحن فمشغولون بالسياسة فقط وندفع بالناس في هذا الاتجاه، فالجامعات ومراكز الدراسات تخلو من هذه الأبحاث والدول عندنا والمؤسسات لا تعطي لهذا الجانب أي اهتمام ولا تعيره التفاتا للأسف، لأن قضايانا الخطيرة لا نريد أن ندرسها باهتمام، فمثلاً بلادي اليمن لو تعاونت الصناديق العربية والدول الإسلامية من خلال البنك الإسلامي للتنمية لعمل برنامج تنمية ذاتي في تمويل تدريب برامج للناس من خلال مؤسسات لتشجيع الزراعة والثروة الحيوانية والمياه ومحاربة القات وإيجاد برامج يستفاد فيها من تجارب الدول الأخرى، كماليزيا وطلب مساعدة منظمات دولية في هذا المجال بعد دراسة ميدانية، كذلك الصومال لتشجيع الناس على الزراعة والصيد وإقامة مشاريع وتأهيل الناس. وقد سمعت من شخص يمثل مؤسسة خيرية مثل مشروع لدارفور يتمثل في إقامة مدن بمساعدة دول غربية تتضمن مساكن مع خزانات مياه ومزارع يتم تمليكها بأقساط ميسرة يكون عائدها لصيانة ودعم المشروع وتساعد فيها منظمات المجتمع المدني في المستوصفات والتعليم وغيره وتتبنى كل دولة مدينة باسمها وسيكون هذا مساعدا للاستقرار ومساعدا للناس في تلك البلاد وهو مقترح يستحق الدراسة.
للأسف فإن منظماتنا ودولنا لا يوجد لديها مشروع، وتحدثت في هذا الخصوص مع الدكتور أحمد محمد علي، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية الذي أشاد بدور جمعية الأمير ماجد بن عبدالعزيز حيث إن أبناءه أنشأوا مؤسسة باسمه تقوم على أساس التنمية الذاتية وهو إبداع ويتمنى الإنسان أن تستفيد المؤسسات الخيرية من تجربة هذه المؤسسة وبرنامجها، خاصة أن على رأسها رجلا معروفا بذكائه وإبداعه وبُعد نظره للأمور لما لديه من خبرة وتجربة وهو صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن ماجد بن عبدالعزيز، وكان أبوه رحمه الله من خيرة الرجال المشهود لهم وكان هو وأولاده محبوبين من الجميع. لذا أتوجه بدعوة إلى البنك الإسلامي للدعوة لمؤتمر للمنظمات الإنسانية والصناديق التنموية ووزارات التنمية والمالية وذلك بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية للعمل المشترك ودعوة أساتذة الجامعات ومنظمات الأمم المتحدة ومراكز الدراسات لتقديم دراساتها وآرائها ومناقشتها، ولا يكتفي بمؤتمر يتم فيه حفل وجلسات وينفض اللقاء بقرارات ينتهي بها الأمر إلى الملفات والأدراج، وإنما البدء في خطة عمل تنفيذية للبدء في هذه المشروعات التدريبية مع التزام الدول بدعم هذا المشروع لما فيه من فوائد على الجميع.
إن هناك دولا كانت تعاني من ظروف اقتصادية وأزمات اقتصادية وخرجت من ذلك بعمل برنامج تنمية ذاتية نجحت في كوريا ونجحت في بلاد كتايلاند وفيتنام وغيرها، إننا بحاجة إلى أن نستفيد من تجارب الدول والمؤسسات التي سبقتنا رغم قلة مواردها. وكذلك ديننا الحنيف علمنا ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم علم المسلمين كيف ينمون قدراتهم فقد نصح رجل بأن يذهب ويحتطب وعلمه شراء الفأس والحبل، وكذلك الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بعد أن خسروا كل ما معهم وتعلموا التنمية الذاتية وبنوا تجارتهم وأصبحوا من كبار التجار كعبدالله بن عوف وطلحة والزبير وعثمان بن عفان وساعدوا في خدمة الإسلام وخرج المسلمون من الفقر إلى أحسن الأحوال. تعلمت من رجل فاضل وأعده مبدعا صاحب آراء حكيمة وهو الشيخ خالد عبداللطيف الفوزان، من رجال الأعمال الذين قدم اقتراح بتأهيل المسلمين وتدريبهم للاعتماد على النفس والتمويل الذاتي، إن ذلك سيقوم بنقلة نوعية للدول الفقيرة والتي تعاني من ظروف قاسية.
لذا لابد أن تفكر الدول والهيئات والبنك الإسلامي للتنمية والصناديق التنموية لتقديم مبادرة حضارية ستكتب في ميزان أعمالهم على أن تقوم على الواقعية وفي ضوء الموارد والإمكانات لكل بلد ودراسة كل حالة ومعالجتها على ضوء الواقع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12135
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9399
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3447
| 22 أكتوبر 2026