رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أكثر من عقدين ظهر على السطح ما يسمى آنذاك بأنصار السلام في إسرائيل وتحركوا بقوة في الساحة العربية لإقامة التطبيع بين العرب والكيان الصهيوني قبل أن يتم السلام، والانسحاب الإسرائيلي وفق القرارات الدولية. وفعلاً نجح رجل الموساد العتيد "ديفيد كيمحي" في إنشاء ما سمي في ذلك الوقت بـ" التحالف العربي ـ الإسرائيلي الشعبي من أجل السلام"، وعرف هذا التحالف بإعلان كوبنهاجن واستقطب هذا التحالف العديد من المثقفين العرب للانضمام إلى هذا التحالف المشبوه.
وقلنا وقتها ـ كما قال الكثيرون ـ إن هذا التحالف المشبوه لا يساهم في دعم السلام، بل العكس يسهم في دعم توجهات الكيان الصهيوني في الاحتفاظ بالأرض وكسب التطبيع معاً، وهذا التطبيع أيضاً يهدف إلى كسر الحواجز بدون مبررات أو خطوات عملية لإقامة السلام الشامل العادل في الأرض المحتلة.
وقال هؤلاء ـ دعاة التطبيع ـ وقتها إن هذا التحالف سوف يشجع قوى السلام في إسرائيل للدعوة إلى السلام وسيشكلون قوة ضغط على المؤسسة العسكرية الحاكمة للانسحاب من الأراضي المحتلة وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال.
وهذه المجاهرة بدعاوى التطبيع، مست حتى "الثوابت"! بالغمز واللمز.. ففي مقالة لأحدهم منذ سنوات بعد أن ظهرت عليه علامات التلون في الفكر والأعراض في التطبيع مع الإسرائيليين قال ما نصه:"اهتمامنا المعروف بـ"الثوابت" خلق لدينا ميلاً دائماً للابتعاد عن كل ما هو جديد طالما أنه لا يتوافق مع رؤيتنا وأمانينا. وعندما يصل الأمر إلى النظام العالمي فإن الكارثة تصبح محققة. فلو أننا نظرنا إليه ـ ويقصد النظام الدولي الراهن ـ نظرة فاحصة لوجدنا أن هناك الكثير من الجديد تحت الشمس الذي لا يؤدي بالضرورة إلى تدهور أوضاعنا، والواقع أن أي نظام يمكن التعرف عليه من خلال أربعة أبعاد: نمط سائد للتكنولوجيا، وبناء للقوة والسلطة، وقاعدة للأعمال والمهام والوظائف التي يريد النظام إنجازها، وأخيراً القيمة السياسية التي تعد وعداً للنظام أو الغاية التي يسعى إلى تحقيقها. فدعاة التطبيع ينسون أو ربما يتناسون أن إسرائيل، عبر تاريخها الطويل تلبس الحق بالباطل، وترفع شعار السلام وهي تخطط للحرب، فإذا كان صحيحاً ـ هذه المرة ـ أن الإسرائيليين يريدون السلام فإن القضية لا تحتمل الطلاسم والألغاز والأحاجي، فإعطاء الحق لأصحابه هو الضامن الأكيد لأمن إسرائيل ووجودها، وهو الذي سيّكرس السلام الدائم الشامل بعيداً عن التحالفات المشبوهة، واللقاءات التلفزيونية، فلماذا إذاً هذه الأساليب التي لا تخدم قضية ولا تحرك واقعاً لإنهاء تكريس الاحتلال؟
ثم إننا نريد أن نطرح سؤالاً على مجموعة كوبنهاجن ـ أنصار السلام الآن ـ ماذا بعد انكشاف المستور ـ ماذا فعل أنصار السلام في إسرائيل في إسرائيل الذين يشتركون معهم في التحالف تجاه معوقات السلام التي تضعها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة؟ كإقامة المستوطنات في هدم بيوت السكان والقتل، وطمس الهوية العربية، ومصادرة الأرض، والإصرار على تهويد مدينة القدس ثم العرب على الشعب الفلسطيني في غزة عامي 2008 و2012 ثم الآن استباحة غزة بقتل المواطنين الفلسطينيين؟!
لم نر شيئاً يعزز فكرة وتأثير أنصار السلام في إسرائيل حتى الآن.. لماذا طالب دعاة التطبيع آنذاك بأن يتم السكوت عن هذه اللقاءات والمؤتمرات التطبيعية، في الوقت الذي نرى هؤلاء أنصار السلام في إسرائيل، لا يختلفون مع حزبي العمل والليكود في المنطلقات والأهداف والمضامين؟
ففي لقاء كوبنهاجن الشهير في التسعينيات من القرن الماضي، الذي انبثق عنه "التحالف العربي الإسرائيلي الشعبي من أجل السلام"، طرحت في الإعلان فقرة تشير إلى أن "الصلات بين الشعوب هي الطريق لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي" وهذه الفقرة الصادرة بالإعلان تبعث على الضحك أكثر مما تثير البكاء، لأن الصلات المجردة بين الشعوب، وعبر تاريخ الإنسانية الطويل لم تنجز حلاً عادلاً أو حتى ناقصاً منذ احتلال الصهاينة لفلسطين منذ عام 1948!
فما بالك بحل الصراع العربي الإسرائيلي الذي يعد من أبشع الصراعات في التاريخ قاطبة، حيث نكل بالشعب الفلسطيني ونهبت أرضه وحقوقه، واستعاضت إسرائيل عن لغة الحوار مع هذا الشعب، المناضل العنيد، بلغة القتل والتشريد والاحتلال.
ويعلق د. محمد السيد سليم على الفقرة التي جاءت فيقول إن هذه "المقولة تطرح لأول مرة في تاريخ الصراعات والعلاقات بين الشعوب التي تتميز بوجود أرض محتلة. فهذه المقولة لا تصح إلا إذا كانت العلاقات بين الشعوب متكافئة حيث لا يحتل شعب أرض شعب آخر أو يتسلح شعب بالأسلحة النووية مهدداً جيرانه بالهيمنة والدمار. أما في ظل الاحتلال الإقليمي فإن مقولة الحوار بين الشعوب تصبح مدخلاً لتكريس الوضع الراهن لا لتعديله. والدليل على ذلك أن أياً من الدول الغربية التي رعت كوبنهاجن وشجعته لم تقبل هذه المقولة حين دخلت في منازعات مع غيرها سواء شملت احتلال أراض أو لم تشمله. فحينما احتلت الأرجنتين أراضي جزر الفوكلاند صممت بريطانيا على استعمال القوة لطرد الأرجنتين من الجزر، ودعمتها الولايات المتحدة في عهد ريجان في ذلك. وهناك الكثير والكثير من الوقائع التي تجعل هذه المقولة مرفوضة وخالية من الأسانيد التاريخية والواقعية والعقلانية. فلماذا نحن العرب فقط الذي يجب علينا سلوك الحوار والتطبيع، وأنه الطريق الوحيد لنا للمطالبة بالحقوق المغتصبة من غير بقية خلق الله جميعهم على أرض هذه البسيطة؟!
إذاً هؤلاء الذين يركضون وراء التطبيع آنذاك من جماعة كوبنهاجن، يبدو من بياناتهم وتصريحاتهم وآرائهم أنهم يلتمسون الأعذار لإسرائيل في احتلالها، ويختلقون المبررات لغطرستها "بعضهم قال إن الشعب الإسرائيلي لم يستعد بعد للسلام!".
بل إنهم في هذا السبيل يهدمون الكثير من الأوراق الضاغطة على إسرائيل مثل أوراق المقاطعة السياسية والاقتصادية والثقافية.
أليس من المنطقي أن يكون الجانب الإسرائيلي ـ قبل التطبيع ـ حدد مواقفه الواضحة من قضية السلام وباتت منطلقاته واضحة تجاه إستراتيجية السلام العادل؟ والسؤال ماذا حقق هؤلاء في هذا اللقاء؟ لاشيء. أما الجانب الإسرائيلي فحقق ما تهدف إليه إسرائيل أساساً وهو:
1ـ كسر الجمود في قضية التطبيع القائمة والمرتبطة بالحلول النهائية على المسار الفلسطيني والمسار السوري والمسار اللبناني ـ قبل الانسحاب.
2 ـ لفت أنظار العالم أن "السلام البارد" بين العرب والإسرائيليين في التعاون الإقليمي والتطبيع الثقافي بدأت حرارته ترتفع، وأن إعلان كوبنهاجن مؤشر على أن السلام البارد انتهى، ولا داعي للقلق، رغم احتلال الجولان والقدس ووجود المستوطنات وغيرها.
الآن اختفى ما يسمى بأنصار السلام، ولم نعد نسمع تصريحاتهم أو مظاهراتهم من السلام، لأن القضية تفكيك الحماس الفلسطيني، واللعب على أوهام السلام دون أن يكون هناك تحرك جدي وقوي للتأثير على قادة الكيان الإسرائيلي لإقامة سلام حقيقي وفق القرارات الدولية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.. نريد أن نسمع مع الذين سايروا أنصار السلام وصدقوا مقولاتهم عن دورهم المقبل في تحقيق السلام القادم؟ ولماذا لم يعلنوا مواقفهم من جريمة الاعتداء على أسطول الحرية قبل سنوات الذي بهدف إلى إغاثة سكان غزو المحاصرين؟ وما هو رأيهم من قتل مسالمين على متن هذا الأسطول؟ القضية واضحة من قبل ما يسمى بأنصار السلام. ثم الآن يجري القتل اليومي في غزة للمواطنين العزل في بيوتهم وحتى في الملاجئ الدولة!! لكن نحن للأسف من يبرر لهم، وربما نصدق أقوالهم وأوهامهم، وهذه مشكلة كبيرة في نظرتنا إلى عدالة قضيتنا وحقوقنا المهدورة من أكثر منذ عام 48 حتى الآن، تستمر المعاناة باستباحة غزة أمام سمع العام وبصره، ولله في خلقه شؤون!!.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2772
| 30 أكتوبر 2026