رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كشف أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، نية حكومته التخلص من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولو بالانتخابات! ولم يكن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ولا وزير الدفاع أيهود باراك، موفقين في النأي بالنفس عن الرسالة التي بعث بها زميلهما إلى الهيئة الرباعية الدولية ليطلب منها الضغط لإجراء انتخابات رئاسية في الأراضي الفلسطينية. إذ قال ليبرمان إنه يعبر بموقفه ذاك عن تقييم الحكومة لعلاقتها المتراجعة مع عباس، أي أن حكومة نتنياهو باتت ترى أن الخروج من المأذق الحالي للمفاوضات يمكن أن يكون بإزاحة الرئيس الفلسطيني، وهو ما كان بلغه أرييل شارون منذ عام 2002 عندما حاصر الرئيس الراحل ياسر عرفات في مبنى المقاطعة في رام الله، وراح يفاوض إدارة جورج دبليو بوش لتعطي الضوء الأخضر لتصفية عرفات.
صحيح أن نتنياهو لم تتوافر له الظروف لمحاصرة عباس، إلا أنه فعل كل ما يلزم لخنق السلطة وإحباطها، وكما كان شارون يبدي الغضب والاستياء من النشاط الخارجي لعرفات، فإن نتنياهو ساق الانتقاد نفسه ضد عباس، ملاحظاً أن حراكه الخارجي يضايق إسرائيل لأنه مركز كله ضدها، كم أنه يستغله منذ عامين لتأمين تأييد دولي للاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية" التي تعارض إسرائيل إنشاءها أو الإعلان عنها إلا بشروطها، وتؤيدها إدارة باراك أوباما في ذلك.
مهما كان مغفلاً ومهزوزاً فإن ليبرمان وقع على رسالة رسمية موجهة إلى "الرباعية"، ولو لم يكن مستنداً إلى نقاش جدي جرى داخل الحكومة لما وجد أي سبب للجوء إلى هذه الطريقة، ولكان اكتفى بإطلاق واحد من تصريحاته المنفلتة التي لا يقيم أحد لها وزناً.
أما الرسالة فباتت وثيقة رسمية تشهد على تدخل سافر لمسؤول إسرائيلي في ما لا يعنيه إطلاقاً، تحدث ليبرمان عن "حل مبتكر هدفه تقوية القيادة الفلسطينية، معتبراً أن عباس غير مهتم وغير قادر على التوصل إلى اتفاق ينهي النزاع"، ومن خارج الرسالة اتهمه بأنه يمارس "إرهاباً دبلوماسياً" ضد إسرائيل يتجاوز بخطورته "إرهاب حماس".
هذا الكلام يعيد إلى الأذهان ما نقلته وثائق "ويكيليكس" عن نتنياهو نفسه بأنه حض "اللوبي اليهودي" في الولايات المتحدة على الضغط على إدارة أوباما لتوقف التعامل مع عباس "كونه أخطر على إسرائيل من حركة حماس"، كما أن أيهود باراك، وفي معرض انتقاد رسالة ليبرمان وتسخيفها، لم يرفض عملياً المآخذ العامة التي تسوقها إزاء الرئيس الفلسطيني، فالإسرائيليون يعتبرون أنهم قاموا أخيراً بكثير من "مبادرات حسن النية"، كـ"تحويل الأموال لدفع رواتب الموظفين، واتفاق تشغيل مزيد من عمال البناء الفلسطيني، والتقليل من عدد الحواجز العسكرية، وتطوير البنية التحتية في المناطق (ج) الخاضعة لسيطرة إسرائيل"، ومع ذلك يشير ليبرمان إلى أن النشاط الفلسطيني المضاد لإسرائيل ازداد على الساحات الدبلوماسية والقانونية، بالإضافة إلى محاولات تشجيع المقاطعة للاقتصاد الإسرائيلي، ومن نتائج ذلك مثلاً أن حكومة جنوب إفريقيا قررت تمييز منتجات المستوطنات الإسرائيلية بعلامة خاصة بمثابة دعوة للإعراض عن شرائها.
لم يغفل ليبرمان في رسالته إلى "الرباعية" سوى أمر واحد، وهو اسم الشخص الذي يتمناه رئيساً فلسطينياً بديلاً عن "أبو مازن"، ولو فعل لأصبحت الصورة عندئذ كاملة وواضحة، وإذ يعلم الإسرائيليون أنهم لن يستطيعوا الحصول على ما يريدون عن طريق الانتخابات، ولم تكن هذه يوماً من وسائلهم، فإن الفرضية التي تمثل أمام الجميع هي أن ليبرمان ربما عبر عن استيائه من تلكؤ الحكومة التي ينتمي إليها في حسم قرار التخلص من عباس، ولذلك قرأت الرئاسة الفلسطينية في رسالته "تحريضاً على القتل".
الأرجح أن الرئيس الفلسطيني نفسه لم يفاجأ بهذا "التحريض" العلني، فهو أشار سابقاً، وكذلك أوساطه، إلى احتمال أن يكون الإسرائيليون يفكرون في التخلص منه، فهو رافق المفاوضات معهم، منذ بداياتها عبر القنوات السرية ثم العلنية، ومنذ إخفاق مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 والوفاة غير الطبيعية لعرفات، أدرك "أبو مازن" أن "الشريك" الإسرائيلي في "السلام" هو عصابة مافيا تفاوض للحصول على ما تريده، وإذا لم يخضع مفاوضها لمطالبها تعمد إلى التخلص منه، لأن من سيأتي بعده سيكون مدركاً مصيره مسبقاً إذا لم يقدم التنازلات المطلوبة، كان بيل كلينتون أوصى جورج دبليو بوش بعدم التعامل مع عرفات "لأنه خذله"، وذهب بوش في تنفيذ الوصية إلى حد مقاطعة عرفان وغض النظر عن إزاحته شرط أن يجد شارون الطريقة المناسبة لذلك، ومع أن بوش لم يوص أوباما شيئاً بخصوص "أبو مازن"، فإن إدارة أوباما أخذت تعبر أخيراً عن الاستياء منه لأنه "خذل" الرئيس برفضه مواصلة التفاوض رغم استمرار الاستيطان الإسرائيلي، وقد نسي أوباما أنه جعل من "وقف الاستيطان" النقطة المحورية القوية في خطابه الشهير في جامعة القاهرة في يونيو 2009.
لا شك أن رسالة ليبرمان حققت مصلحة لنتنياهو، إذ وجهت إنذاراً إلى الرئيس الفلسطيني بأن التحرك الذي يعتزمه تجاه الجمعية العامة للأمم المتحدة لن تمرره إسرائيل من دون ثمن.
فهذا التحرك الذي تتحسب له أيضا الدبلوماسية الأمريكية، سعياً إلى إحباطه، يحظى بإمكانات النجاح في الحصول على اعتراف ولو بدرجة أقل من "الدولة العضو" في الأمم المتحدة إلا أنه يمنح السلطة الفلسطينية إمكانات أفضل للعمل الدولي، ولعل هذا الإنذار يحض الجانب الفلسطيني على الإصرار على تحركه، ليس فقط من قبيل التحدي، وإنما خصوصاً للخروج من الجمود والتهميش اللذين فرضا على الشعب الفلسطيني وقضيته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5094
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2721
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2334
| 02 يونيو 2026