رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن ثورة يناير هي أعظم ثورة شعبية عرفتها مصر في عصرها الحديث والقديم على السواء، وأنها دون جدال ثورة من أجل الحرية والكرامة الإنسانية وأنها لا تزال تمتلك كل عناصر الحيوية التي تؤهل الثورات للاستدامة والتحقق فما ظفرت به الثورة المضادة حتى الآن لم يتم إلا بالقوة المسلحة والتضليل واسع النطاق وما نمر به اليوم ليس إلا جولة محكومة بصيرورة ثورة يناير وقدرتها على المضي قدما للأمام وما يقال غير ذلك إنما هو دعاية استبدادية تعتبر الجزء الأهم من الثورة المضادة.
ولهذا يصبح من أهم واجبات "نخب ثورة يناير" على اختلاف مشاربها وتنوع توجهاتها هو التبشير بهذه الثورة وتوضيح أهم أهدافها وقيمها ورسم أهم ملامحها وردم الفجوة العميقة بينها وبين أمل تحققها واستكمال أهدافها تلك الفجوة من اليأس التي تستهدفها بقوة وتعمل على تعميقها كل أذرع الثورة المضادة.
وبرغم أنه قد كتب الكثير حول ذلك لكنه لا يزال يحتاج لمنهجية واضحة كما يحتاج لأن يتعامل مع القضايا الأساسية والبالغة التعقيد والأهمية أيضا والمتعلقة برسم أهم ملامح "الطريق" المؤدي لتحقيق أهداف يناير ومن ثمّ تحديد الشروط اللازمة لاستكمالها.
وسوف أحاول هنا رسم أهم ملامح الطريق إلى يناير وأرصد أهم الشروط اللازمة لاستكمال أهدافها المستقاة بالأساس من القيم والمضامين التي بلورها شعب مصر في ميادين التحرير خلال 18 يوما مرجعية لا ينبغي أن ننظر لمستقبل مصر بمعزل عنها.
كما يمكن تناول ذلك من خلال استعراض أهم السياسات أو الشروط اللازمة لاستكمال يناير كالتالي:
1 ـ ضرورة التأكيد على أن "مشروعنا السياسي" لا ينفك عن ثورة يناير وأننا نسعى لاستعادتها وتحقيق أهدافها أو استكمالها بكل أساسياتها وتقاليدها وقيمها ورموزها وكياناتها فنحن لا نسعى لثورة جديدة وإنما لاسترداد ثورتنا المختطفة واستكمالها.
2 - الخروج فورا من "الثنائيات القاتلة للثورة المصرية" وأخطرها ثنائية (العسكر/ والإخوان) وثنائية (الإسلامي/ وغير الإسلامي) ومن ثم ضرورة التأكيد على ثنائية (الثورة/ والثورة المضادة) وثنائية (الحرية/ والاستبداد).. فلا ينبغي أن ننسى أن من أهم أسباب نجاح الانقلاب وأهم أسباب بقاءه حتى الآن مرتبط بخريطة الصراع التي فرضها وحرص عليها بقوة والتي تعتمد بالأساس على أن جوهر الصراع هو بين الدولة والإخوان.
3 - لابد من العمل على "إعادة بناء مظلة يناير" على أساس "المبادئ المشتركة" التي تتيح حشد القطاع الأكبر من ثوار يناير ووفق "مشروع وطني" جامع يرسم "خارطة المستقبل" فيما بعد التخلص من الوضعية الكارثية والاستثنائية التي تعيشها البلاد وذلك بمشاركة كل رموز يناير وكياناتها دون استثناء أو إقصاء والاقتداء في ذلك بـ18 يوما عاشت فيهم مصر أعظم أيامها ذابت فيها كل الجدر العازلة وانصهرت كل القوى في بوتقة واحدة ولم تكن هذه اللحمة مجرد أحلام بل كانت واقعا حيا وتجربة حقيقية للنضال والعيش المشترك هي أهم ما صدرته مصر للعالم خلال الستين عاما.
4 - لابد من حرمان الانقلاب من أهم نقاط قوته وتمركزه في المجتمع وأخطرها "تمزيق للمجتمع" بصورة لم تحدث من قبل.. وهنا لابد وأن نؤكد على أن "المصالحة المجتمعية" و"التوعية الشاملة" هي المسمار الأخير في نعش الانقلاب ومن ثم الديكتاتورية وفي هذا الإطار فإن المصالحة المجتمعية تعد ضرورة لتجاوز الانقسام الذي يتغذى عليه الانقلاب كما يمكنها أن تكون أهم سبل محاصرة مخططات النظام في البقاء والاستئثار.
5 - لابد من "كسر حالة الاستقطاب السياسي" كما يلزم القبول "بتعدد المسارات المعارضة" للانقلاب وللاستبداد بـأشكالها المختلفة "الثورية" و"الاحتجاجية" و"السياسية" وذلك حيث يمكن أن تتحرك كلها على خطوط متوازية وغير متقاطعة وتصب جميعا في مشروع واحد يحقق هزيمة الديكتاتورية وإنهاء الاستبداد وذلك في إطار رؤية كلية تهدف لاستنفار كل الطاقات وتوجيهها وجهة واحدة للمنازلة الكبرى فالاستبداد يستهدف الجميع ويتقوى على الانقسامات ويوظفها لصالح استمراره في الحكم.
6 - لابد من "طمأنة كل الأطراف بل والمؤسسات التي ورطها الجنرال" في الوقوف معه في خندق مناوئ لثورة يناير فالأزمة المصرية التي صنعها الانقلاب عميقة وتستدعى احترافا في التعامل مع كل الأطراف بما يؤدى لعزل الجنرال وأعوانه بعيدا عن جسم الدولة وكيان المجتمع وهو ما يضمن نجاح الثورة بأقل خسائر لكليهما.
7 - ضرورة بناء "خطاب سياسي وإعلامي" رشيد يعمل على تفكيك جبهة الانقلاب وليس استنفارها كما يعمل على استيعابها لا استبعادها كما يعمل على التقريب بين القوى المتضررة من النظام الحالي وليس استمرار تنافرها والصراع فيما بينها كما يبشر بمستقبل البلاد في ظل أهداف يناير وليس التخويف من هذا المستقبل.
8 - العمل على تطوير "الخطاب الجماهيري" وتغيير ديناميات "الحراك الشعبي" لينشغل بشكل أساسي بالقضايا الاجتماعية ومعاناة الغالبية الساحقة من الشعب لأن الثورة الشعبية تفقد أهم عناصر قوتها إذا انشغلت فحسب بالقضايا السياسية ذات الطابع والاهتمام النخبوي.. كما أن الانشغال بمعاناة الناس من أهم أسباب تجسير الفجوة بين القوى السياسية حيث تصبح معاناة الناس هي الهم المشترك للجميع.
9 - العمل على حشد وتوظيف كل القوى والمواقف الرافضة للانقلاب أو الاستبداد ولو لم تكن مؤيدة للشرعية وذلك على أساس أننا نواجه معركة شرسة ذات أبعاد عميقة لا يمكن الاستغناء فيها عن طرف مهما كان حجمه وأيا كان موقعه وهذا يستدعى ترميم العلاقات التي نسفها مخطط الانقلاب وبناء "رؤية شاملة لإدارة الصراع" تستفيد من كل تناقضات الساحة السياسية والتحولات الجارية فيها.
10 - ضرورة التسليم "بالحاجة لمرحلة انتقالية" جديدة يتم إدارتها من خلال تشارك واسع لا يقصي ولا يستثني أحدا كما ضرورة الاعتماد على آليات "العدالة الانتقالية" لتجاوز المظالم على أسس عادلة وفتح صفحة جديدة لمجتمع يتوق للاستقرار وينشد الرخاء والحرية.
11 - لابد من تأسيس "البديل الوطني" المؤهل لإنقاذ الدولة والقادر على التعامل مع مشكلات المجتمع والتعاطي مع العالم وفق ظروفه ومعطياته بالغة التعقيد وأنه لن يكون بحال صورة طبق الأصل من النظام الحالي الذي أقصي الجميع.
12 - لابد من التعامل الواعي والمتطور مع "التغيرات الإقليمية والدولية" الأخيرة التي تهيئ المنطقة لأفول نجم الثورات المضادة وتضع بلادنا في موضع جديد وظروف جديدة تؤهلها لاستكمال ثورتها فيجب العمل على اكتساب الأنصار وتخفيض قدر الخصومات فالثورات ليست بلا عقل كما يتصور البعض.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
111
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
87
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
165
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1764
| 13 مايو 2026