رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلنا مسؤولون عما جرى وما سيجري لجنوب السودان والمقبل على الانفراط من عقد الوطن سيصبح السودان ممزقا سيغادر الجنوب إلى غير رجعة فرطنا فيه بأيدينا: حكومة مركزية في الخرطوم ونخب سياسية في أنحاء الوطن شمالا وجنوبا وقيادة للحركة الشعبية مارست الالتواء والمناورة لفصل عرى السودان.
كلنا مسؤولون عن الحدث الخطير القادم في التاسع من يناير الذي سيهل علينا بعد أيام وأمة العرب مسؤولة أيضاً فهي وقفت عاجزة عن تقديم العون للمحافظة على جنوب السودان وهو جزء حيوي من وطن ينتمي للعروبة حتى لو اختلفت ألوان الوجوه فيه تركته يواجه مصيره وحيدا.
والآن جاءت النهاية لتقدم فصلا من فصول الانقسام القادمة بقوة في أرجاء الوطن العربي الكبير ويشكل رحيل الجنوب بداية لانفراط عقود أكثر من جنوب أو شمال في الدول العربية المركزية الكبرى ولعل ما دعا إليه مسعود البرزاني مؤخرا من ضرورة تقرير مصير شمال العراق أو ما يسمى بإقليم كردستان يمثل البداية وجنوب اليمن يتأهب بقوة للرحيل والمناوشات الطائفية في مصر التي تتجلى بين الحين والآخر تعكس حالة من تململ مسيحي من الاستمرار في وطن تسكنه أغلبية مسلمة جاءت وفق زعمهم بقوة الاحتلال قبل عشرات القرون بعد الفتح العربي لمصر وغيرها من الأقطار في المناطق المحيطة بالجزيرة العربية.
خائف أنا من انقسام السودان وتشطيره بين شمال وجنوب
خائف ليس على السودان فحسب وإنما على أمة العرب التي ما فتئت تواجه كل قرن مأساة تفضي إلى التهام أجزاء من أراضيها وهيمنة آخرين عليها على نحو يشكل خصما من رصيدها الجغرافي والبشري ومواردها ومقومات نهوضها والمؤسف أن الجزء المنهوب والمغتصب يتحول في غمضة عين إلى عدو والبداية كانت من الأندلس قبل ثمانية قرون ثم جاءت نكبة فلسطين في العام 1948 والتي ما زلنا نعاني من تداعياتها الخطيرة وها هو جنوب السودان يستعد لأن يتحول إلى دولة على تخوم الأمة متبنيا مفردات ولغة مغايرة وخطابا سياسيا أكثر اقترابا من الكيان الصهيوني خاصة بعد أن أعلن رئيس حكومته سلفاكير ميريت قبل فترة وجيزة أنه سيفتح أبوابه لعلاقات وأشكال من التعاون مع هذا الكيان وكلها بالتأكيد لن تصب في خانة يمكن أن تكون في مصلحة الأمن القومي العربي وبالتحديد المصري لاسيَّما أن هذا الكيان يسعى إلى محاصرة المحروسة من كل جانب ويريد أن يشكل خنجرا في أي خاصرة لها سواء في الشرق عبر احتلال فلسطين أو في الجنوب عبر تقديم الدعم اللوجستي للحركة الشعبية ولكل ألوان التمرد التي نشأت في هذه المنطقة ضد الحكومة المركزية والتي بدورها كانت ترتكب أخطاء فادحة بداية من أول حكومة بعد الاستقلال في العام 1956 ووصولا إلى حكومة الإنقاذ الوطني والتي تولت السلطة في العام 1989.
واللافت أن قادة الأمة لم يؤرقهم هذا الانفصال القادم فلم يتداع لعقد قمة استثنائية لبحث تداعيات هذا الحدث الجلل إلا نفر محدود منهم ربما لشعورهم بمخاطر الزمن الآتي وهما الرئيس المصري حسني مبارك والعقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية وذلك لأن دولتيهما هما الأكثر تماسا وتقاطعا مع السودان وتأثرا بما سيفضي إليه الانفصال القادم.
فقد سارع الزعيمان إلى الخرطوم واجتمعا مع كل من الرئيس البشير ونائبه الأول سلفاكير ميريت وشاركهما القمة الرئيس الموريتاني محمد عبد العزيز والذي كان موجودا بالصدفة في العاصمة السودانية في زيارة رسمية.
صحيح أن ما رشح عن هذه القمة محدود ولا يتعدى الجمل الإنشائية التي لم تخرج عن عبارات مجاملة سياسية لكنها حسب ما أكد لي خبير مصري متخصص في الشؤون الإفريقية هو الدكتور حلمي شعراوي أسهمت إلى حد ما في تهدئة خواطر شريكي الحكم بعد سلسلة من التصريحات العنيفة المتبادلة بينهما في الآونة الأخيرة
غير أن المأمول لم يكن مجرد تهدئة خواطر بقدر ما كان محاولة إقناع الطرفين للقبول بصيغة وحدوية لا تهدد الأمن القومي العربي أو مصالح الأمة أو مصالح الشمال وذلك بالتأكيد كان يتطلب عقد قمة عربية موسعة في الخرطوم من دون إجراءات بروتوكولية معقدة بشرط أن تتبنى جملة من الخطوات العملية الرامية إلى إشعار الجنوبيين بأنهم جزء فاعل من أمة تحترم التنوع العرقي والثقافي وهو ما كان أحد أهم ملامحها منذ تكون أول دولة إسلامية منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.
كلنا أخطأنا في حق الجنوب ولكن الجنوب أخطأ بارتكابه حماقة الانفصال، صحيح أنه قد يشعر بالزهو في البدايات غير أن معضلات عديدة ستواجهه ولن يجد نصيرا يقف إلى جانبه من هؤلاء الذين مارسوا التحريض ضده للتحرك بعيدا عن الوطن الموحد وبناء دولة يعدها الكثيرون من المراقبين بأنها ستكون دولة فاشلة بكل المقاييس.
وأخطأت القوى السياسية الشمالية المعارضة التي لم تمارس أي فعل إيجابي باتجاه وضع حد للتمدد الانفصالي في الجنوب والمدهش أن قيادات هذه القوى لم تسع إلى زيارة أي من مدن الجنوب إلا في آخر أعوام الفترة الانتقالية المكونة من ستة أعوام وقد أثرت هذا الأمر مع صديق هندي عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي خلال زيارته الأخيرة فقال لي: إن هذه القوى كانت مغيبة عن المشاركة في رسم ملامح الواقع السياسي في العقدين الأخيرين وبالتالي تفتقد القدرة على أن يكون لها دور في مسألة الوحدة أو الانفصال وهو ما يجعلها بعيدة عن تحمل أي مسؤولية عن تقطيع أوصال وطن قائم واقعا وتاريخا وقانونا وبما يمكن أن ينتج عن ذلك من خراب ودمار وربما فوضى بعد الاستفتاء في التاسع من يناير المقبل قد تهدد بزوال الكيان الإقليمي المتمثل في الدولة السودانية ويرى أن الانفصال تقرر في التاسع من يناير من العام 2005 بالتوقيع على اتفاقية نيفاشا وما أعقب ذلك كان تجسيدا لهذا الخيار على الأرض خلال الفترة الانتقالية معربا عن اعتقاده بأن الجنوبيين كانوا مضمرين الانفصال منذ اليوم الأول لدخولهم في عملية التفاوض التي أفضت إلى هذا الاتفاق وعملوا في سبيل ذلك على إقصاء القوى السياسية الشمالية والقوى العربية من المشاركة بفعالية في هذه العملية وركزت على ما يسمى بأصدقاء الإيجاد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إنه تمت خلال السنوات الست الماضية تهيئة المسرح الإقليمي والدولي وتوفير الدعم العسكري والسياسي للمولود الذي ستتم ولادته قيصريا في التاسع من يناير المقبل.
السطر الأخير:
للمدينة مساءاتها ولي نهاري
وأنت أيا فتنة الروح سكوني وإعصاري
بهية عيناك وأفقك مفتوح
وعشقك ممتد بفصولي ومهب رياحي وخضرة حقولي
وسر أسراري
أكتبك تميمة لبحاري
ومعنى الصفاء لأنهاري
فكوني حنطتي في جوعي
وظمأ القلب لقصيدة أنت من غزلتها من خيوط أشعاري
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4872
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026