رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حدود الدم والنار ليس تعبيرا مجازيا، ولكنه حقيقة تحاول أن تعبر عن مستوى الخطر والصراع في المنطقة التي تحتوي الأغلبية المسلمة من سكان الأرض، وتمتد من الصين إلى المغرب ومن تركيا إلى نيجيريا، هو ذات الصراع القديم، مصالح الغرب الاستعماري، وأبناء الأرض، صراع مصالح بالأساس تعلم منه الطرف الغربي درس مرحلة الاستقلال الوطني، وكيف خسر فيها عددا من المعارك، وتعلم من قبل ذلك أن الدين الإسلامي في هذه المنطقة هو حائط الصد الأخير وأن لب الصراع في عالم ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي هو مع حضارة الشرق الحقيقية وفي القلب منها الإسلام حسب ما قال روبرت جيتس مدير المخابرات المركزية الأمريكية عشية سقوط الاتحاد السوفييتي أول التسعينيات، ووزير الدفاع نهايات بوش وبدايات أوباما. لم يكن جيتس يبدع من عنده جديدا في تحديد العدو ولكنه كان قد تعلم الدرس البريطاني الأول بأن السيطرة في هذه المنطقة تأتي من حاكم مسلم يتحالف مع بريطانيا وينفذ لها ما تشاء، وكانت الإضافة وليس البديل هو زرع الكيان الصهيوني في المنطقة كفاصل بين شرق سيناء وغربها كمركز حيوي للعرب ارض الإسلام ومنبع الرسالة وأصحاب اللغة والقومية الواحدة وحيث تتجمع المقدسات من مكة إلى المدينة إلى القدس ويقع مركز الإسلام العلمي في الأزهر.
تفرض المصالح الأمريكية ألا يكون هناك انقطاع معرفي، والمصالح تفرض الاستراتيجيات، والواقع الذي تستهدفه يفرض السياسات والتكتيكات، والذاكرة حية تنمو ولا تتآكل، يضاف إليها ولا تسقط أي من أساليب المواجهة مهما كان تناقضها مع الإنسانية، وكان الإبداع في توظيف "الإسلام" ذاته من عقيدة حق وعدل وسلام وكرامة إنسانية ودعوة للارتقاء بالإنسان، ليصبح عقيدة اقتتال وانقسام وتفكيك، ولتنقل ضمنيا الدم من المحرمات إلى المباح تحت دعوي الجهاد لإقامة شرع الله.
لم تبدع أميركا والغرب التباين بين المجتهدين ولا تعدد التأويلات للإسلام ولكنها استخدمتها.
واستبدلت إستراتيجية "فرق تسد" معترفة بوحدة الأقاليم والأوطان، إلى إستراتيجية "فتت تسد" لتنال من الأرض "الجغرافيا" بما عليها من بشر، وتحت تعبير المواطنة بمعني تحديد أن الإنسان والعرق واللون غير قابل للوجود في مجتمعه ضمن سبيكة شعب واحد، ولكنه أيضاً فوق الأرض تلك مصالح متعددة ومتابينة، حتى أن أحدهم خرج واصفا الوطنية بأنها عصر "البيادة" أو الأحذية الثقيلة للجنود.
واستبدلت دعوة الجهاد دفاعا عن الإنسانية والقيم العليا للإسلام، إلى كونها دعوة حشد أممية، بدأتها المخابرات الأمريكية في أفغانستان، ومولها العرب بالمال والبشر، وكانت أفغانستان المدرسة الأساسية التي أنتجت العنف الأممي بعد أن كان ذلك العنف داخل الأقطار الإسلامية ابن مجتمعها، قاصرا علي من يخرجون عليه تطرفا في الأداء، فلم تشهد أقطارنا العربية تجمعات مسلحة إلا في مواجهة الاحتلال الغربي، وكان يطلق عليهم "الفدائيون" أي أنهم يبذلون الروح فداءا لحرية أوطانهم وشعوبهم، وكانت حركات التحرير ومقاومة الاحتلال ملاحم إنسانية دعمت التماسك الوطني ووحدت الصفوف وكان معيار التقييم إيجابا أن تكون مع حرية الوطن والشعب، وكان التخلف عن ذلك هو الخيانة.
كانت البداية في الدعوة إلى "الجهاد" في مواجهة "الإلحاد"، أي أن الأهداف الأمريكية في الصراع مع المعسكر الشيوعي لم تعد عسكرية ولا اقتصادية ولا هي صراع علي السيطرة ومناطق النفوذ، ولكن انقلب ذلك كله إلى دفاع عن الإسلام برعاية أمريكية فوق أرض أفغانستان وبأيدي المسلمين من الأقطار العربية والإسلامية وبالأموال العربية. وامتد الأمر وانتشر بعد ذلك في المواجهات بين الشرق الشيوعي والغرب الأمريكي الرأسمالي، وانتشرت التكوينات والمنظمات المسلحة تحت غطاء الجهاديين الإسلاميين، أما من يوجه ومن يقود ومن يدرب ومن يمول ومن يحمي، فذلك كله خلف ستر سوداء، دخلت فيها لعبة الأمم، وانسحبت الجيوش مؤقتا واندفعت التنظيمات المسلحة تفعل فعلها حسب ما هو مخطط قبل دخول الجيوش أو أثناء ذلك أو من بعده.
هكذا غير الغرب وأمريكا من أدواته واستخدم البشر أصحاب الأرض والعقيدة الإسلامية المتحولة والمخصبة من اجتهادات لا ترقي إلى جوهر الإسلام، لتتحول إلى عقيدة قتل وعنف بديل عقيدة دعوة وفكر، واستخدمها في تدمير الكيانات الوطنية والقومية التي ظلت متماسكة طوال فترة التحرر الوطني من الاستعمار القديم، وصار الصراع بين الإيمان بالرعاية الأمريكية والكفر والإلحاد الوطني، لينهار التاريخ مع تفتيت الأرض.
ولكن من يستحضر العفريت قد لا يملك أن يصرفه، وهو ما حدث، وتم صدام بين بعض من هذه التكوينات وأمريكا واخذ صورا متعددة، ليظهر تعبير "الإرهاب الإسلامي"، ولننبري في محاولة الدفاع عن النفس، ولكن ما نلبث أن تنالنا شظاياه، ويصبح ملأ الاعين ومن حولنا يتهدد وجود امتنا ذاتها.
نحن نرفض تعبير الإرهاب الإسلامي، ولكن ما هو التعبير البديل، هل هو الإرهاب المتأسلم، أم هو فيالق الإرهاب الأمريكية، أم هم جند السي آي أيه بدلا من جند الله.
وأنتجت الآلة الأمريكية والغربية بديلا جذابا آخر على التوازي مع آلة العنف، وهي تلك التنظيمات تحت عنوان "حقوق الإنسان"، والمنظمات غير الحكومية، وكانت تلك التنظيمات في وجودها هي نقاط تسريب المفاهيم الأيديولوجية التي حكمت النضال الوطني والقومي، وكأن الاستنساخ صالح لكل مكان وزمان، وصارت حركات حقوق الإنسان تؤدي دورا في مواجهة الاستبداد الداخلي، ولكنها لا تملك أن تواجهه بحل بعيدا عن منابع الإمداد والتمويل الخارجي، وأصبح لها في إستراتيجية التفتيت دور وإن جرى تغليفه بحقوق الإنسان.
كان مشهد استقبال الجنود السبع الذين جري اختطافهم في سيناء يحمل عنوان "أوجه البهجة المستعارة"، فالكوكبة التي تستقبلهم تحمل فوق وزر اختطافهم أوزارا أخرى أكثر خطورة وأشد تنكيلا بالوطن والشعب. فخلفهم جميعهم عار تحول مصر إلى حاضنة للإرهاب، ويدفع الشعب والمستقبل ثمنه، وخلفهم عار قتل واعتقال شباب الثورة، ولم يعن احد أن يدافع عمن وضعوا حياتهم ومستقبلهم فداءا لتغيير وجه مصر، وخلفهم عار اختطاف الثورة ذاتها، وتحويل قرار السلطة في مصر لصالح فيالق الإرهاب الأميركي، وكأننا نسمع أمل دنقل يصرخ بالمختطفين "كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟".
كان المشهد دليل إدانة أكثر منه دلالة إنجاز، فالأمر ليس من نجح في تحرير هؤلاء المختطفين، ولا هو كيف تم ذلك، ويحضر هنا قول والد احد المختطفين "أعيدوا إلى ابني شهيدا لأدفنه، ولكن اقضوا بكل حزم وقوة علي العصابات الإرهابية في سيناء"!، هكذا كان الأب البسيط والذي لا يتولي سلطة، ولا درس إستراتيجية ولا يملك قوات مدججة بالسلاح والمعلومات، ولا يمتلك حتى الحيلولة دون الاعتقال والسجن من شرطة تحولت إلى كيان إرهابي إخواني جديد، كان الأب أكثر وعيا منهم، وأكثر إدراكا بالخطر وكأنه يردد علي مسامعهم قول أمل دنقل ثانية "إن سهما أتاني من الخلف سوف يأتيك من ألف خلف".
الإرهاب الذي فرض علينا مواجهته لا يتوقف عند عدد من التنظيمات أو الجماعات، إنه يمتد من الانحراف الفكري بالإسلام "الإرهاب الفكري"، ويتخطي هذه الكيانات التنظيمية إلى من يقف وراءها "الإرهاب الأميركي"، وان ندرك أن إستراتيجية التفتيت ليست وهما بل هي حقيقة واقعة فوق الأرض وتتجاوز تكتيكات سابقة للحفاظ علي المصالح الغربية بالمنطقة وأمن إسرائيل، وان حدود المواجهة تمتد متجاوزة الحدود الوطنية والإقليمية إلى منابع الإرهاب ذاته، تسليحا وتمويلا وتدريبا وتجنيدا، وان امن سيناء يبدأ من هناك في أفغانستان ومالي والصومال، وان اتساع ميدان المواجهة لا يعني القبول بادعاء الحرب الدولية ضد الإرهاب، أو تحويل الجيش الوطني المصري إلى جيش عقيدته مواجهة الإرهاب، ولكن اتساع المواجهة يتطلب:
1. وعي وإدراك بالمضمون الحقيقي للإسلام، وعدم الانجرار إلى حوارات وتأويلات تأخذ منه، وتحمله بأهواء ورغبات وخطط لا تنتمي إليه ولا هي لصالح الوطن.
2. حكم وطني يعي التاريخ والمصالح والشعب، يدرك المخاطر الخارجية والادعاءات الداخلية، يدرك أن وجوده غير أبدي وأن الوطن والشعب هو الباقي.
3. عدم الفصل بين جماعات الإرهاب تحت اسم الإسلام وبين الخطط الأمريكية لإستراتيجية التفتيت.
4. إدراك أن حدود الأمن القومي المصري تمتد من المغرب العربي إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، وان الخطر علي الصومال ودارفور والجزائر ومالي وليبيا وتونس وسوريا هو مماثل للخطر في سيناء ومرسي مطروح.
5. أن المواجهة مع الإرهاب تتطلب جبهة داخلية متماسكة بالوعي، وبعيدا عن الخداع باسم الدين، أن هذا الأمر يستدعي دورا واضحا للأزهر وللمثقفين. وأن مدخل الوعي يبدأ من العدل الاجتماعي.
6. أن مواجهة الإرهاب ليست مواجهة مع الإسلام ولكن حقيقتها مواجهة لصالح الإسلام.
7. أن مواجهة الإرهاب الأمريكي بأدواته من الجماعات المتأسلمة، يبدأ برفع الإرهاب الداخلي من السلطة ضد مكونات الشعب الحقيقية، أن الأمن الوطني وهو يعيد انتماؤه للسلطة يستدعي الأسباب التي أدت إلى يناير 2011 وهو يخلق مناخا لتزايد الإرهاب الديني، وأساليب القتل التي دخلت علي مجتمعنا منذ السبعينيات وها هي تملأ الساحة ضجيجا بالفخر بقتل رجال الشرطة، والأمن الوطني يضع نفسه أداة قمع لسلطة تحتضن الإرهاب.
8. أن المهمة مهمة عمل مشترك بين أجهزة المخابرات العامة والحربية والجيش، وان كل محاولات النيل من هذه المؤسسات هي إضافة ودعم لحركة الإرهاب.
إن حدود الدم والنار تتسع وتفرض أن يكون هناك رجال تتناسب إحجامهم وحجم الخطر، الوطن ليس في خيار بين أسماء أو تنظيمات تحكم، الوطن في خيار بين أن يبقي موحد الأرض والشعب وقادر على الدفاع عن أمنه، وبين العدم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8124
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4773
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026