رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحلقة الثالثة: التأمين الإسلامي التكافلي
لقد تناولنا في الحلقات السابقة موضوعين مهمين في العملية التأمينية حيث ناقشنا تاريخ التأمين وهيكلته في السوق القطري، ومفهوم إعادة التأمين، واستمرارا لجهودنا في إنارة الرأي العام والمهتمين بصناعة التامين وإزالة لأي لبس أو سوء فهم قد يحصل نتيجة لقلة الخبرة في هذا القطاع الحيوي نواصل هذه الحلقات، حيث نتناول اليوم موضوعا مهما وحيويا وهو التأمين الإسلامي التكافلي، حيث إن صناعة التأمين بشكل عام تعد إحدى الدعامات الأساسية في الاقتصاد القومي لأي مجتمع إنساني وبشكل خاص التأمين الإسلامي التكافلي، لكون غالبية المجتمعات الإسلامية رغم الحاجة الملحة لوجود تغطيات تأمينية ضرورية لتوفير الحماية الاقتصادية لمختلف المشروعات والممتلكات إضافة إلى المسؤوليات الناجمة عن ذلك النشاط تصطدم مع الفطرة الإسلامية التي تتفادى كل ما هو مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، من هنا كانت محاولات علماء الدين وفقهاء الشريعة الإسلامية لإيجاد البديل الإسلامي المقبول شرعاً والمتوافق مع الأسس العلمية لصناعة التأمين ولذلك توالت الفتاوى الشرعية من المجامع الفقهية بحرمة التأمين التجاري ومشروعية التأمين التعاوني التكافلي الذي سمي التأمين الإسلامي وأهما القرار الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى عام 1398هـ المؤكد لقرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة في الرياض في 04/04/1397هـ وقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 9 بمشروعية التأمين التعاوني التبادلي والاجتماعي القائم على التعاون والتبرع وليس على أساس المعاوضة والغرر ونص على (أن العقد الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون) إذ إن عقد المعاوضة كما أوضح فضيلة الأستاذ الدكتور العلامة /علي محي الدين القرة داغي في كتاب "التأمين الإسلامي" يقوم على أن المستأمن يدفع أقساط التأمين في مقابل مبلغ التأمين وإن نية التبرع معدومة لأن المؤمن ملزم بدفع مبلغ التأمين من خلال العقد عند تحقق الخطر المؤمن له فالمعاوضة عقد ملزم للطرفين بحيث لا يحق لأحدهما الانفكاك عما التزم به بينما الغرر فهو عقد احتمالي حيث لا يعلم المتعاقدان مقدار الكسب أو الخسارة وإن التزامات كلا الطرفين أو أحدهما تتوقف في وجودها أو في مقدارها على حادثة محتملة من حيث هي أو من حيث زمنها فأصل الغرر هو الذي لا يدري هل يحصل أم لا كالطير في الهواء. ولذلك كان الأصل في فتوى جواز التأمين الإسلامي التعاوني هو أنه قائم على التبرع والتعاون لدرئ الأخطار.
ما هو التأمين الإسلامي التكافلي؟
التأمين الإسلامي هو اتفاق مجموعة من المشتركين (حملة الوثائق) على تحمل آثار الأخطار الناجمة عن الحوادث وذلك من خلال التبرع بأقساط لتعويض من يقع عليه الضرر منهم طبقاً لنظام معين قد يسمى التكافل أو التأمين التكافلي الإسلامي.
فلسفة وآلية التأمين الإسلامي التكافلي:
في كتابه (التأمين الإسلامي) أوضح فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور/ علي محي الدين القرة داغي في شرح معنى التكييف الفقهي للتأمين الإسلامي أنه يقوم على أساس الالتزام بالتبرع لمصلحة وحماية مجموع المشاركين في محفظة التأمين (صندوق التأمين) التي تديرها الشركة على أساس الوكالة وتقوم باستثمار أقساط التأمين (الاشتراكات) على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار مع استحقاق المشتركين ما قد يحصل من الفائض والتزامهم بتحمل ما قد يقع من عجز بمقتضى النظم واللوائح المعتمدة ووفقاً لفضيلته فإنه يتم الفصل في حسابات الشركة بين حسابات المؤمن لهم أو المشاركين في التغطيات التأمينية التكافلية والتي تتضمن إجمالي أقساط التأمين (الاشتراكات) وعوائدها إضافة إلى الاحتياطيات التراكمية والفنية الخاصة بعمليات صندوق التأمين التكافلي وحسابات المؤسسين (الشركة) والتي تتضمن رأس المال المسدد وعوائده وأجر الوكالة المحدد مقابل إدارة صندوق التأمين (الشركة) إضافة إلى العوائد المحققة من المضاربة في إجمالي الاشتراكات نيابة عن حملة الوثائق أو المشاركين في التغطيات التأمينية التكافلية.
الفروق الجوهرية بين التأمين التعاوني الإسلامي التكافلي والتأمين التجاري التقليدي: -
ولقد أوجز فضيلته في كتاباته المتعددة وشرحه عن التأمين الإسلامي التكافلي وضروراته - جزاه الله عنا جميعاً خير الجزاء- الفروق الجوهريه الملموسة بين التأمين الإسلامي التكافلي والتأمين التجاري التقليدي كما يلي:
التأمين التعاوني الإسلامي التكافلي التأمين التجاري
1 التأمين الإسلامي يقوم على التعاون وعلى مبادئ الشريعة، وليس فيه ربا وغيره من المحظورات الشرعية، ولذلك فهو حلال حسب قرارات المجامع الفقهية. التأمين التجاري لا يخلو من الربا. والغرر والجهالة والمقامرة. ولذلك قال الفقهاء بحرمته.
2 يقوم التأمين الإسلامي على أساس الفصل بين أموال المساهمين (الشركة) وأموال المؤمن لهم، حيث يودع كل واحد منهما في حساب خاص بهم، حيث تصرف مصاريف التأمين وحوادثه. التأمين التجاري يقوم على عدم الفصل، وأن الأموال التي يدفعها المؤمن لهم هي ثمن التأمين، وبالتالي فهي للشركة (المساهمين).
3 من حيث الشكل فالتأمين الإسلامي يكون المؤمن والمؤمن له بمثابة جهة واحدة، لأن الأموال منهم. وتصرف لصالحهم (فمنهم وإليهم). في التأمين التجاري الشركة المؤمنة هي جهة مستقلة عن المؤمن لهم.
4 من حيث الهدف. فالهدف في التأمين التعاوني الإسلامي هو التعاون وليس الربح. الهدف في التأمين التجاري هو الاسترباح.
5 وضعت في التأمين الإسلامي آلية لالتزام الشركة بأحكام الشريعة الإسلامية من خلال هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لها. لا يوجد الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في شركات التأمين التجاري.
6 أصل قيمة القسط المدفوع يعود إلى المؤمن لهم مع استقطاع حصتهم من التعويضات والمصاريف وإعادة التأمين. وهو ما يسمى بالفائض الذي يعود إليهم. لا يعود أصل أو جزء من قيمة القسط المدفوع بأي حال من الأحوال للمؤمن لهم.
7 عوائد استثمارات أصول الأقساط لأصحابها المستأمنين بعد استقطاع حصة الشركة كمضارب. عوائد استثمارات أصول الأقساط لصالح الشركة التجارية فقط دون غيرها بإضافة استثمارها بطرق قد تكون ربوية.
8 تهدف الشركة في المقام الأول إلى زيادة تعاون أفراد المجتمع. ولا تستهدف الاسترباح من حيث المبدأ، تهدف الشركة إلى تحقيق أعلى ربحية ممكنة لأصحابها.
9 أرباح الشركة ناتجة عن استثماراتها لأموالها الذاتية وحصتها كمضارب في عوائد الاستثمارات لصالح المؤمن لهم،أرباح الشركة ناتجة عن عملياتها سواء من أموالها الذاتية أو الأقساط المتبقية ومن فوائدها الربوية.
الفائض التأميني الموزع على حملة الوثائق:
يعد المعيار الحقيقي للتطبيق الفعلي والمثالي للتأمين الإسلامي التكافلي هو توزيع الفائض التأميني المحقق فعلياً من عمليات التأمين الإسلامي التكافلي والذي يعد هو صافي العمليات العائدة لحملة الوثائق بعد استقطاع جميع المصروفات والتعويضات إضافة إلى الاحتياطيات الفنية والقانونية المختلفة المقترنة بصناعة التأمين حفاظاً على حقوق حملة الوثائق من عملياتهم التأمينية وفي التجربة العملية نجد أن الشركة الإسلامية القطرية للتأمين والتي أسست في العام 1995 كأول شركة تأمين إسلامية تكافلية بدولة قطر والثانية خليجياً تعد هي الأولى وقد تكون الوحيدة في العالم التي حافظت على معدل توزيع سنوي للفائض التأميني على حملة الوثائق ولمدة الأربع السنوات الأخيرة وهو 20%من صافي العمليات الفنية العائدة لحملة الوثائق وتعمل دائماً وتحت الإشراف المباشر من هيئة الرقابة الشرعية والتي يترأسها فضيلة العلامة الأستاذ/ علي محي الدين القرة داغي لتصويب المسار دائماً والوصول إلى تحقيق المثالية في التطبيق العملي لمعنى التأمين الإسلامي التكافلي.
لقد حاولت من خلال هذه السلسلة من المقالات تقديم إيجاز شامل كمقدمة لفهم صناعة التأمين من جميع جوانبها المهمة بشكل عام وأعتقد أنه من الصعب جدا فهم هذه الصناعة الدقيقة والهامة في اقتصادنا القومي دون التطرق إلى المحاور التي قمنا بتغطيتها، وفي الحلقة القادمة سندخل في المناطق الشائكة في هذه الصناعة والتي تتشابك وتؤثر على حياتنا اليومية وهي بداية تأمين السيارات والمركبات.
الاتحادات المهنية وأهميتها لمجتمع الأعمال
الاتحادات المهنية الجهة الأكثر فعالية لتأسيس خطوط اتصال بين الحكومة والجهات التنفيذية مع تشكل المجموعات البشرية وتكوينها للجماعات... اقرأ المزيد
5380
| 11 ديسمبر 2019
التأمين الصحي .. المشاكل والحلول
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); المشرع أو من يمثل سلطة التشريع في أي مجتمع يعمل على توفير مظلة... اقرأ المزيد
8446
| 02 أكتوبر 2016
ومــاذا بــعــد؟!!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كانت المقالات السابقة محاولة متواضعة منا لنشر الوعي التأميني بين أفراد المجتمع لخلق... اقرأ المزيد
1318
| 16 أغسطس 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- رئيــس مجموعة الإسلامية القطرية للتأمين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10371
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026