رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأتينا هواجس الموت بين الفينة وأخری ونسأل انفسنا ما هو الموت؟ هل هو نهاية المطاف أم مرحلة أخری للعيش؟ ما هو سر الموت؟ أين نذهب بعدما تخرج الروح من الجسد؟ فهذه الاسئلة قد تهم الجميع وتعتبر اسئلة جوهرية في حياة كل إنسان، علی ضوء الإجابة عليها تبنى الإنسان أعماله وأفكاره ورؤاه وخططه الحياتية. فقد وصف الموت علميا بأنه توقف الكائنات عن النمو والنشاطات الحيوية الأخری ولا يمكن للأجساد الميتة أن ترجع لمزاولة النشاطات والوظائف. هنا يتوقف العقول والاكتشافات ويبدأ الوحي الإلهي بالإجابة علی أسئلتنا المتحيرة، جوابا كافيا من عند خالق الموت والحياة المحيي المميت، مبينا الغرض من هذه السنة الإلهية في المخلوقات، حينئذ يستمتع الإنسان بالطمأنينة القلبية ويكون علی بينة من أمره ولا يخاف من الموت وهو بالمرصاد يأتي بغتة.
لا يختلف اثنان منا حول حتمية الموت والفناء وانه مصير كل ذي روح علی وجه الخليقة، ولكن نری أحيانا ما حولنا أمورا شتی تدل علی أن أصحاب تلك الأفعال لم يتفكروا ولو لساعة بأنهم سيغادرون هذه الدنيا الفانية ودون الرجعة اليها، لكن الوجهة المقبلة هي ما أخبرنا بها الأنبياء والصديقون بانها أعظم وأبقی، إذ لا تنتهي حياة الإنسان بموته وان الروح لا تموت بل تنتقل من حال الی حال، فلو قارننا حياة الجنين وعالمه داخل بطن أمه بهذا العالم الواسع سنری بونا شاسعا بينهما، وهكذا قياس هذه الدنيا مقارنة بالآخرة، اذ ان قيامة الفرد ستقوم مع موته، فان عالم البرزخ وحياة الروح بعد فراق الجسد ليست إلا مرحلة أخری من حياة الإنسان؛ الإنسان المتعطش الی الخلود كما هو متعطش الی الماء وقد أروى ظمأه بالماء في الدنيا، وتعتبر هذه القاعدة المنطقية دليلا علی وجوب الحياة السرمدية لكن ليس في هذه الدنيا القصيرة بل في الآخرة، كما قال مصطفی محمود: الموت ليس نهاية القصة ولكن بدايتها، لكنها منقسمة الی الحياة الحلوة والمرة كما نری أمثلتهما الصغری في الدنيا وحسب قصر عمر الفرد فيها والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت (علما بأنه ليس في الجنة يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء). نعم هنالك جاحدون ماديون يستهترون بعقولهم حينما يزعمون عدم ايمانهم بشيء لا يلمسونه ولم يجربوه بأنفسهم وأنهم أصحاب عقول ولا يرونه ويؤمنون بوجود بلد کالصين علی سبيل المثال ولم يزورو أبدا، بل أكثر من ذلك هنالك سماء شاسعة وآلاف الكواکب والنجوم لا نعرف شيئا عنها! هناك عالم الملكوت أكبر بكثير من عالم المادة نشعر به ولا نراه، فعلی سبيل المثال لا الحصر نذكر الفرق بين الجسدين احدهما يتحرك والثاني وافته المنية، لماذا وما الفرق بينهما؟ في حين أن الروح ليست إلا الطاقة المستمدة من نور الله وهي کالهواء وقوة الجاذبية والطاقة و لمغناطيس والخ.... نحس بها ولا نراها، والإنسان مسؤول عن أمانة النفس والروح حيث قال عز من قائل: «قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها، أي دسى هذه الأمانة وهي كانت في البدء خامة ونقية کفطرة السليم لكل مولود.
صحيح أن في هذه الدنيا الفانية لا تدوم النعم ولا النقم، ولا نعيم ينتهي بالنار ولا عذاب خواتمه الجنة، لكن ستبقی الأعمال الصالحات والصدقات الجاريات والموروث الحسن بصمة بين الناس بعد موت صاحبه، وكم من غائب حاضر عندنا وحاضر غائب عندنا وما هي إلا ثمار الأعمال، من يزرع الورود لابد ان لا يقطف الأشواك، وان ذكر الموت لا يعني اليأس بل السعي الدؤوب من اجل مرضاة الله والخلود في نعيم الجنات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أين الملوك التي كانت مســلطنة
حتی سقاها بكأس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعهــا
ودورنـا لخراب الدهر نبنيهـــا
كم من مدائن في الآفاق قد بنيت
أمست خرابا ودان الموت دانيها
قال التابعي ربيع بن خثيم رحمه الله: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي قلبي.
وقدم العمري الي مكة، فلما نظر إلی القصور المحدقة بالكعبة قال: يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر الموحشة، يا أهل التنعم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلاء الأجسام في التراب.
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة ونسألك لذة النظر إلی وجهك الكريم والشوق إلی لقائك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4518
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4062
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2169
| 05 مايو 2026