رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصاعدت حدة المخاوف من أزمة غذاء تلتهم المخزون العالمي من الحبوب، لتتفاقم معها مشكلات تطفو على السطح مثل نقص المياه، وضعف إمدادات الطاقة والكهرباء، وتذبذب الأسعار، وتراجع مستويات الزراعة والري، ولعل التأثير المناخي هو العامل المسبب للكثير من عوامل التصحر والجفاف، وهو ما يثير الهواجس لدى المعنيين في مجالات الزراعة والغذاء.
كان البيان الصادر من صندوق النقد والبنك الدوليين حول مؤشرات ممكنة لتفجر أزمة غذاء على نطاق أوسع مما حدثت في 2007و2008 يثير القلق، وبدلاً من توجه الجهود نحو إيجاد حلول تنفذ على الأرض بدأت الدول المنتجة والمصدرة للحبوب الأساسية تأخذ خطوات مغايرة لذلك في وقف الصادرات وتقليص حجم النفقات وفرض رسوم جمركية وشراء عشوائي للغذاء.
يشير البنك الدولي إلى أنّ تكلفة الغذاء الإجمالية هي أعلى الآن.. ولكنها لم تصل لمستويات قياسية مثل عاميّ 2007و2008، وأنّ الخطورة لدى البلدان الفقيرة في أنّ قوتها المالية تآكلت بسبب الأزمة المالية وفقدت قدرتها على التعامل مع فواتير واردات الغذاء بشكل مدروس.
فيما حدد صندوق النقد الدولي رؤيته للأزمة بأنه حث الدول على التأهب لزيادة محتملة في فواتير الغذاء خلال الأشهر المقبلة بعد تراجع إنتاج روسيا الدولة الثالثة عالمياً في تصدير الحبوب من القمح من "80" مليون طن العام الماضي إلى "75" مليون طن هذا العام، وتخفيض تقديراتها لمحصول العام، وتعرض مزارع الولايات المتحدة الأمريكية لأسوأ موجة جفاف خلال نصف قرن حيث فقدت سدس محصول الذرة مما يهدد بموجة أزمة.
وإذا عرجنا إلى التأثيرات المناخية المتقلبة من فيضانات وزلازل واحتباس حراري فإنها تعد المسبب الأول لتراجع مستويات الزراعة في الدول المنتجة للحبوب، وقد أثرت على الشرق الأوسط الذي يتعامل بشكل رئيس على استيراد الغذاء ومحاصيل الحبوب، ولعل أبرز المتأثرين بالأزمة القارة الإفريقية التي أنهكتها النزاعات المسلحة والأزمات المتلاحقة من فقر وجفاف وتصحر وتفشي للأمراض وتدهور القطاعين الزراعي والحيواني، الذي يعاني من نقص المياه، وعدم توافر وسائل مطورة لتنقية مياه الشرب وفقدان سياسات إنتاجية واضحة ومدروسة، وانعدام وسائل الري وطرق الزراعة الحديثة.
أما القارة الأوروبية فهي تعاني من زيادة حدة الانبعاثات الكربونية والغازات الصناعية وتراكمات الديون، والشرق الأوسط ليس بأحسن حالاً فالتوتر على المستوى السياسي فاقم من تلك التداعيات.
في استعراض للوضع القائم بالمنطقة العربية فإنّ دولنا تعد أكبر مستورد للحبوب في العالم وفق بيانات منظمة الأغذية العالمية "الفاو"، فهو يستورد نحو "50%" من الحاجات المستهلكة، وتعد المنطقة أيضاً من أعلى الأقاليم في معدلات الزيادة السكانية التي تضاعفت من "73" مليون نسمة في 1950 إلى مليارات نسمة ويتوقع البنك الدولي أن يتضاعف إلى أكثر من ذلك بحلول 2050.
كما بلغت الواردات الزراعية "64،8"مليار دولار في 2009، واتسعت هوة الفجوة الغذائية من "13،5"مليار دولار في 2000 إلى "18،1"مليار دولار في 2006، كما ارتفعت أسعار الغذاء في 2007 بنسبة "40%" التي قدرت ب"25،3"مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى "114" مليار دولار في 2020.
وتقدر منظمة الأغذية العالمية "الفاو" حجم الفجوة الغذائية العربية ب"37" مليار دولار في 2010 ومن المتوقع أن تتضاعف مع النمو السكاني، وعدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، وارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستويات الأداء في المؤسسات الاقتصادية والصناعية.
أمام استعراض الوضع المقلق للغذاء فإنّ الجهود الدولية تسير بخطى ليست في مستوى القبول لأنّ ثمار هذه التحركات لم تؤت أكلها، فقد بذلت دول العالم جهوداً لتحسين الإنتاجية وزادت من الاستثمارات الزراعية ومثال ذلك ما قدمه البنك الدولي من استثمارات في الزراعة ارتفعت من "2،5"مليار دولار في 2008 إلى "9،5" مليار دولار وقد يزداد عن ذلك، إلا أنّ توترات الشرق الأوسط ونزاعات القارة الإفريقية وتقلب المناخ في قارة آسيا حصد الأخضر واليابس وأصبحت الجهود تذرها الرياح.
ومن هذه الجهود فقد أسست الدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية مؤخراً صندوقاً دولياً للاستثمار الزراعي برأسمال قدره "600" مليون دولار لصياغة حلول عملية، وتعكف دول أوروبا على إيجاد مخرج لأزمة غذاء تزيد الوضع سوءاً مع الوضع المتردي من ديون، فيما تدرس الولايات المتحدة الأمريكية أوضاع المزارعين الذين تعاني مزارعهم من الجفاف، وقد بدأت فعلياً دول آسيا تعويض النقص في الغذاء المستورد بزيادة مخزونها من الأرز والحبوب.
هنا أستشهد برؤية تحليلية لدراسة عربية عن الأمن الغذائي للدكتور وحيد مجاهد أورد فيها أن قيمة الفجوة الغذائية خلال عقد التسعينيات لم تعكس زيادة ملحوظة وقدرت بمليار دولار في 1990 وارتفعت إلى "12،0" مليار دولار في 1999 وتدرجت إلى "13،5" مليار دولار في 2000ثم "18،1" مليار دولار في 2006.
وترى أن تفاقم أزمة الغذاء في المنظور المستقبلي تعود لأسباب طارئة كارتفاع أسعار النفط واستخدام الغذاء لإنتاج الوقود الحيوي وتحول استخدامات الأراضي الزراعية إلى استخدامات صناعية واعتماد الدول العربية على الواردات لتوفير احتياجاتها ونسب الاكتفاء الذاتي من الغذاء تميل إلى الانخفاض.
لذلك أصبح من الضروري اليوم البدء في إعداد دراسات اقتصادية متأنية مبنية على تشخيص ورصد الوضع القائم من تخطيط وتسعير وزراعة وجني للمحاصيل، وعلى الخبراء وواضعي السياسات الزراعية والتنموية في منطقتنا الأخذ بعين الاعتبار تشخيص الوضع الزراعي والغذائي في إطار الأحداث الجارية على الساحة دون إعداد خطط مثالية لا تجد طريقها إلى التفعيل.
ترامب في الصين.. ملفات ضاغطة وإعادة ضبط الصراع
تصنف أية قمة بين رئيسي الولايات المتحدة والصين في أي زمان، رسمية أو على هامش مؤتمرات دولية بالتاريخية،... اقرأ المزيد
123
| 11 مايو 2026
تأثير الذكاء الاصطناعي
لربما كانت كلمة الذكاء الاصطناعي أكثر كلمة مُل منها في عام 2025 وعام 2026 ولكن يجب الاعتراف بأنها... اقرأ المزيد
69
| 11 مايو 2026
إعادة تعريف معارض الكتاب في العصر الرقمي
مع اقتراب معرض الدوحة الدولي للكتاب بنسخته الـ 35 هذا الشهر، أصبح من الضروري أن تتكيف المعارض مع... اقرأ المزيد
108
| 11 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4497
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4038
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1953
| 05 مايو 2026