رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحدى خلاصات تجربة السنة الأولى من عمر الثورة المصرية أن المجتمع كان شديد الحماس للثورة، في حين أن نخبته ليست جاهزة للديمقراطية.
(1)
من يتابع بث الإعلام المصري المقروء منه والمرئي يخيل إليه أن ثمة سرادقا كبيرا نصبه البعض للعزاء في «وفاة» الثورة، في حين اصطف في جانب منه نفر من المنشدين يرثون «الفقيد» ويتحسرون على اختطافه وهو في مهده. وفي جانب آخر وقف آخرون يصرخون ويولولون معبرين عن الحسرة إزاء الحدث الجلل. وتنافس فريق ثالث في هجاء من كان السبب فيما حدث وفي حث «الثوار» على القصاص للثورة التي أجهضت والحلم الذي ضاع. ووسط أجواء لطم الخدود وشق الجيوب تتردد في الفضاء صيحات القائلين بأن الثورة سرقت من أصحابها، وأن الشعب المصري صار ضحية للخديعة والاستغفال، وقائلين بأنه لم تكن هناك ثورة من الأساس، وأن ما رأيناه كان فجرا كاذبا تبين أنه استنساخ للذي فات. لا جديد فيه سوى أن «الحزب الوطني» غيَّر هيأته فارتدى عمامة وأطلق لحيته وصار يتمتم بالبسملة طوال الوقت.
صحيح أن السرادق ليس جديدا. لكن الحشد فيه تضاعف هذه الأيام والاستنفار والتحريض بلغ الذروة، حتى تعالت بعض الأصوات محذرة من مؤامرة دبرت بليل وكارثة حلت بالبلد وداعية إلى الطعن في كل ما بني فيه حتى الآن، والتأهب لإطلاق ثورة جديدة وتشكيل مؤسسات ثورية بديلة.
لديَّ ملف متخم بالقصاصات والأقاويل يؤيد كل سطر مما ذكرت. وأزعم أن القارئ العادي ليس بحاجة إلى الرجوع إلى أرشيف الصحف وتسجيلات اليوتيوب، وإنما يكفيه في ذلك أن يطالع صحف الصباح لكي يجد فيها كل مقومات الشحن والتعبئة والتحريض والتبكيت.
أسوأ ما في هذه الحملة متعددة الأبعاد أربعة أمور هي:
< أنها تحاكم الثورة على أهدافها النهائية التي لم تتحقق بعد، وليس أهدافها المرحلية التي تسعى لإنجازها على الأرض.
< إنها في أساسها تعبر عن صراعات وحسابات شريحة من المثقفين والسياسيين. الذين يحاولون جاهدين تنزيلها إلى الشارع وإشغال الرأي العام بها، في حين أن المواطن العادي مهجوس بأمور أخرى ولا علاقة له بتلك المعارك.
< إنها تحدث إرباكا في أولويات العمل الوطني، من حيث إنها تصرف الانتباه عن التحديات الكلية. المتعلقة بالنهوض الاقتصادي والعدل الاجتماعي والحريات العامة والاستقلال الوطني، وتفرض على الناس معارك أخرى هامشية وفرعية.
< إنها تروع المصريين المقيمين في الخارج وتعطي انطباعا مشوَّها ومغلوطا لغيرهم من المتابعين والمراقبين وهو ما يلمسه كل من يحتك بهذه الدوائر، وما كان لي منه نصيب في الآونة الأخيرة. إذ وجدت درجة عالية من الإحباط والتشاؤم لدى البعض ومن الشماتة وسوء الظن لدى آخرين.
(2)
خذ مثلا المعركة التي احتدمت في مصر حول وضع الدستور الجديد، وهي التي اشتدت أوارها بعدما تم الاتفاق في اجتماع مجلسي الشعب والشورى على انتخاب نصف أعضاء اللجنة التأسيسية من المجلسين والنصف الآخر من خارجهما. ذلك أنك لا تكاد تفتح جريدة أو تتابع حوارا تليفزيونيا إلا وتجد نفسك في قلب الجدل حول الموضوع. وستلاحظ على الفور أن محور المناقشة هو عدم الثقة في ممثلي التيار الإسلامي، والخوف من أن يفرضوا على الدستور آراءهم وبصماتهم. إليك نماذج من تلك الآراء، سأحتفظ بأسماء كاتبيها منعا للإحراج.
< يريدون أن يفصلوه على مقاسهم (الدستور)، ويقيموا إمارة دينية تعود بنا إلى العصور التي كنا فيها طوائف متفرقة مسلمين وذميين. ولم نكن مواطنين ولم نكن مصريين. وكنا رقيق أرض نسمع ونطيع. ولم نكن أمة حرة تصدر عنها وحدها كل السلطات.. إن إقحام الدين في الدستور على أي نحو وبأي صيغة إفساد للدستور وتزييف له فاستيقظوا أيها المصريون (الأهرام 24/3/2012).
< انسحبوا من لجنة صياغة دستور لن يمثل فيه كل المصريين بالتساوي، وبقدر وجودهم الحقيقي في المجتمع. انسحبوا (الكلام موجه إلى الأقلية البرلمانية) قبل أن يشعر المصريون بأن هذا الدستور لا يعبر عنهم جميعا وأنكم شاركتم في خداعهم.. انسحبوا قبل فوات الأوان، وليكن فعلكم إيجابيا بتشكيل هيئة تأسيسية أخرى يمثل فيها كل المصريين، لتكتبوا معا دستور الثورة. (المصري اليوم 22/3).
< ما يحدث الآن في لجنة تأسيسية الدستور المصري في البرلمان، هو مهزلة بكل المقاييس والسكوت عنه جريمة، والمشاركة فيه عار على الديمقراطية.. (ذلك أن) كل الفقهاء الدستوريين في مصر يتفقون على أن البرلمان ليس جهة وضع أو صياغة بنود الدستور.. إن الضغوط الهائلة التي قامت بها جماعة الإخوان ممثلة في حزب الحرية والعدالة داخل البرلمان للوصول إلى صيغة الهيئة التأسيسية هي «اختراع» غير مسبوق. وهي نموذج لسياسة غطرسة القوة التي تمارسها الأغلبية بحق الأقلية (الشرق الأوسط 22/3).
(3)
هذه ليست أكثر من ثلاث قطرات في بحر الهجاء والتنديد. وإلى جانب التعليقات التي عبرت عن تلك المعاني، فثمة سيل آخر من الأخبار الموازية التي تحدثنا عن مقاطعة بعض أحزاب الأقلية للجنة، وعن التحضير لمسيرات مناهضة لتشكيلها وداعية إلى «إنقاذ مصر» من براثنها، وعن اعتزام القانونيين تقديم طعن يطالب بإبطال قرار تشكيل اللجنة مناصفة بين البرلمان والشخصيات العامة.
المفاجأة في هذه الحملة أن الفرضيات الأساسية التي اعتمدت عليها غير صحيحة. ذلك أن الادعاء بأن الدول «المحترمة» متفقة على أن البرلمان ليس جهة وضع أو صياغة الدستور كلام غير دقيق. إذ تكذبه الخبرة السياسية والتاريخية. علما بأن البرلمان في الحالة المصرية لن يضع الدستور ولكنه سينتخب اللجنة المكلفة بذلك من بين أعضائه ومن خارجه. آية ذلك أن جامعة «برينستون» الأريكية أعدت دراسة شملت 200 دستور ظهر في العالم خلال ثلاثين سنة (بين سنتي 1975، 2005) بينت أن هناك 9 طرق لكتابة الدساتير. وكانت الوسيلة الأكثر استخداما هي أن تعهد الدول إلى البرلمان المنتخب لكي يقوم بهذه المهمة. وهو ما حدث في 42% من الحالات التي تمت دراستها، في حين أن نسبة الحالات التي تم فيها وضع الدستور بواسطة لجنة تأسيسية معينة أو منتخبة من البرلمان كانت في حدود 9%. أما وضع الدستور من خارج البرلمان فلم يتم إلا في 17% من الحالات.
الخلاصة أنه خلال الثلاثين سنة التي شملتها الدراسة فإنه في 51% من الحالات كان البرلمان إما واضع الدستور أو صاحب القرار في اللجنة أو الجمعية التي تولت إعداده وصياغته. الأمر الذي ينفي ذلك التعميم والإطلاق الذي ساقه الرافضون لتشكيل اللجنة في الحالة المصرية، ويبطل حجة الاستناد إلى الخبرة التاريخية فيما دعوا إليه. ناهيك عن أنه ليس من المنطق أن ينتخب الشعب ممثليه في البرلمان، ثم يتم إقصاء هؤلاء الممثلين عن وضع الدستور بحجة أنهم لا يمثلون الشعب بصورة كافية. علما بأن انتخاب نسبة من خارج البرلمان يمكن أن يسد هذه الثغرة.
إنك إذا دققت النظر في المشهد، ستلاحظ أن أحزاب الأقلية هي التي ما برحت تثير الضجيج وتؤلب الرأي العام طول الوقت. منذ طرحت التعديلات الدستورية للاستفتاء وحتى اللحظة الراهنة. حيث لم تكن مستعدة للقبول بنتائج الممارسة الديمقراطية في أي مرحلة.
(4)
ليست المشكلة مقصورة على أحزاب الأقلية، لأن الأغلبية كان لها نصيبها منها، من حيث إنها لم تستوعب جيدا أساليب الممارسة الديمقراطية، على الأقل فيما خص طبيعة علاقتها مع الأقلية. إن شئت فقل إن الجميع دخلوا في تجربة ديمقراطية لم يألفوها منذ نصف قرن على الأقل. الأمر الذي لم يسمح باستقرار التقاليد الحاكمة لعلاقات القوى السياسية. وإذا أضفت إلى ذلك أن نحو 80% من أعضاء البرلمان حديثي عهد بالتجربة، ومنهم من هو حديث العهد بالسياسة برمتها. فلك أن تتصور حالة الارتباك والاضطراب التي تسود العلاقة في هذه الحالة. وهو ما اعترف به البعض ممن نظمت لهم محاضرات ودروس خصوصية لاستيعاب الموقف الذي وضعوا فيه.
لا أتحدث عن الإخلاص والغيرة وغير ذلك من القيم التي لا أشك في توافرها لدى الجميع، لكنني أتحدث عن تواضع الخبرة السياسية وارتباك الرؤية الإستراتيجية. وفي مقام آخر حذرت من ثلاث فتن تتعرض لها الأغلبية في البرلمان، فتنة الأضواء وفتنة الأغلبية وفتنة السلطة. ولا أريد أن أتسرع في الحكم، لكنني أزعم بأن أداء الأغلبية حتى الآن لم يقنعني بأن رموزها محصنة ضد الافتتان بما ذكرت. إذ في ممارسات عدة تمنيت على الأغلبية أن يكون انحيازها إلى الجماعة الوطنية أقوى من انحيازها إلى «جماعتها».. بالتالي فإنني لم أفهم ذلك الحرص على إثبات الحضور في مختلف المواقع. ولا أخفب دهشة ــ مثلا ــ من التلويح المتكرر بسحب الثقة من الحكومة والمطالبة بتشكيل حكومة ائتلافية يقودها الإخوان. الأمر الذي من شأنه أن يُحدث احتقانا في الأجواء السياسية وتراجعا في البورصة وإقلاقا للداخل والخارج ــ يضاعف من الدهشة أن تغيب عن الأذهان تلك الأصداء ويشهد الاستعداد لخوض المغامرة في حين أن الحديث ينصب على حكومة عمرها ثلاثة أشهر فقط، تنتهي بعدها الفترة الانتقالية وينتخب خلالها رئيس جديد في ظل دستور جديد.
أدري أن الأغلبية لم ترتكب خطأ قانونيا أو دستوريا، وأنها في ممارساتها تصرفت في حدود صلاحياتها. لكنني أتحدث عن الملاءمات السياسية ومناخ التشاور والتوافق الذي نريد له أن يسود. من هذه الزاوية فإنني استغرب ذلك التكالب من جانب الجميع على توزيع الحظوظ والحصص في لجنة الدستور، حتى قلت إنه كان يكفي الأغلبية أن تتمسك بأمرين في الدستور، هما هوية البلد الإسلامية وضمانات الحريات العامة، ثم تترك الأمر بعد ذلك للآخرين يجتهدون فيه ما وسعهم الجهد.
إن التحديات التي تواجه مصر أكبر بكثير من تلك المعارك الجانبية التي تثار بين الحين والآخر، فتفرق الصف وتستهلك الجهد. لذلك تمنيت أن ينشغل الجميع برؤية تحقق للوطن الفوز وعبور الفترة الانتقالية بنجاح. وذلك أهم بكثير من فوز هذا الحزب أو ذاك بأي مغنم مهما بلغ شأنه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4842
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3915
| 23 سبتمبر 2026