رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على مدى أسبوع كامل حفل مؤتمر الأونكتاد الثالث عشر بتغطية إعلامية كبيرة على خلفية انعقاد جلساته في الدوحة وهو ما ترتب عليه ترأس دولة قطر لأعماله في السنوات الأربع التالية. وقد خطر ببالي أن أسأل عددا من الشباب عن مدلول لفظ الأونكتاد في أذهانهم فتبين لي أن الكثيرين قد توقفوا عند مقولة إنه مؤتمر ينعقد الآن في قطر، ولم يتجاوزوا ذلك لما هو أبعد وأقصد بذلك ماهية الأونكتاد؟ وما أهميته في عالمنا المعاصر؟ وماذا فعل في الدوحة؟
بداية أشير إلى أن كلمة الأونكتاد هي اختصار لما يعرف بـ "مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة" وقد تأسست هذه المنظمة الدولية في عام 1964، بعد أن تزايدت مخاوف الدول النامية من وضعها في ظل نظام عالمي انقسم بعد الحرب العالمية الثانية بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. وكان العالم قد نجح في تأسيس كافة المنظمات الدولية التي تعنى بالشؤون المختلفة من أمن وتعليم وطفولة وطاقة وعمالة ولاجئين.....إلخ، وفشل في إنشاء منظمة تعنى بشؤون التجارة حتى العام 1994 عندما تأسست منظمة التجارة العالمية. وقد لعبت مؤتمرات الأونكتاد المتعاقبة التي انعقدت دورياً كل أربع سنوات، دوراً مهماً في تذليل الصعاب التي اعترضت طريق إنشاء منظمة التجارة العالمية. وقبل أن نعرض للنتائج التي أسفر عنها المؤتمر الثالث عشر بالدوحة، فإنني أستعرض بعضاً من إنجازات هذه المنظمة في تاريخها الذي يمتد لقرابة نصف قرن من الزمان.
- انعقد أول مؤتمر للأونكتاد في جنيف عام 1964. ونظرا لحجم المشاكل التجارية والتنموية المطروحة آنذاك، وضرورة التصدي لها، فقد تقرر انعقاد المؤتمر كل أربع سنوات، مع إنشاء أمانة دائمة توفر الدعم الفني واللوجستي اللازم لأعمال المؤتمر. وقد تم تجميع البلدان النامية- أو ما يعرف بدول الجنوب- في مجموعة واحدة أطلق عليها جي77 للتعبير ككتلة عن تطلعاتها ومخاوفها، ثم انضمت إليها الصين فباتت تعرف بـ جي77+1 مع ملاحظة أن عدد أعضاء هذه المجموعة وصل اليوم إلى 131 دولة، من أصل 193 دولة عضو في الأونكتاد. وقد وفر الأونكتاد محفلاً حكوميا دولياً للحوار بين دول الشمال والجنوب، ولإجراء المفاوضات حول القضايا التي تهم البلدان النامية، بما فيها المناقشات حول "نظام اقتصادي دولي جديد". ومن بين ما أنجزته الأونكتاد في الماضي:
- إقرار ما يُعرف "بنظام الأفضليات المعمم في التجارة" في عام 1968، بما يوفر لمنتجات الدول النامية فرصاً أفضل للوصول إلى أسواق الدول المتقدمة.
- تعريف العالم بمشاكل ما يُعرف بمجموعة البلدان الأقل نمواً LDC اعتبارا من العام 1971، ولفت الانتباه إلى الاحتياجات الخاصة لهذه البلدان الأكثر فقرا، وأصبحت الأونكتاد جهة التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة المعنية بأقل البلدان نموا لمعالجة القضايا ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية فيها.
- ساعدت الأونكتاد في بلورة معيار اقتصادي عالمي لحجم المساعدات التي تقدمها دول الشمال الغنية إلى البلدان الأكثر فقراً، وهو نسبة 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة غنية، وهو المعيار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1970.
- كان للمساعدات التقنية التي قدمتها الأونكتاد إلى البلدان النامية أهمية خاصة في جولة أوروغواي للمفاوضات التجارية، والتي كانت قد بدأت في إطار الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في عام 1986. وكانت للنجاح في تلك الجولة أهمية بالغة في تمهيد الأجواء لقيام منظمة التجارة العالمية. كما قامت الأونكتاد بدور رئيسي في دعم المفاوضات من أجل إنجاز الاتفاق العام للتجارة في الخدمات "جاتس" في عام 1998.
- توسعت وتنوعت المساعدات التقنية التي تقدمها الأونكتاد، وأصبحت اليوم تغطي مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك المفاوضات التجارية والتدريب، ومعالجة القضايا ذات الصلة بالتجارة، وإدارة الديون، وعمليات استعراض سياسات الاستثمار وتشجيع روح المبادرة؛ والسلع الأساسية؛ وقانون سياسة المنافسة، والتجارة والبيئة.
- وافقت الأونكتاد على اعتماد مجموعة متعددة الأطراف من المبادئ والقواعد المنصفة من أجل مكافحة الممارسات التجارية التقييدية. وقد تطور هذا العمل لاحقا إلى ما يعرف اليوم بـ "سياسات التجارة والمنافسة".
- أكدت الأونكتاد في مؤتمرها العاشر في بانكوك عام 2000، على ضرورة اتباع نهج مختلف لمشاكل البلدان النامية، فأصدر ما عرف باسم "روح بانكوك" - باعتبارها "أجندة إيجابية" بالنسبة للبلدان النامية في المفاوضات التجارية الدولية، وتهدف إلى مساعدة البلدان النامية في فهم أفضل لتعقيدات المفاوضات التجارية متعددة الأطراف وفي صياغة مواقف تلك الدول منها.
ومع دخول العالم في معترك الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، والتي عصفت بالاقتصادات المتقدمة، فإن أجواء جديدة قد طرأت على المشهد الاقتصادي العالمي وبات من الضروري إعادة النظر في تركيبة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتم بالفعل توسيع عضوية مجموعة ما يُعرف بالدول السبع الكبرى جي7 إلى جي20 لتضم دولاً فاعلة في الساحة الدولية مثل الصين والبرازيل والهند والسعودية. إلا أن ذلك لم يساعد حتى الآن في تغيير قواعد اللعبة في الساحة الاقتصادية الدولية.
ورغم أن إعلان الدوحة عن المؤتمر-بشأن التنمية المستدامة- لم يصدر حتى ساعة كتابة هذا المقال إلا أن ما تسرب عنه من تصريحات يشير إلى تركيزه على الأزمة المالية وتداعياتها على التنمية في البلدان النامية، والاتجاه إلى اضطلاع مؤتمر الأونكتاد في السنوات المقبلة بدور مهم في الحد من آثار الأزمة المالية العالمية عبر رفع التوصيات والإرشادات إلى المؤسسات المالية الدولية والمجموعات المعنية مباشرة بهذا الملف الشائك، وعبر إطلاق مشاريع للتنمية تعزز من قدرة الدول على مواجهة تداعيات هذه الأزمة. وستمنح وثيقة الدوحة الأونكتاد ولاية جديدة بصلاحيات واسعة اخترقت الأهداف التي تأسس من أجلها المؤتمر، لتشمل مناقشة قضايا التغيرات المناخية وتأثيرها على التنمية، والخدمات والتكنولوجيا، والاستثمار".
ومن الواضح أن انعقاد الأونكتاد في قطر - وهو ما يحدث لأول مرة في دولة عربية منذ انطلاقته الأولى عام 1964- يعتبر إنجازاً كبيراً لدولة قطر، يضاف إلى نجاحاتها السابقة في استضافة المؤتمرات الكبيرة، كما أن نجاحها في صياغة إعلان الدوحة على النحو الذي سيصدر به يدعم الجهود القطرية التي يبذلها حضرة صاحب السمو الأمير المفدى في الساحة الدولية من أجل إحقاق الحق ونصرة القضايا العادلة للشعوب المقهورة وتحقيق التنمية المستدامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2709
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2532
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1608
| 29 مايو 2026