رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت بكل لوعة وأسى نبأ وفاة أستاذي الجليل، ومعلم الأجيال سليمان محمد الستاوي (أبو براء) ومن حق الأجيال أن تعرف شيئاً عمن ساهموا في مسيرة البلاد التعليمية والتربوية وتركوا بصمات واضحة في ميدان التعليم، ونجد لزاماً علينا أن نذكر بكل التقدير أولئك النخبة وما أدوه وقاموا به عرفاناً بدورهم وهذا ما دأبت عليه قيادتنا الحكيمة وشعبنا الكريم، سليمان الستاوي الذي رحل عنا بعد حياة حافلة أمضى جل عمره الذي امتد قرابة 86 عاماً في قطر واستحق بمكرمة التجنيس أن يكون مواطناً قطرياً تقديراً من قيادتنا المباركة بدور هذا الرجل في تربية الأجيال. وكل من درس على يد هذا الأستاذ يعي تماماً أنه أستاذ الفلسفة المتميز الذي حبب الطلبة إلى هذه المادة التي كان الكثير من الطلاب يدركون صعوبتها ويتوجسون خيفة منها، فأصبحت لهم سهلة ميسرة بفضل هذا الأستاذ المتميز في طريقة شرحه وتوصيله للمعلومات عنها، سليمان الستاوي حطت به الرحال في قطر عام 1962، ومنذ انضمامه إلى أسرة التعليم بوزارة التربية وهو يقوم بتدريس مادة الفلسفة وعلم النفس والأخلاق وكذلك المجتمع القطري وعلم الاجتماع والمجتمع العربي ومناهج البحث للمرحلة الثانوية والمعهد الديني، عشق الطلاب حصصه التي يمضي وقتها سريعاً دون ملل وكذلك تعلقوا بأسلوبه في الشرح والكتابة، وهو دليل على تمكنه من هذه المواد وخصوصاً الفلسفة، حتى ارتقى فيها إلى درجة أستاذ الجامعة كما هي آراء كل من وقف على شرحه.
لم يستخدم فقيدنا الضرب أو حمل العصى، وإنما كانت شخصيته المهيبة وحديثه الشيق المحبب، تفرض نفسها على الطلبة في الفصل فتجد الطلبة في حصته يسودهم الهدوء والسكينة على غير ما يعهدونه مع غيره، ففي حصته لا تسمع إلا همساً.
وكان إذا أملى علينا كتابة الموضوع تخرج من ذاكرته العبارات التي يجيد إخراجها، ببراعة وتدبيج.
سليمان الستاوي درس على يديه كوكبه من طلاب قطر، فجيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لا زالوا يذكرونه، ويشيدون بما أتاه الله من التميز في طريقة الشرح، فقد تفوق على من سبق ومن جاء من بعده دون التقليل من مكانة أحد، فالكل ساهم بقدر ما أوتي وما حصل.
ربطتني شخصياً بالفقيد علاقة متميزة، استمرت منذ أن دخل علينا في الصف الأول الثانوي بالمدرسة الثانوية عام 1963 لتدريس مادة المجتمع القطري واستمرت حتى التخرج في الثانوية العامة عام 1965 وامتدت منذ ذلك اليوم وحتى وفاته لم تنقطع الصلة بيننا سواء عبر الزيارات أو الهاتف، وكنت أسعد باتصاله وسماع صوته، وقد عرفته صادقاً صدوقاً، استفدت من علمه كثيراً وتأثرت كثيراً بكتاباته وأسلوبه التي لازالت ذاكرتي تحتفظ بها وتخزل الكثير منها وعشقت مادة الفلسفة وعلم النفس والأخلاق التي درسناها على يده في مرحلة التوجيهي، وأذكر أنني عندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، التي كانت تصحح في القاهرة، وكان ترتيبي الأول على القطريين في القسم الأدبي، حصلت على علامة كامله في مادة الفلسفة، وقابلته يومئذٍ في المدرسة حين ذهبنا لاستلام استمارات النجاح فقال لي كلمة لازلت أذكرها، وأذكره بها كلما التقينا، قال لي: تعرف يا يوسف علامتك (نمرتك) التي حصلت عليها في الفلسفة لو امتحنت أنا مدرسها لن أحصل عليها، قالها بكل صدق وبكل فخر لطلابه، فرددت عليه بأن الفضل يعود لله أولاً ثم للأستاذ المتميز سليمان الستاوي أطال الله عمره.
وعندما ذهبت للقاهرة للدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية استمرت المراسلات بيننا نظراً لتلهفي وشوقي له ولكتاباته، وكنت قد سألته في إحدى خطاباتي له عن أحوال طلبه الصف الثالث الثانوي الذين جاءوا من بعدنا، بعد أن تقرر تدريسهم مادة الرياضيات، التي لم ندرسها في خطتنا الدراسية، كما قام بتدريسهم اللغة الانجليزية مدرس إنجليزي يدعى (هايدوك) فقال لي مداعباً وبأسلوب رقيق وعظيم " أما إخوانكم طلبه الصف الثالث الثانوي فهم بخير ويسيرون في دراستهم سيراً حسناً ولا يشكون سوى من الإنجليزي ومسترها، والرياضيات التي أعفاكم الله منها".
ساهم الستاوي مساهمة فعالة في تأليف كتب المواد الاجتماعية خاصة الفلسفة وعلم النفس والأخلاق حيث عرضها بصورة مبسطة كما هي العادة من أسلوب تدريسه، وكذلك ألف في المجتمع القطري، الذي عكس انتماءه بصدق لقطر وابراز خصائص مجتمعنا القطري وتقديمه لأبناء قطر وغيرهم من الطلبة العرب والمسلمين في مدارسنا بصورة تبرز عراقة المجتمع القطري.
هذه خواطر جالت في نفسي ولم يطاوعني القلم سوى بهذه الكلمات التي أعتقد أنها لن توفيه حقه، كأستاذ عظيم له علينا كطلبة حق، لأننا مدينون بالفضل لمن علمنا. أردت أن تتعرف الأجيال على من خلف وراءه سيرة عطرة أثرى بها مسيرة التعليم عندنا، وظلّ حتى الرمق الأخير من حياته وحتى تقاعده عن العمل في التوجيه التربوي مهموماً بالتعليم ومنشغلاً بمشاكلة وطرح الحلول لإصلاحه.
واليوم يرحل عنا أستاذ الفلسفة المتميز، بعد أن دعاه ربه إليه، ولعّل الله طيب له الموت فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وسوف تستذكر تلك الأجيال التي نهلت من علمه دوره وإسهاماته كعلم من أعلام الفلسفة خصوصاً وأنه تفاعل مع اخوانه وطلابه من قطر، فبادلهم الحب فأحبهم وأحبوه وربطته علاقات أخوة وصداقة مع الكثير منهم لا نملك إزاء ما قضى الله، إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى العلي القدير أن يشمله برحمته ورضوانه ويجمعنا به في جناته، ولنا في الابنين الكريمين (براء وأبي) وأخواتهما والأسرة الكريمة خير الخلف، ولله ما أخذ وأعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، رحم الله أستاذنا أبا براء وأفسح له في قبره، وعوضنا في فقده خيراً، "وإنا لله وإنا إليه راجعون".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1137
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026