رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد موفق زيدان

@ahmadmuaffaq

مساحة إعلانية

مقالات

1590

د. أحمد موفق زيدان

القيادة في عيون هنرى كيسنجر 1/ 3

29 أكتوبر 2024 , 02:00ص

الكتاب الأخير الذي نشره وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي لسنوات، بعنوان ( القيادة.. ست دراسات في الاسترايجية العالمية) كان آخر ما كتبه قبل رحيله، وقد بلغ المائة عام، فكان الكتاب عصارة جهدة وفكره وتجربته وممارسته للسياسة الخارجية الأمريكية، وكان بحق كتاباً مهماً في مضمونه، لاسيما وقد قسّم القادة إلى قادة رؤيويين ببصائرهم، باحثين عن المطلق، وقادة دولة متميزين بقدراتهم التحليلية ومهاراتهم الدبلوماسية، مقتصرين في ممارساتهم بالبحث عن التراضي، وهنا يُميز بين الطرفين بقوله: رجل الدولة مهمته بالحفاظ على مجتمعه من التلاعب في الظروف بدلاً من تركها تتلاعب به، أما رجال الرؤية فهم رجال غير عقلانيين كما قال برنارد شو، يؤمنون بالحلول النهائية، ويضيف شو: ( العاقل يتكيف مع العالم، وغير العاقل يحاول تكييف العالم. ) فهدف رجال الرؤية تجاوز الوضع الراهن بدلاً من إدارته، فإن كان رجل الدولة يعمل على الحفاظ على النظام الدولي، وعدم تغييره، فإن صاحب الرؤية مستعد لقلب النظام رأساً على عقب، ولعل المستشار الألماني أديناور الذي سنتحدث عنه لاحقاً لخص رجال الرؤية بقوله: ( القيادة تتطلب القدرة على الإلهام وتبني رؤية مع مرور الوقت.) وتبقى الشجاعة عنصراً مهما في قيادة الرؤية ما دام ( النجاح من نصيب الشجعان.) بحسب الحكمة الرومانية.

درس كيسنجر في كتابه ست قيادات ممتدة من المنطقة العربية إلى أمريكا وأوروبا كقادة رؤيويين بنظره، وبغض النظر عن اتفاقنا، أو اختلافنا في تقييمه التفصيلي لهذه القيادات، ولكنها تبقى بكل تأكيد منهجية ورؤية مهمة وعميقة جديرة بالقراءة و التعلم، لتستفيد منها الأجيال الحالية، لاسيما الممارسة للسياسة اليوم.

حين يتحدث كيسنجر عن ونستون تشرشل ينقل عنه ما سطّره الأخير في كتابه الأهم "العاصفة الوشيكة" وهو يقدم نصيحته لرجل الدولة: ( لا يقتصر دور رجل الدولة على تسوية الملفات السهلة، فهذه غالباً ما تُسوي نفسها بنفسها، إن دوره حيث انعدام التوازن، والتباس النسب والاحتمالات، وحينما تفرض فرصة اتخاذ قرارات تنقذ العالم نفسه.)، وحين سُئل تشرشل عن نصيحته في كيفية الاستعداد لتحديات القيادة لخصها بقوله: ( ادرس التاريخ، ثم ادرس التاريخ، ففي التاريخ تكمن كل أسرار فن الحكم.)

ينتقل كيسنجر إلى صاحب رؤية أخرى وهو تشارل ديغول الذي وصف نفسه ذات مرة: ( رجل لا ينتمي لأحد، ورجل ينتمي إلى كل شخص.)، وينقل عنه ما كتبه في كتابه "حدّ السيف":( القادة الاستراتيجيون بحاجة إلى صفات الفنان الذي يستشعر كيفية صياغة المستقبل باستخدام الخامات المتوفرة.)

وينتقل كيسنجر في كتابه الذي أبحر بنا في محيطات وبحور السياسة وتعقيداتها وتداخل التاريخ مع الجغرافيا مع الاقتصاد والديمغرافيا والحرب والسلم، فيحدثنا عن استراتيجية التواضع التي انتهجها المستشار الألماني الذي أخرج بلاده من الحرب العالمية الثانية منهزمة ليضعها على سكّة التعافي من خلال استراتيجيته التي أطلق عليها كيسنجر " استراتيجية التواضع"، والتي لخصها بالتأقلم مع وضع جديد وهو الهزيمة، فسعى إلى دمج بلده مع أوروبا وأمريكا المنتصرتين.

تتكون استراتيجية التواضع لدى أديناور من أربع قوائم وهي: (قبول عواقب الهزيمة، واستعادة ثقة المنتصرين، وبناء مجتمع ديمقراطي، وتأسيس اتحاد أوروبي يتجاوز انقسامات أوروبا التاريخية.)، ويُبرز كيسنجر بلفتة ذكية ودقيقة قدرة ألمانيا يومها في استغلال غزو كوريا الشمالية لجارتها الجنوبية عام 1950، مما أقنع أمريكا للدفاع عنها، فكان لا بد من مشاركة ألمانيا بهذا الدفاع، مما شكل فرصة ذهبية لقبول ألمانيا أوروبياً، فأعيد تسليحها، واستعادت بذلك هويتها، وتم دمجها بالمؤسسات الأوروبية، فكسر أديناور بذلك سياسة أمريكا التي سبقت حرب الكوريتين ( الاحتواء المزدوج) والتي هدفت واشنطن من ورائها احتواء روسيا، على أن تتولى أوروبا احتواء ألمانيا، لمخاوف أوروبا من طموحات ألمانيا.

هكذا واجهت ألمانيا التحدي بالبحث عن ثغرات واقتناص الفرص، مدركة تماماً أن التاريخ لا يمنح فترات راحة، وهي التي كانت كطائرة الفينيق الذي خرج من رماد حربين مدمرتين له، هما الحرب العالمية الأولى والثانية والتي كانت في فترة زمنية قصيرة جداً في عمر الدول حيث بين الأولى والثانية عقدين فقط من الزمن.

كانت كلمة السرّ الرائعة في نجاحات أديناور هي ما التزم بها: ( إن أردت أن تنتقم في السياسة، فانتقم بدم بارد.)، وهو الذي سبق أن عرّف السياسة بأنها فن الإصرار والإرادة، فكان رأيه أن مهمته بعد هزيمة بلاده في الحرب العالمية الثانية تكمن في إعادة بناء القيم الديمقراطية على أساس الأخلاق المسيحية، قارئاً بدقة نفسية شعبه: ( الألمان شعب مضطرب ومتضارب بشدة، ليس بسبب ماضيه النازي وحسب، ولكن بمعنى أعمق، نتيجة غياب الإحساس بالتناسب أو الاستمرارية التاريخية.) وحين سئل أديناور عن الإرث الذي أراد تخليده بعد رحيله: ( أن يُقال عنه بعد رحيله لقد قام بواجبه.)

اقرأ المزيد

تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي

أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد

1026

| 01 يوليو 2025

تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء

التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد

900

| 24 يونيو 2025

سوريا.. الجمهورية الثانية سوريا.. الجمهورية الثانية

في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد

1554

| 17 يونيو 2025

مساحة إعلانية