رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في هذا الشتاء القارس الذي يمر هذه الأشهر في بعض البلاد الباردة كأوروبا وسواها، نجد من يحترسون منه بالمدافئ والألبسة الصوفية والجلدية الثقيلة للحماية من شدة البرد وحتى يزاولوا أعمالهم بطاقة ولياقة مناسبة، بل حتى يناموا هانئين وقد قالت العرب قديما: "منع البرد البرد"، أي منع البرد الذي هو ضد الحرارة النوم، لأن من أسمائه البرد، ولذا قال الله سبحانه وتعالى عن جهنم: "لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا"، سورة النبأ:24. أي لا نوما ولا شرابا.
في هذه الأحوال القاسية المرة على النفس يعيش إخواننا وأخواتنا وأبناؤهم في معظم سوريا حياة الزمهرير الذي يرجف الجسم معه، خصوصا مع تساقط الثلوج على السفوح والهضاب، بل والسهول، سواء في داخل البلاد أو في أماكن اللجوء والمهجر لدى البلدان المجاورة، مثل الأردن ولبنان وتركيا والعراق وتمنع حتى بعض الجهات الرسمية في الأمم المتحدة عنهم الأغطية والأغذية ويقرع الضحايا أسنانهم من شدة البرد ولا يجدون ما يسد جوعتهم ولو لأرماق من الغذائيات والدوائيات، حيث تفشي العلل والأمراض أكثر، وخاصة للأطفال الذين رأيناهم يبتلون بسرعة الإسهال، حيث أصبحت مياه السماء تغمر ربع مخيماتهم والريح تقلب العديد من الخيام على أصحابها فيصابون بالذعر والخوف والقلق والكآبة دون مسعف سريع للغذاء والدواء والحماية من الطقس الطبيعي..... تذكرت ونحن نعيش في الرغد والسعة والترف والكماليات وسيما الذين كتب الله لهم الرزق في بلاد الخليج العربي بل وأوروبا.. وكيف يجب أن نتقشف وندخر مما أعطانا المولى من أجلهم حتى نشعر بأننا مع لوازم ومقتضيات الإيمان نبرهن على صدقه بالبذل والعطاء للمعوزين المحاويج وأننا في هذا العالم المختلف المتغير لسنا مطمئنين كاملا وربما تدور الأيام فنصبح مثلهم، فإذا أضفنا إلى ذلك أو معه كيف تهوي عليهم البراميل المتفجرة والقصف الشديد بقنابل "النابالم" الحارقة كالتي رميت على دوما وأطرافها في ريف دمشق أمس وكذلك على درعا وريفها وإدلب وريفها وحلب القديمة المحررة وريفها.. عرفنا كيف أن إخوتنا في الإيمان يعانون من الأمرين الجوع والخوف اللذين ذكرهما الله تعالى وهو يمتن على قريش كيف خلصهم منهما، بقوله: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، قريش: 4.
أي رزقهم الطعام بعد جوع كان يصيبهم في رحلتي الشتاء والصيف إلى الشام واليمن وسخر لهم الأمن فأصبحوا لا يخافون من سلبهم ونهبهم، لا في سفرهم خارج مكة ولا في وجودهم فيها وبيَّنَ لهم أن هذا بسبب دعاء إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) البقرة: 126.
كما رواه ابن عباس وأخرجه القرطبي في الأحكام 20/209 ونقل أيضا أن الله ألقى في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفن فخافت قريش منهم الحرب، فكانوا يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر، فيشترون الطعام، وقد أمنوا الخوف منهم.
وكذلك أمنهم الله من مرض الجذام لا يصيبهم في بلدهم. قال القرطبي: واللفظ في الآية يعم: أي أنه ولو نزل في شأن قريش وإكرام البيت الحرام، إلا أنه يعم كل من آمن وتوكل على الله يقينا ولم يتواكل، إذ يقول الأصوليون: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال النسفي في مدارك التأويل 4/378 وإنما جاء التنكير في كلمتي جوع وخوف لشدتهما، أي رزقهم الطعام بعد جوع شديد وأمنهم بعد خوف عظيم من أصحاب الفيل وغير ذلك. وقد قيل: إنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، كما أكل أهل الغوطتين في ريف دمشق لحم القطط والكلاب وأكل الناس في ريف حلب وإدلب وحماة ورق الشجر وتخبأوا من مطر السماء تحت شجر الزيتون رأيتهم بعيني أي والله ورآهم معي أحد دكاترة الشريعة من جامعة في هولندا وكان يدعو على الأسد وشبيحته.
قال سيد في الظلال 6/3983: وإن هذا تذكير يثير الخجل في القلوب، أي: ليرجع الناس إلى إيمانهم ويترجموه وقد قال عبد المطلب يومها: (أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه)، دون استنجاد بصنم أو وثن مما يعبدون.
ولكن انحراف الجاهلية لا يقف عند حد معقول: أقول كما هو في زماننا هذا عند الأكثرين. أما الأقلون فقد فازوا في الدنيا والآخرة. وهم يمشون كما سار النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع حلف الفضول لإنصاف المظلومين قبل بعثته وهؤلاء لا يهمهم أن يعينوا لدرء الجوع أو الخوف، فكل شديد وحسب كل بلد وربما كان في سوريا درء الخوف أولى ثم الجوع أو مع بعضهما، ولذا قال الله في آية أخرى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) البقرة: 155.
والحديث الشريف عنه، صلى الله عليه وسلم، كما للبخاري في "الأدب المفرد": "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"، ولعل من هؤلاء القليلين في دولة قطر أحد الإخوة المحسنين، حيث أقام مخيما من خمسين خيمة بكل الحاجات وينوي إكمالها إلى المائة، قلت له: والله التكاليف كبيرة بعد الإنشاء، كذا أو كذا، فأجاب: والله عندما أقرأ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الأنفال: 72 والأخرى: (وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال: 74، أستحيي من نفسي ومن تقصيرها، وهو الذي ذهبت زوجته إلى المفرق بالأردن وحملت بسيارات أخرى مع بعض المحسنين الثياب وسواها فيا طوباهم جميعا.
والله إن صور العجائز والشيوخ والنساء والأطفال مع انهمار المطر في المخيمات أو دونها، ليبكي القلب قبل العين دوما لكل ذي إيمان وضمير. وطبعا أنتم تعرفون أنه يراد من ذلك تهجير أهل السنة، كما في العراق تماما، فالحرب أيديولوجية لمن لم يعد يعرف طبيعتها ولكن إخوانكم صابرون محتسبون يتضرعون إلى المولى - سبحانه - ويسألونه الفرج ويد عون للمحسنين على الدوام. أتدرون لماذا؟ لأنهم عرفوا أنه حتى الأنبياء لم يسلموا من الابتلاء ولا حتى سيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، فاتجهوا إلى السماء، لأن أكثر أهل الأرض خذلوهم، بل تآمروا عليهم، في حين أن اللانظام السوري ومن معه يرتب لهم كل شيء ولا ينقص عن الأسد حتى الاسكريم السويسري ولا أندر المشتهيات، فالمؤامرة الكونية من العالم علينا وما الأسد إلا منفذا أمينا، لتبقى إسرائيل بترفها وأمنها ولتبقى مصالح الروس والمجوس وأمريكا غير منقوصة وهاكم أخ تركي في وسط البلاد يملك إحدى وعشرين صيدلية، لما سمع الحديث عن مأساة القرن. قال: إنني أتبرع وأوقف أرباح ثلاث صيدليات شهريا لشعبنا السوري، فهم المهاجرون ونحن الأنصار، وفعل جزاه الله خيرا. وحتى أردوغان وداوود أوغلو قالاها ويعملان قدر الإمكان على سد الجوع ونرجو أن يعملا أكثر وأكثر على سد الخوف أيضا من هؤلاء - أكابر المجرمين.
وكم يهم الدعم بتجهيز الثوار والتربية والتعليم والتدريب للخبرات كما كان عبد القادر الجيلاني – رحمه الله – يجهز الشاردين من خوف التتار والصليبيين ويدربهم ليلحقوا بالثوار من جديد ويختار أصحاب الخبرة والسياسة والحكمة ليفيد في حربه مع الأعداء.. وهكذا فما زالت الحاضنة الشعبية في الداخل والمهجر مع الثورة والثوار بأكثرها والحمد لله، وهم دوما يستهزئون بأرباب حقوق الإنسان الذين ليس منهم إلا الكلام الفارغ والتصاريح الجوفاء الحمقاء بعدم إدانة اللانظام من روسيا مثلا أو غيرها. ولذلك يقول أرنولد "توينبي" في كتابه (مختصر تاريخ الحضارة) 4/ 196: إن ميثاق الأمم المتحدة الشهير سخيف، لأنه تضمن حق النقض الفيتو الذي تستعمله الدول الخمس الكبرى لإجهاض أي قرار لنصرة المظلوم. فتبينوا يا إخوتي وأعينوا، والله تعالى والأحرار معكم، ولن يتركم أعمالكم.
أوبة الروح ومقام الاتساق
ثمة لحظات في مسيرة الوعي يعود فيها المرء إلى كينونة نفسه عودة المسافر الآيب من مسالك نائية غابت... اقرأ المزيد
57
| 26 مايو 2026
قصيدة الحج والحجيج
دَعا الخَلِيلُ مُؤَذِناً مِن بَعدِ أن كَمَلَ البِناء هيا تعالُوا كبِّروا ولتَغنَموا كَرَمَ العَطاء فاللهُ أكبرُ إذ فَدى... اقرأ المزيد
51
| 26 مايو 2026
مبادرة الأضاحي.. ومعاناة المضحين
تبذل حكومة بلادنا الرشيدة جهودا مقدرة ومشكورة، تثبت من خلالها اهتمامها وحرصها على تقديم أفضل وأجود الخدمات للمواطنين... اقرأ المزيد
138
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1554
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026