رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن متوقعاً أن يتوصل الفلسطينيون في سعيهم إلى المصالحة الوطنية، إلى تفاهم سياسي كامل قبل الشروع في حل ملفات الخلاف، لذلك بقي التناقض بين مساري المصالحة والمفاوضات مع إسرائيل، ليس في إمكان السلطة الفلسطينية، وبالتالي حركة "فتح" اعتبار خيار التفاوض منتهياً، حتى لو كان مجمداً، وليس في إمكان حركة "حماس" اعتبار نفسها معنية بالتفاوض، حتى لو كانت أعلنت موافقتها على مبدأ "المقاومة الشعبية" من دون أن تتخلى عن خيار المقاومة بمختلف الأساليب، أي بما فيها المسلحة.
عندما بدأت الاتصالات لعقد المصالحة، وبعد اتفاق مايو 2011م، في القاهرة ومع تقدم اللجان المختصة في التحضير لهذه المصالحة، كان الجميع يعرفون ولا يزالون أن البحث عن سبل لإحياء المفاوضات سيتواصل ومع ذلك يشتعل السجال بين الطرفين من وقت إلى آخر ضد التفاوض أو معه، ويمكن القول إن هذا الخلاف غير قابل للحل حتى لو شرع الطرفان في تطبيق إجراءات المصالحة.
أن تتمسك كل من "فتح" و"حماس"، بموقفيهما هذا مفهوم، وأن يكون هناك "توزيع أدوار" بينهما فهذا أفضل لكنه ليس كذلك، أما أن يكون هناك خداع للشعب الفلسطيني فهذا لم يعد جائزاً ولا مقبولاً، والشعب يرى أن لديه مصلحة في كلا الخيارين حتى لو أصبح الجمع بينهما صعباً، تحديداً بعد الانقسام الحاصل، وبالأخص بعدما أصبح هذا الانقسام صراعاً على السلطة، ولو كان لهذا الصراع أن يخدم القضية فلا بأس، إلا أنه أمعن في الإساءة إليها، فهو أضعف الفلسطينيين من دون أن يضيف إلى نضالهم ضد الاحتلال، لكنه منح الاحتلال أوراقاً وإمكانات لمزيد من العبث وإثارة الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني.
على طريق المصالحة ينبغي أن يطرح الفلسطينيون الأسئلة الحقيقية والصعبة أكثر مما ينبغي الخوض في تفاوض كما لو أن الأمر يتعلق بخصمين يريد كل منهما تحقيق مصلحته الخاصة على حساب الآخر، مع أن المعادلة بالغة الوضوح معاً يمكن أن يحققا المصلحة الوطنية أو أن يحمياها في أسوأ الأحوال، أما إذا تحرك كل على حدة فهذه وصفة لخسارة وطنية مؤكدة، وحتى مع وجود إرادة حقيقية لدى العدو لإقامة سلام سيكون الانقسام معوقا للحصول على تسوية جيدة ومنصفة، والعكس صحيح أي أن المواجهة مع العدو في ظل الانقسام ستكون مجحفة وغير متكافئة، وهذا ما برهنته وقائع الأعوام الستة الماضية.
لعل أول شروط المصالحة وأصعبها أن "فتح" و"حماس"، محكومتان بالتكامل، وباعتراف كل منهما بما أنجزته الأخرى، أو ما يمكن أن تنجزه في إطار المصلحة الوطنية، فخلال العشرين عاما المنصرمة شهدت القضية الفلسطينية تحولين مهمين: أولهما جنوح العرب إلى خيار السلام وانتفاء استعدادهم للعودة إلى خيار الحرب حتى بعدما تبين الخداع الإسرائيلي-الأمريكي، والثاني هو الانتفاضات والثورات التي أطاحت وتطيح بأنظمة الاستبداد، مع ما خلفته من أوضاع اقتصادية صعبة ومراحل انتقالية صعبة وتبدل عميق في الخريطة السياسية دفع بالإسلاميين إلى السلطة، ورغم أن التحولات الأخيرة تفترض منطقيا أن يكون التغيير في مصلحة القضية الفلسطينية، فإن هذه النتيجة تبقى مجرد احتمال لن يعيد العرب بالضرورة إلى خيار الحرب.
لذلك فمن شأن الفلسطينيين الذين أدركوا بعد التحول الأول انهم مدعوون للاعتماد بنسبة كبيرة على أنفسهم، أن يحسنوا تحليل نتائج التحول الثاني فلا تندفع "حماس"، إلى اعتبار أن الموجة الإسلامية ترجح حظوظها لتسلم السلطة، ولا تبقى "فتح" معتمدة على العناصر التقليدية لقوتها رغم علمها أنها تراجعت وتآكلت، فمثل هذه الذهنية ربما تصلح في دول موجودة وغير واقعة تحت الاحتلال، أما في حال الفلسطينيين فليس المطلوب مزيداً من التسييس أو مزيداً من الأسلمة بل وضع كل طاقات الشعب في خدمة مهمة واحدة: التحرر من الاحتلال.
خلال الأسابيع الماضية، وبالتزامن مع ما سمي "لقاءات استكشافية" عقدت في عمان بين الفلسطينيين والإسرائيليين، برعاية أردنية وفي حضور ممثلين لـ"الرباعية" الدولية، نشب جدل بين رام الله وغزة وبين السلطة وفصائل المعارضة حول جدوى التفاوض من جهة، ومدى تأثيره السلبي على المصالحة من جهة أخرى، طبعاً هناك توجس وخشية دائمان من أن تخضع السلطة لضغوط، ومن أن تنشأ قناة تفاوض سرية، لا شك أن بعض السوابق يبرر ذلك، إلا أن الشروط التي وضعتها السلطة للتفاوض، وعرضتها لعلاقة متوترة مع الولايات المتحدة، باتت واضحة وغير قابلة للمساومة، بل ان السلطة بَنَتْ عليها تحركها نحو مجلس الأمن لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعضويتها في الأمم المتحدة، وهو ما أثار غضباً أمريكياً وإسرائيلياً لاعتزام الفلسطينيين الخروج من أسر الشروط المفروضة عليهم في لعبة التفاوض، وهنا يطرح السؤال: هل لدى "حماس" وسائر الفصائل المعارضة بديل جاهز للمفاوضات أفضل من التحرك الدبلوماسي الذي اتبعته السلطة؟ إذا كان الجواب: نعم، البديل هو العودة إلى المقاومة، أي استخدام السلاح، فهذا يفترض مشاركة الجميع بلا استثناء وعلى أساس ألا يكون الأمر مجرد جولة دموية أخرى يبرهن فيها الإسرائيلي مرة أخرى تفوقه الناري، والإجرامي وهو ما أصبح معروفاً، بل أنه يحقق للإسرائيليين ما يرغبون فيه.
عدا ذلك، كان هناك اقتراح بالفصل بين مساري المصالحة والتفاوض، أي أن المضي إلى المصالحة يجب ألا يعرقل باحتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا إذا كانت هناك إرادة للربط بينهما، لا شك أن الموقع التفاوضي للسلطة يمكن أن يقوى بالدفع المعنوي للمصالحة، كما أن العودة إلى التفاوض على الأسس التي تشترطها يقوي وضعها في صياغة المصالحة، لكن هذه المعادلة لا قيمة لها إذا لم تترجم في نهاية المطاف، بإجماع فلسطيني على أن ما يجري هو في إطار المصلحة الوطنية.
لذلك يفترض ألا تكون المصالحة من أدوات "التكتيك" والمناورة، بل يجب التسريع فيها بمعزل عما يحصل بالنسبة إلى المفاوضات.
بعيداً عن الأوهام، لابد من الاعتراف بأن عناصر خارجية كثيرة باتت متداخلة في مسار المصالحة، فالأمريكيون والإسرائيليون وبعض العرب يعملون على إبطاء المصالحة لئلا تجذب السلطة إلى خيار يحبط كل الجهود لإحياء المفاوضات، كما أن الصراع الدولي-الإيراني يلعب دورا ينعكس بشكل غير مباشر على شروط "حماس"، و"الجهاد"، للمصالحة لئلا تجذبهما مع الفصائل المتحالفة معهما إلى موقع القبول بالمفاوضات ونتائجها.
وبديهي أن هذا التداخل يحول دون الفصل بين المسارين، لكنه يعني أولاً وأخيراً أن الحوار الداخلي الفلسطيني لم يحسم الموقف من المفاوضات، وأن الانقسام لا يزال في مربعه الأول، في المقابل، ينفرد الجانب الإسرائيلي بموقف بالغ الوضوح والوقاحة، فهو لا يريد المفاوضات ولا المصالحة، ويعمل على عرقلتهما، إذ أن واقع الانقسام الفلسطيني يناسب جداً حكومة مجرمي الحرب ولا ترغب في تغييره.
المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة
تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد
111
| 11 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟
ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد
276
| 11 يونيو 2026
الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
60
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2217
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1974
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1044
| 07 يونيو 2026