رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدأ الأسبوع المقبل في العاصمة العمانية مسقط، الدورة الثالثة عشرة لندوة تطور العلوم الفقهية تحت عنوان (المشترك الإنساني والمصالح)، وبحضور عدد من كبار العلماء والباحثين المتخصصين في قضايا الفكر الإسلامي والقضايا الفكرية والحقوقية الإسلامية والدولية، وغيرهم من الباحثين المهتمين في موضوعات الندوة، وستقدم في هذه الندوة الموسعة 68 بحثا في مجالات الشورى، والمساواة، والعدل وفقه حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي، والمواثيق الدولية، إلى جانب فقه المشترك الإنساني، والقواسم المشتركة التي تجمع بين الإسلام والأديان، لاسيما الأديان السماوية، وقد أوضح الدكتور سالم بن هلال الخروصي مستشار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أن مصطلح (المشترك الإنساني) هذه الندوة بأنها القضايا التي "تشتركُ فيها المُجتمعات البشريَّة؛ أيًّا كان موطنها أو عقيدتها أو سياستها، وهذه الأمور تتمثل في: المُساواة، الشورى، والعدل وحقوق الإنسان؛ وهي أمور تحتاجها الإنسانيَّة كلها؛ إذ لا يوجد مُجتمع مدني إلا وتغدو هذه الدعائم ركناً أصيلاً في نظامه؛ لذلك تستعرض هذه الندوة هذه القواسم الأربع؛ من خلال الشريعة الإسلاميَّة والقوانين الدوليَّة، ومُنظمات حقوق الإنسان ـ مضيفا: إنَّ من الأسباب التي دعتْ وزارة الأوقاف والشؤون الدينيَّة إلى طرق هذا الموضوع في ندوتها "تطوُّر العلوم الفقهيَّة" هذا العام؛ ما يُبديه الناس اليوم من تساؤل حول حظ الشعوب من تلك المبادئ، والاختلاف في تفسير تطبيقاتها في واقع المجتمع. والنظرة السطحيَّة لتلك المبادئ، وعدم الإلمام بضوابطها، والتباين في تطبيقاتها بين مُجتمعاتنا الإسلاميَّة والمُجتمعات الغربيَّة، وفهمها لدى مُنظمات حقوق الإنسان، والتعريف بأسبقيَّة هذا الدين الحنيف في إيجاد النظام الدقيق لها وتطبيقاتها في واقع المجتمع المُسلم عبر تاريخه الحافل.
والواقع أن طرح موضوع المشترك الإنساني، يعد موضوع الساعة من حيث مضامين هذه الندوة الموسعة، في ظل الأزمات والصراعات الفكرية والإقصاء والنبذ في عصرنا الراهن، ونقص فهم الرؤية الإسلامية الفكرية والفقهية، عند بعض المنتمين للإسلام للأسف، وقلة بضاعتهم خاصة بعض الشباب الذي يتصدر أحيانا للفتوى، تجاه فهم الأنا والآخر، والرؤى الجدية تجاه المشترك الإنساني تجاه الكثير من القضايا، حتى مع أصحاب الدين الواحد نجد الإقصاء وحتى التكفير!، وتحويل البعض آراء بعض الاجتهادات الفقهية، وكأنها الدين نفسه، مع أن الآراء المذهبية، مدارس للفقه، ليس دينا ضمن النصوص القطعية التي لا يجوز الانتقاء والفرز منها، مع أن علماء العصور السابقة كانوا أكثر تسامحا وتقبلا للاختلاف والتعدد والتنوع في القضايا الاجتهادية، ولعل مقولة الإمام مالك / إمام دار الهجرة، (كل يأخذ منه ويترك، إلا صاحب هذا المقام)، أشار إلى قبره صلى الله عليه وسلم. والإسلام أسس مبادئ العدل والمساواة في الشرع الإسلامي الحنيف، وجعلها مبادئ عامة وعالمية تتجاوز الألوف والألسن والأعراق، ولا تتوقف عند دين الإسلام فقط، بل تتعداه إلى الأديان السماوية وغيرها من الأديان الوضعية، وقد أكدت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير) [ الحجرات: 13 ]. وقال سبحانه وتعالى في العدل والبر: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين) [ الممتحنة: 8 ]. فغير المسلمين من المواطنين لهم ما للمسلمين في الحقوق والواجبات والعدل والمساواة وفق القاعدة النبوية الشهيرة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).
فنصوص الإسلام حول المساواة والعدل بين البشر مسألة ثابتة شرعاً، وحين دخل الإسلام البلدان التي بعض سكانها لا يدينون به نظّم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين بمقتضى عقد يعرف في الفقه والتاريخ باسم عقد "الذمة". والذمة هي العهد والأمان والضمان. هذا هو معناها اللغوي. والذمة في الفقه هي "عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها بشرط بذلهم الجزية وقبول أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية". أما في تلك الشؤون فإن المسلمين مأمورون بتركهم وما يدينون. وقد مضى الزمن بهذا العقد وتطبيقه، والناس ـ مسلمين وغير مسلمين ـ يعيشون في سماحة وتفاهم ومودة شهد بها القاصي والداني، إلى أن دخل الاستعمار العسكري الغربي جل بلاد الإسلام، بل دخل كل بلاده التي تضم المسلمين وغير المسلمين، فانتهى بذلك وجود الدولة الإسلامية التي أبرمت عقد الذمة، ونشأت دولة جديدة، بعد مقاومة استمرت عقوداً من السنين، للمستعمر الأجنبي، شارك فيها المسلمون وغير المسلمين على سواء.
وهذه الضريبة [ الجزية ] لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). والمقصود بها الضريبة التي يؤدونها في مقابل حماية الدولة لأموالهم وأنفسهم وأعراضهم ودينهم من دون أن يتكلفوا حرباً أو يدفعوا لها زكاة، الأمر الذي يجعل لهم امتيازا ضرائبياً وحقاً خاصاً على بقية المواطنين من المسلمين، لا انتقاصا منهم ومن إنسانيتهم، أما مسألة الصغار فإنها تعبير عن الخضوع للسلطة العامة بعد التمرد عليها، إنه كناية عن الاستسلام للقوة تماماً كما هم المسلمون الذين تمردوا على الدولة، فيُفرض عليهم الخضوع لها في تنفيذ القانون ودفع الزكاة وأمثال ذلك. وقد أقر الإسلام لغير المسلمين في الدولة الإسلامية الحرية الدينية وغيرها من الحقوق التي تجعلهم يتساوون مع المواطنين المسلمين فيما عدا الجانب الذي يتصل بالعقيدة.
وتستمد الحرية الدينية لغير المسلمين من آيات القرآن الكريم: (لا إكراه في الدين) [ البقرة: 256] والقاعدة الشرعية التي تقول [ لهم ما لنا وعليهم ما علينا ] تكفل لهم الحرية الدينية على قدم المساواة وفق شريعتهم، ولهم حق ممارسة شعائر دينهم، فلا تهدم لهم كنيسة ولا يكسر لهم صليب، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتركوهم وما يدينون). كما أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام والشراب وغيره من أنواع الأطعمة التي يتناولونها بموجب شرائعهم، كما حمى الإسلام كرامتهم وصان حقوقهم، وجعل لهم الحرية في الجدل والنقاش مع غيرهم من المسلمين في حدود العقل والمنطق والأدب والحوار دون مصادرة أو إقصاء، قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون) [آية العنكبوت، وقال تعالى: (قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد ألا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله) [ آل عمران: 64].. خطوة جيدة أن تقام مثل هذه الندوات المهمة بما تطرحه من بحوث وأوراق في هذه الملتقيات، لعلها تسهم في مراجعة الكثير من الأفكار الإسلامية الأصيلة، الجديرة بالاهتمام والمراجعة للكثير من المقولات والأفهام الخاطئة في واقعنا العربي الإسلامي.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9486
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026