رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ناقشَ مجلسُ الشورى الموقر في جلسته صباح الإثنين 14/5/2018، مقترحاً برغبة مقدَّماً من سعادة السيد أحمد بن عبدالله بن زيد آل محمود رئيس المجلس، حول أوضاع الموظفين المتقاعدين، بالإضافة إلى مدى استيعاب الراغبين منهم في العودة للعمل في أجهزة الدولة، للاستفادة من خبراتهم ومؤهلاتهم في خدمة الوطن.
ولقد رحبّ أعضاء المجلس الموقر بالمقترح، لما يُمكن أن يترتب على تنفيذه من تأثيرات اجتماعية إيجابية ومن فوائد عديدة في بيئة العمل بأجهزة الدولة.
ولقد أشار بعضُ أعضاء مجلس الشورى إلى أن العديد من الكفاءات التي ما زالت في قمة العطاء، والتي تمت إحالتها إلى التقاعد لأسبابٍ تتعلق بتغيّرات في الوزارات وغيرها من المبررات. ويرون أن بعضها كانت تعسفية. كما يرى هؤلاء أن بعض هذه الكفاءات ما زالت في قمة العطاء، لذلك لابد من دراسة هذه القضية بعمق، وبحث كافة الجوانب التي تتعلق بالمتقاعد.( الشرق، 15/5/2018).
بدايةً، نشكر سعادةَ رئيس مجلس الشورى على مبادرته الطيبة، ونشكرُ أعضاءَ مجلس الشورى على ثنائهم على طرح هذا المقترح، لأن هنالك شريحةً ليست بالبسيطة من الموظفين القطريين المؤهلين، والذين صرفت على تعليمهم الدولةُ الملايين، وقد اكتسبوا خبراتٍ طويلة — ما يؤهلهم ليكونوا مستشارين لصفِّ الشباب الذين هُم لهم الحق في تقلّد الوظائف، وفي كافة التخصصات — قد أودِعوا التقاعد بلا سند قانوني، ولا تُهَمٍ تتعلق بالأمانة والشرف، ولا بالتهاون في أداء مهام وظائفهم، الأمر الذي يحتاج إلى سعة الصدر، لمناقشة هذه القضية.
وكما أشار بعضُ أعضاء مجلس الشورى — في التقرير السابق —الى أن التغيّر في هياكل الوزارات، أو تغيّر المديرين أو الوكلاء أو الوزراء، كانت من الأسباب التي أدّت إلى إحالة العديد من الموظفين القطريين إلى التقاعد، وبدون أسباب أو سند قانوني. وعلى العكس من ذلك، توجد حالات لموظفين تم تسريحُهم من العمل لكنهم ما زالوا يحتفظون بكامل رواتبهم ومخصصاتهم وكأنهم على رأس عملهم، وبعد أن تمت ترقيتهم — قبل ذلك — إلى الدرجة الأعلى!؟
كما أن بعض من أُحيلوا إلى التقاعد عُرفوا بالأمانة، وكانت تقاريرُهم ممتازة، ويتمتعون بثقة وزرائهم أو وكلائهم السابقين! إلّا أنهم فوجئوا بإحالتهم إلى التقاعد، وبشكل مُهين، تمثّلَ في خطاب عبر ساعي البريد، دون أن يتجرأ المسؤول، لمقابلتهم، وشُكرِهم على ما قدّموه لبلدهم، بل ودون إعطائهم فرصة للدفاع عن أنفسهم، حيث طُلبَ من بعضهم مغادرة المكتب يوم استلام خطاب الإحالة إلى البند المركزي، وأعتقد أن هؤلاء يحتاجون إلى اعتذار مِمن قام بفصلهم مثل هذا الفصل التعسفي، الذي خالفَ قانونَ الخدمة المدنية، وخالف أعراف قيادة الشعب القطري، والتي دوماً مع إنصاف المواطن وعزّته وكرامته.
كما أن بعضَ مَن أُحيلوا إلى التقاعد يمتلكون مواهبَ وقدراتٍ، لا تتأتى في يوم وليلة، وهم يشكّلون مرجعيةً خبراتية وثقافية تحتاجها المؤسسات، مهما تغيّر الوزير أو الوكيل، أو حتى المدير. وهذا يضّر بمستوى الأداء ويُخفّض الإنتاجية، خصوصاً مع الإتيان بموظفين أو رؤساء أقسام لا يمتلكون خبرة، وللتوِّ تخرّجوا من الجامعة. بل وُجدت حالات — تم التيَّقن منها — في بعض المجالات المتخصصة جداً، تراجَعَ فيها الأداءُ بصورة واضحة، خصوصاً ما تعلّق بالخبرات التراكمية والتمكّن من التخصص، حيث يُدير هذه الأمور بعضُ الموظفين الذين لا خبرة لهم في هذا المجال، ويتجلى ذلك بوضوح في المجال الثقافي، حيث تم ظهور إنتاج ثقافي " مشوّه" نتيجة قلة الخبرة، والاعتماد على موظفين استطاعوا " خطفَ" بعض الإنتاج الثقافي و"غرّبوه" عما يجب أن يكون عليه!، ونستطيع إثبات ذلك عن طريق (تحليل المضمون)!.
كما أن هنالك وظائفُ تعتمد على سِنِّ الموظف، خصوصاً في الوظائف ذات الصفة التراكمية، إذ كلما زاد عُمر الموظف، زادت خبرته وبالتالي أصبح أكثرَ إنتاجية! على الرغم من أن بعض من حَزّ سيفُ التقاعد رقابَهم، لم يتجاوزوا الخمسين أو الثالثة والخمسين من العمر! وهذا بحدّ ذاته مخالفة لقانون الخدمة المدنية، وتوجد حالات لموظفين وافدين اقتربوا من الثمانين وما زالوا على رأس عملهم!؟
تصوّروا معي، إحالة موظف إلى التقاعد، وهو مسؤول عن 12 إنسانا في منزله، ويهوي راتبهُ إلى الثُلث!؟ كيف يتصرف هذا الموظف، وهو قضى خمسة وعشرين أو ثلاثين عاماً في خدمة الوطن، ولم يتفرغ كي يبنى بُرجاً أو بناية، أو حتى يفتح محلَ خياطة، يدعم به دخلهُ الشهري!!؟ كيف سيواجه هذا الموظف الحياة، مع متطلبات 12 إنسانا؟ ناهيك عن الآثار النفسية التي سيُفرزها التقاعد، وأيضاً الآثار الصحية، إذ أصاب بعضَهم مرضُ (السُكريّ) و(الضغط)، فجأة، عندما تسلّموا خطاب الإحالة إلى التقاعد.
والغريب في الأمر، أن غير القطريين يبقون في وظائفهم حتى لو تجاوزوا سنَّ التقاعد الذي ينصّ عليه قانون الخدمة الوطنية، وقد يظلون حتى وفاتهم وهم مُسجّلون على رأس عملهم!؟ كما حصل أنَّ بعضَ من أُنهيت خدماتُهم — في وزارات الدولة — بعد وصولهم سنَّ التقاعد، تغلغلوا في وزارات وهيئات أخرى وبرواتب وبدلاتٍ أكثر!؟ بل وإن بعضهم قد عمل — بالقطعة — في مقر عمله الذي أُنهيت خدماته فيه!؟ أليس من الإنصاف أن يُعامل الموظفُ القطري ذاتَ المعاملة!؟ وهذا سؤال نتركه لمداولات مجلس الشورى الموقر.
إن قطر العز والخير، لا يُمكن أن تسمح لأيِّ مواطن أن يتألم أو يشكو العوز!؟ فنحن في خير وديرة العزِّ في خير. وإذا كان هنالك من تضرَّروا من إجراء تعسُّفي من شخص معين، فلا بد من بحثِ حالاتِهم وتعويضِهم عما لحقَ بهم من أضرار. ولا بد من أن تقوم لجنة متخصصة ببحث الحالات التي تضرَّرت جرّاء الإحالة إلى التقاعد دون مبررٍ ودون سندٍ قانوني، ولربما عبرَ مزاج مُنزلق أو موقفٍ شخصي لم يُدوّن في سجلات رسمية.
هنالك مِمَن أُحيلوا إلى التقاعد، وهم فرحون بذلك، ولديهم مشاريعُ تجارية، وقبلوا الأمر عن طيب خاطر، ونحن لا نتحدث عن هذه الفئة، بل حديثنا هنا عن الفئة التي:
أولاً: لم تكن إحالتها إلى التقاعد قانونية،
وثانياً: انها في قمة عطائها واتزانها العقلي والفيزيائي،
وثالثاً: أنها تمتلك خبرات ومؤهلات ما يجعلها مُنتجة ومُساعِدة للشباب في الاستشارة والتوجيه.
إن إهدارَ الطاقات الخلاّقة والموهوبة بإحالتها إلى التقاعد لا يُمكن أن يخدم البلاد ولا المجتمع، بل يصبحُ هذا المُحالُ إلى التقاعد " عالةً " على أهله، وقد تساورهُ عدةُ هموم تتحولُ إلى أمراض عضوية هو في غنى عنها. كما أن السأم والمللَ الذي ينتجُ عن تلك الإحالة، يجعل الإنسان كارهاً لنفسه وواقعه، غير متفاعل مع هموم مجتمعه وأسرته، وهذا ما نسمية (الاغتراب)!
نحن نأمل أن تُشكل لجنةٌ متخصصة تدرسُ أحوالَ المُحالين إلى التقاعد دون رغبتِهم، وأن تضع هذه اللجنة الحلولَ المناسبة لهؤلاء؛ بعد أن تدرسَ حالاتهم! فأنا أتعجَّب كيف يُمكن أن يُحال دكتور جامعي قطري إلى التقاعد إن لم تكن به علّة أو مرض؟ أو إن لم يكن مخالفاً لقوانين الجامعة أو الكلية؟ أو أن يُحال موظف مشهود له بالكفاءة والموهبة والإنتاجية وهو في وظيفة تحتاج إلى تراكم الخبرات، التي قد يحصل عليها الموظف الجديد بعد خمسة وعشرين عاماً؟! لماذا لا يكون الأولُ مستشاراً في هذه الوزارة؟
مرة أخرى نشكر مجلس الشورى على مبادرته الخيّرة، لأن المتقاعدين يحتاجون إلى تلك المساندة، ولأنهم صامتون، كان لابد لجهة من أن تتحدثَ باسمِهم، ونقل معاناتهم إلى المسؤولين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
11391
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
3930
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3063
| 16 أغسطس 2026