رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فتح تحتل ترتيبا بعيدا عن المقدمة لصالح تنظيمات أقل امتدادا وأقصر عمرا
قرار فصل محمد دحلان من عضوية اللجنة المركزية في حركة فتح الفلسطينية في المحصلة هو قرار تنظيمي فتحوي داخلي والخلاف عليه في المفترض هو أيضا فتحوي داخلي، وفي المفترض أيضا أنه لا يكون موضع اهتمام عام لا داخل فلسطين ولا خارجها لولا تعلقه بحركة فتح الحاكمة في الضفة، وتعلقه بشخصية إشكالية كشخصية محمد دحلان، ولولا المبررات والمسببات التي ذكرت مع القرار والتي تتعلق بداخل فتح وبخارجها.. ولولا أن الخلافات حول كل ذلك وصلت حد رفع السلاح بين المؤيدين والمعارضين للقرار كما حدث في بيت أبو سمهدانة قبل يومين..
أظن أنه لو فصل أبو ماهر غنيم أو أحمد قريع أو أحمد عبد الرحمن أو نبيل شعث أو نبيل عمرو.. إلى آخر هذه الأسماء التاريخية ما كان الاهتمام والاستقطاب حول أمرهم وفصلهم بحجم ما هو ماثل في قضية دحلان ! فمن هو دحلان ؟ ومن أين حصل على كل هذا الوزن والقوة داخل فتح مع حداثة سنه ؟ ولماذا تتعثر حركة فتح كل هذا التعثر في قرار يفترض أنه أكثر بساطة من كل ما يرى عليه ؟ وأقول:
أولا: أما من أين حصل دحلان على كل هذا الامتداد داخل فتح فإن الكلام يطول حول ما يملك من تمويل وكيف يتصرف فيه وعن ارتباطه بعرفات شخصيا وكيف استثمر هو كل ذلك في بناء الولاءات له شخصيا.. ولكن الذي لا يجوز أن يفوتنا هو أمران اثنان تداخلا في خدمة هذه الشخصية الإشكالية وفي مدها في أوصال التنظيم.. الأول قيادته لجهاز الأمن الوقائي في غزة الذي كان العنوان الأبرز لتنظيم الداخل وفق الوظيفة المحددة له في الاتفاقات والتنسيقات مع العدو، والثاني: قيامه بالمهمة وأداؤه المتميز فيها الذي شكل انعطافة في التربية والقيم المعنوية والأخلاقية للجيل الجديد في فتح.. ذلك أرضى عنه الصهاينة والأمريكان ونظما عربية أخرى في ذات الجوقة ورفع مستوى احتياج عرفات له وتقريبه إياه.. (وعرفات كما هو معلوم لم يكن يفرط في أحد مهما كان خلافه معه أو رأيه فيه بدليل أنه حذر كثيرا من دحلان ولكنه حتى آخر لحظة لم يفرط فيه ولم يفصله كما فعل عباس).. السؤال هنا: بم استطاع دحلان استقطاب أو اصطياد جمهرة شباب فتح لجهازه وأيديولوجيته؟ هنا الحديث يأخذ مدى في طبيعة فتح وحصانتها الفكرية التي تترك مساحة واسعة جدا للأفكار والمصالح من الشخصية إلى الحزبية ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومن الأقرب للاحتلال إلى الأبعد عنه.. لكن شيئا كان الأكثر حسما في هذا الاستقطاب هو مميزات جهاز الأمن الوقائي المالية والسيادية وتداخله على كل المؤسسات والتعيينات وما ينتج عن كل ذلك من قوة على الأرض ومن جاه وتسلط..
ثانيا: وأما لماذا تتعثر حركة فتح كل هذا التعثر في قرار فصل دحلان الذي يفترض أن فصله أكثر بساطة مما يرى عليه ؟ فالسبب في نظري فوق أن للرجل – دحلان – مكانته وامتداده والمتضررون من طرده، فوق هذا هو أن الحركة باتت تعاني من علل صارت للأسف مستحكمة وهي تتثبت وتتوطد ولا تزال تعصف بالحركة ويجب على جهة أو أحد ما أن يتصرف حيالها.. وربما هذا هو الأهم من قضية دحلان التي هي عابرة مهما توسعت وكثر اللغط حولها.. ومن ذلك:
1-عندما انطلقت حركة فتح نأت بنفسها عن كل الأحزاب من قومية أو إسلامية أو أيديولوجية وبصرف النظر عن مدى صوابية هذه السياسة إلا أنه أنتجت في المحصلة تنظيما له فرزه وهويته وتقاطعاته مع الاتجاهات التي ليس بالضرورة أن توافقه أو يوافقها على كل شيء لكننا اليوم نراه تداخلا لفتح على الحزبية وولوجا لها من أوسع أبوابها بل من أنتن أبوابها ما يعتبر انقلابا على الأصول وانقطاعا بين الأجيال غير مبرر بل وغير ممنهج وبالتأكيد هو يشكل سببا وجيها لعدم إحساس الأجيال الفتحوية بدف الارتباط وخصوصية التوارث وبالتالي اختلاف زوايا النظر في كل المعطيات والتحديات ! فكم سمعنا متحدثي فتح "حدثاء" الأسنان يتكلمون بلغة أيديولوجية انحيازية فئوية عندما يتعلق الأمر بحماس وصل إلى ترديد شعارات الطائفية والمذهبية واستغلال صلاة الجمعة وحشر المساجد والخطب والخطباء والحج في المعركة وكل ذلك خارج عن سلوك فتح ومناهجها ولا يصنف إلا غرقا في الحزبية وتوظيفا لها وترتيبا للاستعداءات والاستقطابات على أساسها..
2- منظمة فتح كسبت شرعيتها في سنوات الأوج من الثورة والوطنية في أعلى تمثلاتها.. وفي هذا السياق كسبت وصنعت شخصيات ومواقف ذات ثقل معنوي كانت الزاد الروحي والمعرفي الذي اعتاشت عليه لسنين طويلة وربما حتى الآن.. لكنها اليوم تقوم بالتنسيق الأمني مع العدو واستهداف وتتبع المقاومة، وقد تحول رموزها الثوريون إلى رموز لذلك التنسيق والتتبع، أما مشروع الثورة الوطنية فلم يعد يتقدم على المستوى العملي بل ولا على المستوى النظري.. أيضا مشكلتها مع حماس والجهاد وبالجملة مع المقاومة وتياراتها تسببت في تداعيات ومواقف قللت من وجاهتها كحركة وطنية وثورية..
3- يجب رصد متغيرين اثنين طرآ على الحركة بعد الراحل عرفات – يرحمه الله تعالى - وعلى الإخوة في حركة فتح أن يقروا بهما من غير مجادلة فيهما ولا غفلة عنهما لأنه بدون ذلك ستتصاعد المشكلة حدة وتزداد النتائج مفاجأة، أول المتغيرين: أن فتح فقدت الرجل الذي كان يمثل الشخصية المحورية التي شكلت عبر تاريخ القضية الحديث الاستقطاب الأكبر والقدرة على لملمة الموقف الفلسطيني في أسوأ الظروف، والثاني: أن الذين قاموا مكانه كان من الواضح أنهم لم يؤهلوا لقيادة إستراتيجية لشعب عركته التجارب وأنضجته الأحداث ولمواجهة احتلال هو أبشع أنواع الاحتلال الإحلالي التصفوي العنصري.. جاءت هذه القيادة بلا مؤهلات كثيرة ولا مميزات تفضيلية وبعضهم انبعث من موات ولولا غياب عرفات ما كانوا في عير ولا في نفير.. فجأة وجد هؤلاء أنفسهم في منافسة على شغل المنصب الإستراتيجي وملء الفراغ الدستوري أو قريبا منه !!
4- حركة فتح امتلكت التفوق العام على كل الحركات والمنظمات من يسارية وغيرها في ظل عدم وجود المنافس الحقيقي وفي ظل وجود رهانات كانت لا تزال لم تستنفذ (السلام، والثورة، والتمثيل الرسمي غير المختلف عليه..) وفي ظل وجود مؤسسات تنظيمية فاعلة.. لكنها اليوم وبعد وجود التيار الإسلامي ومنافساته الجدية ونجاحاته النوعية وفي ظل عملية تسوية فاشلة وفي ظل تحقيرها الرسمي ومجادلاتها الكثيرة لإدانة المقاومة وفي ظل تعطل مؤسساتها لصالح مؤسسات السلطة.. كل ذلك أفقدها ميزة التفوق وربما جعلها في ترتيب بعيد عن المقدمة لصالح تنظيمات أقل امتدادا وأقصر عمرا..
آخر القول: الحقيقة التي تؤشر عليها هذه القضية أن فتح اليوم في حالة من التبدل تتجاوز دحلان كشخص كان فيها واللجنة المركزية كهيئة داخلها إلى أن تكون محاولة لحصاد سنوات من التبدل وسنوات من التربص وهو ما للأسف ليس لصالح المنهج أو الميثاق الذي انطلقت منه ولا الغاية التي كان يجب أن تنتهي إليها.. بالتأكيد لست في وارد التشكيك في غيرة أبناء فتح وزعمائها عليها.. ولكني في وارد القطع بأنني أمتلك نصحا أسديه لها وتوقعا لما هو أسوأ أخافه عليها..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8913
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026