رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاءتنى مكالمة تليفونية من أحد القراء الشباب الصغار – وهو حفيد أحد أصدقائى – يطلب فيها زيارتى .. وفى الموعد فوجئت به يسألنى عن معنى المصطلح السياسى " الفوضى الخلاقة " .. ولأن صديقى الشاب الصغير هذا من محبى اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم مع محاولاته الدائمة لفهم معانى الكلمات والآيات الكريمة .. ويجد فى ذلك متعة كبيرة ولذة فائقة حتى تكونت لديه حاسة تذوق معانى ما يصادفه من عبارات وجمل عربية .. ولأنه – حسبما قال – أنه يعرف أن الفوضى لابد أن تكون " هدامة " .. فكيف تكون هناك فوضى خلاقة وخاصة أن ذلك يقترن بإسم إحدى أكثر وزراء الخارجية الأمريكية السابقين شهرة وهى السيدة كونداليزا رايس .. واضاف صديقى الشاب أنه لم يستطع أن يتذوق هذا الكلام وبالتالى لم يتمكن من إستيعابه .. وطلب منى المعونة بالرأى .
وفى هذا الصدد أقول لصديقى هذا وللأحباء من القراء أنه كثيرا ما يصادفنا بعض العبارات أثناء قراءة الصحف أو الإستماع إلى وسائل الإعلام ولكننا لا نتوقف أمامها كثيرا .. إما لعدم الإهتمام أو إعتمادا على أن " الأمور سوف تفسر بعضها " حسب التعبيرات الشائعة والمنتشرة بين الشباب فى هذه الأيام .. ولكننى أكبرت هذا النهج فى هذا الصديق الصغير فى السن والذى يتمتع بهذه الصفات التى يندر أن نجدها فى الكثير من الكبار .. وبدأت فى الشرح بقدر ما أسعفتنى به الذاكرة .. فقلت لصديقى الذى جلس أمامى واضعا رأسه على كفيه وهو ينصت بإهتمام بالغ .
ولكى نعرف أصل هذه الفوضى فإننا لابد أن نعود إلى نهايات الدولة العثمانية وتزايد النشاط الصهيونى فى المنطقة بعد عزل السلطان عبد الحميد عام 1908 .. وبسبب تفشى الفساد والرشوة فى الإدارة العثمانية والذى أدى إلى الإنهيار الكامل للدولة العثمانية فى نهاية الحرب العالمية الأولى .. وكان قد سبق ذلك عقد الإتفاقية الشهيرة " سايكس بيكو " بين بريطانيا وفرنسا وبمباركة روسيا القيصرية والتى تنص على تقسيم منطقة " الهلال الخصيب " بحيث تحصل فرنسا على سوريا ولبنان والموصل من العراق وتحصل بريطانيا على باقى بلاد الشام بالإضافة إلى بغداد والبصرة .
ووجدت صديقى الشاب يسألنى عن معنى كلمة " سايكس بيكو " هذه قبل أن نستأنف الحديث .. ولقد كنت أتوقع هذا السؤال على أية حال .. فقلت له أنها مركبة من إسم الدبلوماسى الفرنسى فرانسوا بيكو والدبلوماسى البريطانى مارك سايكس .
وكان كل ما سبق من بنود الإتفاقية يجب أن يظل سرا لأن ذلك سيسير بالتوازى مع التمهيد لقيام دولة يهودية على أرض فلسطين وهو ما سنتناوله الآن ولكن بعد أن نوضح أن الله خيب رجاء أصحاب الإتفاقية أو بالأحرى مؤامرة سايكس بيكو الهدامة وذلك بقيام الثورة البلشفية فى روسيا القيصرية عام 1917 حيث تم نشر بنود المؤامرة المشئومة على الملأ .
أما عن قيام دولة الكيان الصهيونى فقد تواكب ذلك مع زيادة النشاط الصهيونى فى فلسطين بالرغم من أن عدد السكان من اليهود لم يكن يتجاوز خمسة فى المائة .. ومع هذا فقد أعطى بلفور وزير خارجية بريطانيا وعده المعروف بإسمه " وعد بلفور " بتأييد بريطانيا بإنشاء وطن قومى لليهود على أرض فلسطين .. وهو ما ينطبق عليه تماما القول المعروف ب " وعد من لا يملك لمن لا يستحق " .. وكان ذلك قبل شهر واحد من إحتلال بريطانيا لفلسطين .
ولو أننا نظرنا إلى المنطقة العربية فى تلك الفترة لوجدنا نموذج الفوضى فى كل البلاد من شرقها إلى غربها حيث تم إقتسام المنطقة الواقعة شرق المتوسط كما أسلفنا بالإضافة إلى وقوع مصر والسودان تحت الإحتلال البريطانى .. ودول المغرب العربى ( تونس والجزائر والمغرب ) تحت الإحتلال الفرنسى .. وحتى إيطاليا لم تشأ أن تقف موقف المتفرج فقامت بإحتلال ليبيا بموجب معاهدة لوزان عام 1912 .
ولعل ما سبق يفسر ما سبق أن كتبناه فى بداية هذا المقال من أن الفوضى الخلاقة بدأت قبل كوندليزا رايس بسنوات طويلة .. لقد كان التخطيط يهدف إلى تقسيم المنطقة أو بالأحرى تفتيتها حتى يسهل إبتلاعها والسيطرة عليها من كافة النواحى وخاصة الفكرية والإقتصادية .
ونتوقف هنا برهة بناء على إستفسار وتعجب من صديقى القارئ الشاب الصغير .. فقد قال أنه يفهم السيطرة الإقتصادية بنهب الموارد المالية وخاصة البترول ومشتقاته .. فماذا عن السيطرة الفكرية .. ولا أخفى عليكم إعجابى بطرح السؤال عن السيطرة الفكرية والتى تعنى التدخل فى إعادة تشكيل وجدان الشعوب المحتلة عن طريق نواح عدة مثل الأدب والموسيقى والفن بشكل عام فضلا عن فرض الأفكار والبديهيات فى العملية التعليمية وهى من أشد الأسلحة فتكا فى إعادة تشكيل وجدان الشعوب .. وهذا الأمر يستحق منا أن نفرد له مقال خاص .
ولأن الأمة العربية دائما زاخرة بأفضل العناصر البشرية المخلصة والمؤمنة بالله وقضايا الأوطان فقد جاهد الكثير من أبنائها فى سبيل تحريرها والتخلص من تلك السيطرة الإستعمارية فنجد قيام الثورة المصرية يوليو 1952 على يد نفر من أفضل رجال الجيش فى مصر يتقدمهم الضابط الشاب جمال عبد الناصر ومجموعة من الضباط الأحرار ونجحت هذه المجموعة فى إجبار ملك مصر على التنازل عن العرش كما هو معروف .. وكان أفضل ثمرات هذه الثورة هى جلاء آخر جندى بريطانى عن مصر فى 1954 .. كما نجح السودان فى نيل الإستقلال عام 1956 .. وكذلك سوريا فى أبريل 1956 .. وتبعتها لبنان فى ديسمبر من نفس العام .. ولم يتوقف المد الثورى عند هذا الحد بل إمتد إلى دول المغرب العربى لتحصل تونس والمغرب على الإستقلال فى 1956 وتعقبهما الجزائر فى 1962 .. وهنا لابد أن نسوق ما أقره المؤرخون عن دور مصر فى تفجير ثورات العالم العربى فى الخمسينيات والستينيات ضد كل هذه القوى المحتلة حتى رحلت عن الدول التى تحتلها .. فهل كان هذا نهاية المطاف ؟ كلا والله .. لقد قامت تلك القوى الآثمة بتسليح إسرائيل وتقويتها عسكريا .. وكانت نكسة 1967 التى نجم عنها إحتلال سيناء .. وجميعنا يعرف ما أعقب ذلك من إعادة تأهيل الجيش المصرى والذى كان نصر أكتوبر 1973 هى أهم ثماره وما تلا ذلك من إتفاقية السلام التى إستعادت فيها مصر كامل أرضها لتبدأبعد ذلك التفرغ لإعادة بناء الوطن .
ولكن هل كان ذلك كافيا لتتوقف تلك القوى وهذه الدول (بريطانيا وفرنسا ) عن مؤامراتهما .. والإجابة لا .. لا كبيرة .. كيف ؟
لقد عادتا – وهذه المرة بقيادة أمريكية – إلى التدخل الناعم الطويل الأمد وذلك بإنشاء كيانات إرهابية مسلحة تطلق على نفسها أسماء إسلامية مثل القاعدة وداعش وغيرها .. وهى بهذا تهدف إلى إضعاف دول المنطقة واستنزاف قواها ونشر " الفوضى " فى أرجائها .. الفوضى هنا أصبحت مسألة نسبية .. فهى من وجهة نظرهم وبالنسبة لأهدافهم وتحقيقها " فوضى خلاقة " .. تساعد على تحقيق مصالهم .. ولكنها بالنسبة لنا ليست فقط هدامة .. بل ومدمرة أيضا .
وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال حتمى .. لم تطلق هذه الجماعات الإرهابية والممولة من تلك القوى على نفسها أسماء إسلامية ؟ وستكون الإجابة بسيطة وحتمية أيضا .. وهى أنهم يسيطرون على عقول الشباب بالأفكار الناعمة الخاطئة والتى لا تهدف إلا للإساءة لصورة الإسلام أمام العالم وهو هدف عظيم بالنسبة لهم يبذلون من أجله كل غال ونفيس .
وفى هذا الصدد فإننا نسوق ما قاله الحكماء قديما " من يربى الثعابين لا يسلم من لدغها " .. وهذا القول نراه يتحقق على أرض الواقع عندما نرى التفجيرات الإرهابية فى المدن الأوروبية وتحديدا البريطانية منها والفرنسية وهم الذين قاموا بتربية الثعابين الإرهابية لإزعاج وتفتيت الدول العربية والإسلامية وإضعافها ليسهل إبتلاعها .. والأهم من كل هذا – بالنسبة لهم – هو الإساءة للدين الإسلامى نتيجة لما يرتكبه هؤلاء الذين تم غسيل أدمغتهم لتحقيق هذا الهدف .. وهكذا لم يسلم هؤلاء من لدغ الثعابين التى قاموا بتربيتها .
ونتوقف عند هذا الحد آملين أن نكون قد إستطعنا أن نلقى بعض الضوء على ما طلبه منا صديقى القارئ الشاب الصغير المثقف والذى أصبح من الواضح لدينا أن مداركه الذهنية تفوق ما يمكن أن نتوقعه ممن هم فى مثل عمره .
ونأمل أن نلتقى فى موضوع جديد ومقالنا القادم بحول الله .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34572
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
8601
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
7809
| 03 سبتمبر 2026