رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاءتنى مكالمة تليفونية من أحد القراء الشباب الصغار – وهو حفيد أحد أصدقائى – يطلب فيها زيارتى .. وفى الموعد فوجئت به يسألنى عن معنى المصطلح السياسى " الفوضى الخلاقة " .. ولأن صديقى الشاب الصغير هذا من محبى اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم مع محاولاته الدائمة لفهم معانى الكلمات والآيات الكريمة .. ويجد فى ذلك متعة كبيرة ولذة فائقة حتى تكونت لديه حاسة تذوق معانى ما يصادفه من عبارات وجمل عربية .. ولأنه – حسبما قال – أنه يعرف أن الفوضى لابد أن تكون " هدامة " .. فكيف تكون هناك فوضى خلاقة وخاصة أن ذلك يقترن بإسم إحدى أكثر وزراء الخارجية الأمريكية السابقين شهرة وهى السيدة كونداليزا رايس .. واضاف صديقى الشاب أنه لم يستطع أن يتذوق هذا الكلام وبالتالى لم يتمكن من إستيعابه .. وطلب منى المعونة بالرأى .
وفى هذا الصدد أقول لصديقى هذا وللأحباء من القراء أنه كثيرا ما يصادفنا بعض العبارات أثناء قراءة الصحف أو الإستماع إلى وسائل الإعلام ولكننا لا نتوقف أمامها كثيرا .. إما لعدم الإهتمام أو إعتمادا على أن " الأمور سوف تفسر بعضها " حسب التعبيرات الشائعة والمنتشرة بين الشباب فى هذه الأيام .. ولكننى أكبرت هذا النهج فى هذا الصديق الصغير فى السن والذى يتمتع بهذه الصفات التى يندر أن نجدها فى الكثير من الكبار .. وبدأت فى الشرح بقدر ما أسعفتنى به الذاكرة .. فقلت لصديقى الذى جلس أمامى واضعا رأسه على كفيه وهو ينصت بإهتمام بالغ .
ولكى نعرف أصل هذه الفوضى فإننا لابد أن نعود إلى نهايات الدولة العثمانية وتزايد النشاط الصهيونى فى المنطقة بعد عزل السلطان عبد الحميد عام 1908 .. وبسبب تفشى الفساد والرشوة فى الإدارة العثمانية والذى أدى إلى الإنهيار الكامل للدولة العثمانية فى نهاية الحرب العالمية الأولى .. وكان قد سبق ذلك عقد الإتفاقية الشهيرة " سايكس بيكو " بين بريطانيا وفرنسا وبمباركة روسيا القيصرية والتى تنص على تقسيم منطقة " الهلال الخصيب " بحيث تحصل فرنسا على سوريا ولبنان والموصل من العراق وتحصل بريطانيا على باقى بلاد الشام بالإضافة إلى بغداد والبصرة .
ووجدت صديقى الشاب يسألنى عن معنى كلمة " سايكس بيكو " هذه قبل أن نستأنف الحديث .. ولقد كنت أتوقع هذا السؤال على أية حال .. فقلت له أنها مركبة من إسم الدبلوماسى الفرنسى فرانسوا بيكو والدبلوماسى البريطانى مارك سايكس .
وكان كل ما سبق من بنود الإتفاقية يجب أن يظل سرا لأن ذلك سيسير بالتوازى مع التمهيد لقيام دولة يهودية على أرض فلسطين وهو ما سنتناوله الآن ولكن بعد أن نوضح أن الله خيب رجاء أصحاب الإتفاقية أو بالأحرى مؤامرة سايكس بيكو الهدامة وذلك بقيام الثورة البلشفية فى روسيا القيصرية عام 1917 حيث تم نشر بنود المؤامرة المشئومة على الملأ .
أما عن قيام دولة الكيان الصهيونى فقد تواكب ذلك مع زيادة النشاط الصهيونى فى فلسطين بالرغم من أن عدد السكان من اليهود لم يكن يتجاوز خمسة فى المائة .. ومع هذا فقد أعطى بلفور وزير خارجية بريطانيا وعده المعروف بإسمه " وعد بلفور " بتأييد بريطانيا بإنشاء وطن قومى لليهود على أرض فلسطين .. وهو ما ينطبق عليه تماما القول المعروف ب " وعد من لا يملك لمن لا يستحق " .. وكان ذلك قبل شهر واحد من إحتلال بريطانيا لفلسطين .
ولو أننا نظرنا إلى المنطقة العربية فى تلك الفترة لوجدنا نموذج الفوضى فى كل البلاد من شرقها إلى غربها حيث تم إقتسام المنطقة الواقعة شرق المتوسط كما أسلفنا بالإضافة إلى وقوع مصر والسودان تحت الإحتلال البريطانى .. ودول المغرب العربى ( تونس والجزائر والمغرب ) تحت الإحتلال الفرنسى .. وحتى إيطاليا لم تشأ أن تقف موقف المتفرج فقامت بإحتلال ليبيا بموجب معاهدة لوزان عام 1912 .
ولعل ما سبق يفسر ما سبق أن كتبناه فى بداية هذا المقال من أن الفوضى الخلاقة بدأت قبل كوندليزا رايس بسنوات طويلة .. لقد كان التخطيط يهدف إلى تقسيم المنطقة أو بالأحرى تفتيتها حتى يسهل إبتلاعها والسيطرة عليها من كافة النواحى وخاصة الفكرية والإقتصادية .
ونتوقف هنا برهة بناء على إستفسار وتعجب من صديقى القارئ الشاب الصغير .. فقد قال أنه يفهم السيطرة الإقتصادية بنهب الموارد المالية وخاصة البترول ومشتقاته .. فماذا عن السيطرة الفكرية .. ولا أخفى عليكم إعجابى بطرح السؤال عن السيطرة الفكرية والتى تعنى التدخل فى إعادة تشكيل وجدان الشعوب المحتلة عن طريق نواح عدة مثل الأدب والموسيقى والفن بشكل عام فضلا عن فرض الأفكار والبديهيات فى العملية التعليمية وهى من أشد الأسلحة فتكا فى إعادة تشكيل وجدان الشعوب .. وهذا الأمر يستحق منا أن نفرد له مقال خاص .
ولأن الأمة العربية دائما زاخرة بأفضل العناصر البشرية المخلصة والمؤمنة بالله وقضايا الأوطان فقد جاهد الكثير من أبنائها فى سبيل تحريرها والتخلص من تلك السيطرة الإستعمارية فنجد قيام الثورة المصرية يوليو 1952 على يد نفر من أفضل رجال الجيش فى مصر يتقدمهم الضابط الشاب جمال عبد الناصر ومجموعة من الضباط الأحرار ونجحت هذه المجموعة فى إجبار ملك مصر على التنازل عن العرش كما هو معروف .. وكان أفضل ثمرات هذه الثورة هى جلاء آخر جندى بريطانى عن مصر فى 1954 .. كما نجح السودان فى نيل الإستقلال عام 1956 .. وكذلك سوريا فى أبريل 1956 .. وتبعتها لبنان فى ديسمبر من نفس العام .. ولم يتوقف المد الثورى عند هذا الحد بل إمتد إلى دول المغرب العربى لتحصل تونس والمغرب على الإستقلال فى 1956 وتعقبهما الجزائر فى 1962 .. وهنا لابد أن نسوق ما أقره المؤرخون عن دور مصر فى تفجير ثورات العالم العربى فى الخمسينيات والستينيات ضد كل هذه القوى المحتلة حتى رحلت عن الدول التى تحتلها .. فهل كان هذا نهاية المطاف ؟ كلا والله .. لقد قامت تلك القوى الآثمة بتسليح إسرائيل وتقويتها عسكريا .. وكانت نكسة 1967 التى نجم عنها إحتلال سيناء .. وجميعنا يعرف ما أعقب ذلك من إعادة تأهيل الجيش المصرى والذى كان نصر أكتوبر 1973 هى أهم ثماره وما تلا ذلك من إتفاقية السلام التى إستعادت فيها مصر كامل أرضها لتبدأبعد ذلك التفرغ لإعادة بناء الوطن .
ولكن هل كان ذلك كافيا لتتوقف تلك القوى وهذه الدول (بريطانيا وفرنسا ) عن مؤامراتهما .. والإجابة لا .. لا كبيرة .. كيف ؟
لقد عادتا – وهذه المرة بقيادة أمريكية – إلى التدخل الناعم الطويل الأمد وذلك بإنشاء كيانات إرهابية مسلحة تطلق على نفسها أسماء إسلامية مثل القاعدة وداعش وغيرها .. وهى بهذا تهدف إلى إضعاف دول المنطقة واستنزاف قواها ونشر " الفوضى " فى أرجائها .. الفوضى هنا أصبحت مسألة نسبية .. فهى من وجهة نظرهم وبالنسبة لأهدافهم وتحقيقها " فوضى خلاقة " .. تساعد على تحقيق مصالهم .. ولكنها بالنسبة لنا ليست فقط هدامة .. بل ومدمرة أيضا .
وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال حتمى .. لم تطلق هذه الجماعات الإرهابية والممولة من تلك القوى على نفسها أسماء إسلامية ؟ وستكون الإجابة بسيطة وحتمية أيضا .. وهى أنهم يسيطرون على عقول الشباب بالأفكار الناعمة الخاطئة والتى لا تهدف إلا للإساءة لصورة الإسلام أمام العالم وهو هدف عظيم بالنسبة لهم يبذلون من أجله كل غال ونفيس .
وفى هذا الصدد فإننا نسوق ما قاله الحكماء قديما " من يربى الثعابين لا يسلم من لدغها " .. وهذا القول نراه يتحقق على أرض الواقع عندما نرى التفجيرات الإرهابية فى المدن الأوروبية وتحديدا البريطانية منها والفرنسية وهم الذين قاموا بتربية الثعابين الإرهابية لإزعاج وتفتيت الدول العربية والإسلامية وإضعافها ليسهل إبتلاعها .. والأهم من كل هذا – بالنسبة لهم – هو الإساءة للدين الإسلامى نتيجة لما يرتكبه هؤلاء الذين تم غسيل أدمغتهم لتحقيق هذا الهدف .. وهكذا لم يسلم هؤلاء من لدغ الثعابين التى قاموا بتربيتها .
ونتوقف عند هذا الحد آملين أن نكون قد إستطعنا أن نلقى بعض الضوء على ما طلبه منا صديقى القارئ الشاب الصغير المثقف والذى أصبح من الواضح لدينا أن مداركه الذهنية تفوق ما يمكن أن نتوقعه ممن هم فى مثل عمره .
ونأمل أن نلتقى فى موضوع جديد ومقالنا القادم بحول الله .
المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة
تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد
138
| 11 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟
ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد
336
| 11 يونيو 2026
الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
63
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2424
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2280
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1083
| 07 يونيو 2026