رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لدى الاقتصاد السعودي الوسائل المالية اللازمة للتغلب على العديد من التحديات الجارية، وهي التحديات التي تفاقمت وتعمقت في الآونة الأخيرة بسبب الهبوط المطرد لأسعار النفط. فقد وصل سعر برميل النقط لحد 42 دولاراً. تشمل هذه التحديات معضلة العجز المتوقع في الموازنة العامة وانخفاض مؤشر البورصة ومحدودية النمو الاقتصادي والبطالة بين الشباب.
بادئ ذي بدء، يعتقد معهد صناديق الثروة السيادية بأن لدى السعودية ثروة سيادية في حدود 677 مليار دولار، أي رقما ضخما. تمثل هذه الإحصائية والتي تعود لشهر يونيو 2015 تحديدا 9.4 بالمائة من الثروة السيادية، أي المرتبة الرابعة على مستوى العالم.
يأتي ترتيب السعودية في المرتبة الثانية بين الدول العربية بعد الإمارات من حيث الاستحواذ على الثروة السيادية.
إضافة إلى ذلك، تتمتع السعودية بمستوى متقدم من الملاءة المالية من قبل جميع مؤسسات التقييم مثل موديز وستاندرد أند بورز وفيتش. يوفر المستوى المتقدم من التقييم راحة البال للمستثمرين بالنسبة لمستوى المخاطرة عند اقتناء السندات السعودية.
ومع ذلك، اختارت مؤسسة ستاندرد أند بورز ووكالة فيتش تغيير النظرة المستقبلية للاقتصاد السعودي من مستقر إلى سلبي خلال السنة الجارية وذلك على خلفية الهبوط المستمر لأسعار النفط، فضلا عن تعزيز المصروفات العامة.
وكانت مؤسسة ستاندرد أند بورز قد غيرت نظرتها المستقبلية في شهر فبراير، لكن انتظرت وكالة فيتش لشهر أغسطس لاتخاذ قرار من هذا النوع.
في المقابل، تبدو وكالة موديز لخدمات المستثمرين أقل تحفظا فيما يخص توقعاتها عن الاقتصاد السعودي، كل ذلك مع ما يعرف عن الوكالة تشددها عند منح الدرجات.
بمعنى آخر، تواصل موديز الاحتفاظ بنظرة إيجابية بالسنة لاستصدار سندات طويلة الأجل في المملكة.
تعتقد موديز وهي محقة في ذلك، بأن لدى الاقتصاد السعودي قدرة للتعامل مع الهبوط الحالي لأسعار النفط في ظل وجود احتياطٍ لافت، فضلا عن محدودية المديونية العامة وبالتالي حسن ظروف المالية العامة.
فقد شكل الدين العام قرابة 1.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بداية عام 2015.
وربما ترتفع النسبة لحد 6.4 بالمائة حسب تصور وكالة موديز وذلك على خلفية توقع إصدار سندات محلية بقيمة 31 مليار دولار خلال العام الجاري لتمويل العجز بسبب تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات.
بل لا يشكل المستوى الجديد المتوقع للدين العام قلقا بالنظر لمحدوديته في أحسن الأحوال، حيث تبقى أقل من 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
يشار إلى أن السعودية أعدت موازنة 2015 بنفقات قدرها 230 مليار دولار وإيرادات في حدود 191 مليار دولار وبالتالي تسجيل عجز دفتري قدره 39 مليار دولار.
ومع ذلك، من المتوقع على نطاق واسع أن تنتهي السنة المالية بعجز أعلى من المستوى المعتمد وذلك على خلفية تراجع أسعار النفط وبالتالي الإيرادات، طبعا مع ارتفاع حجم النفقات العامة.
يعود تعزيز الإنفاق بشكل جزئي لحاجة السعودية لتمويل الحرب في اليمن، إذ تم إعداد موازنة السنة المالية 2015 قبل اندلاع الأعمال العدائية.
علاوة على ذلك، الأوضاع في سوق الأسهم المحلية ليست على ما يرام في الوقت الحاضر. تشير التقارير الصحفية إلى أن البورصة السعودية خسرت 119 مليار دولار خلال 25 يوما في شهر أغسطس.
يعد الإحصاء ضخما كونه يمثل ثلثي الخسائر التي لحقت بسبعة أسواق للأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي.
يشار إلى أن لدى الإمارات بورصة في كل في من أبو ظبي ودبي.
تعتبر الخسارة، وهي والأسوأ في سبع سنوات، ضخمة كونها تشكل حوالي 52 بالمائة من إجمالي الإنفاق المتوقع للعام المالي الحالي. في الواقع، واجهت البورصة بعض المتاعب قبل التباطؤ الحالي في أسواق المال العالمية وهي الأزمة التي انطلقت من الصين، لكنها انتشرت في الأسواق الأخرى في إطار عصر العولمة.
وكان مؤشر التداول في سوق الأسهم السعودية قد تراجع بنحو 4.5 بالمائة في النصف الأول من العام الجاري، وتعتبر هذه المعضلة حساسة كونها تمس المستثمرين بصورة مباشرة.
وفيما يخص النمو الاقتصادي، يتوقع صندوق النقد الدولي تحقيق معدل نمو فعلي قدره 2.8 بالمائة للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2015، منخفضا من 3.5 بالمائة في 2014. يرتبط هذا التطور بظاهرة هبوط أسعار النفط بالنظر للأهمية النسبية الكبيرة للقطاع النفطي في الشأن الاقتصادي.
يعتبر القطاع النفطي المساهم الأول لإيرادات الخزانة العامة والصادرات ومكونات الناتج المحلي.
مما لا شك فيه، المملكة بحاجة إلى معدل نمو اقتصادي أقوى للتعامل مع تحديات مثل البطالة.
فقد كشف تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي حول التوظيف في الدول العربية بأن معدل البطالة في السعودية يقدر بنحو 5.6 بالمائة أي أقل من الأرقام الرسمية.
لكن هناك مسألة أخرى مقلقة وتحديدا مشكلة البطالة بين الشباب، حيث تزيد على 25 بالمائة وبالتالي الأسوأ بين دول مجلس التعاون الخليجي كما جاء في التقرير.
لدى السعودية المرونة للتعامل مع التحديات الاقتصادية بفضل بعض الحقائق مثل الديون المنخفضة والأصول القوية.
وخيرا فعلت المملكة بالاستفادة من الفوائض المالية التي تحققت في السنوات القليلة الماضية عبر شبه القضاء على المديونية العامة.
وقد كشفت تجربة هبوط أسعار النفط وبالتالي تراجع دخل الخزانة العامة صواب قرار التخلص من أعباء المديونية وبالتالي إفساح المجال للتعامل بأفضل صورة ممكنة مع التحديات الحالية.
كما يساهم حجم الاحتياطي العام في منح المملكة قدرة التكيف مع ظاهرة انخفاض الإيرادات من جهة وتعزيز النفقات من جهة أخرى.
وعلى هذا الأساس، لدى السعودية القدرة اللازمة للتعامل مع التحدي الحالي على الأقل لفترة زمنية تمتد لعدة سنوات.
أيضاً، بمقدور المملكة إصدار سندات محلية لتوفير التمويل متى ما كان ضرورياً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5754
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
4032
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026