رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. ياسر محجوب الحسين

  yasirmahgoub@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

714

د. ياسر محجوب الحسين

(انقلاب) الخرطوم.. الغموض سيد الموقفي

30 نوفمبر 2013 , 12:00ص

الغموض هو العنوان المشترك لما أعلنت عنه السلطات السودانية أول الأسبوع الماضي على اختلاف التسميات؛ سواء كانت محاولة (تخريبية)، أو محاولة انقلابية أو ثورة (تصحيحية).. ارتباك إعلامي محير على المستوى الرسمي بشأن تلكم المحاولة التي اتهم فيها رئيس جهاز المخابرات الوطني السابق الفريق صلاح عبد الله الملقب بـ(قوش) وعدد آخر من العسكريين بلغ عددهم (13) شخصا ينتمون للقوات المسلحة وجهاز الأمن وقوات الدفاع الشعبي، ومنهم العميد الركن في الاستخبارات العسكرية محمد إبراهيم عبد الجليل المعروف باسم "وَد إبراهيم".. هذا الارتباك والغموض زاد الشكوك حول حقيقة الأمر وما إذا كانت المسألة فصلا من فصول تصفية الحسابات بين قيادات المنظومة الحاكمة في الخرطوم.. وزير الإعلام "أحمد بلال" الذي وعد بالحديث عن تفاصيل جديدة في مؤتمر صحفي، تراجع فجأة مخيباً آمال الصحفيين الذين تدافعوا إلى الوزارة في محاولة لاهثة لكشف ذلك الغموض.. كان من الواضح أن الرجل عاجز عن التعاطي مع الحدث، وحتى نكون موضوعيين فإن عجز الرجل ليس أصيلا فيه بقدر ما هو عجز في الجهاز السياسي للدولة الذي يبدو أنه أيضا أصيب بحالة ارتباك مزمنة.. لقد أصبح الإعلام الرسمي في ظل الفقر المعلوماتي أسيراً لنظرية "الصحّاف" الإعلامية، و"محمد سعيد الصّحاف" آخر وزير إعلام في نظام "صدام حسين"، كان مثل (الأراجوز) يثير الشفقة والضحك أحياناً كثيرة والأراجوز كما هو معروف مخلوق مضحك بلا قيمة.. كان "الصحّاف" يتكلم ويتكلم دون معلومات وكان يقفز فوق الحقائق في عصر ثورة الاتصال الفضائي ويكذب ويتحرى الكذب حتى عرفه العالم أنه الكذاب الأوحد.. في مقابل إعلام "الصحّاف" ينشط الإعلام الدولي وهو إعلام مؤثر في الداخل أيضاً بفضل ثورة المعلومات.. وكالة (رويترز) و(الجزيرة نت) تناولا تلك (المحاولة) بتقارير اكتسبت مصداقية كبيرة بسبب فقر المعلومات والغموض من جانب الإعلام الرسمي.. هذه التقارير حملت تحليلات ومعلومات تبدو ذات (مصداقية).. حتى خانة الدفاع التي حُشرت الحكومة السودانية فيها كانت بسبب ذلك التدفق الإعلامي الخارجي، وبدا واضحاً أن إعلام "الصحّاف" الحكومي غير قادر على ملئها.. وكالة (رويترز) للأنباء تقول في تقرير لها مشككة في (المحاولة) بالشكل الذي أعلنت عنه الحكومة: (الاعتقالات كانت تحذيرا آخر للذين قد يفكرون حتى داخل الجيش والأمن والأجهزة والحزب الحاكم أيضا في البحث عن بديل للبشير).. ويمضي التقرير في تحليله قائلاً: (إن هذا صراع على السلطة داخل النظام، وإن الاعتقالات كانت إجراء استباقياً. ومضى التقرير يقول أيضا: (إنه لا يعتقد أن المعتقلين كانوا قد دبروا أي شيء بعد، وإنهم ربما أجروا بعض المكالمات الهاتفية أو عقدوا اجتماعات فحسب)!!. موقع (الجزيرة نت) أيضاً نشر تقريراً جاء فيه: (في حين أن تفاصيل الاعتقالات المرتبطة بالمؤامرة غير واضحة يقول محللون إن سببها ربما كان المخاوف من أن ينظم إسلاميون كانوا موالين من قبل احتجاجات بعد أن تلاشت الآمال في الإصلاح في مؤتمر الخرطوم الأسبوع الماضي، بعد أن نجحت الحكومة في الدفع بمرشحها الوزير السابق "الزبير الحسن" ليكون أمينا عاما للحركة الإسلامية)!!. كذلك تحدث التقرير عن مذكرة باسم مجموعة السائحين قال إنها تدعو الرئيس "البشير" إلى إطلاق من سمتهم (إخواننا وقادتنا "ود إبراهيم" ورفاقه من أبطال القوات المسلحة. وبقية إخواننا المجاهدين) فضلاً عن نقل انتقادات شديدة وجهت إلى وزير الدفاع الفريق أول "عبد الرحيم محمد حسين".. كثيرة هي المحاولات التي سبق أن أعلنت عنها حكومة "البشير" من قبل وانتهت قضية المتهمين فيها إلى لا شيء.. حزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة "حسن الترابي" قال إن المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة "البشير" ادعى عليه ثلاث محاولات انقلابية، ولم يثبت أي واحدة منها.

كان "صلاح قوش" الرجل الذي اعتقل لاتهامه بالتآمر (لإحداث الفوضى) يوماً ما أحد أقوى الشخصيات نفوذاً في دائرة المحيطين بـ"البشير"، وأبعد فجأة من رئاسة جهاز المخابرات الذي يعتبر ثاني أو ثالث أكبر جهاز مخابرات في إفريقيا.. الإبعاد اعتبر (مؤامرة) من بعض القيادات التي تطمح في خلافة "البشير" ويعتبر "قوش" أكبر مهدد لطموحاتهم لما يتمتع به من نفوذ وقدرات أمنية وسياسية.. تعرض "قوش" لإقالة مفاجئة أخرى من منصب مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية وكان قد أنشأ مؤسسة سماها مستشاريه الأمن القومي.. البعض يقول إن مشكلة الرجل أنه (ديناميكي) بقدر كبير ومخلص بدرجة يصعب استيعابها في الملعب السياسي المعقد، إخلاصه يثير شكوك الغير أكثر من أن يزيدهم اطمئنانا.. أدارت المستشارية حوارا شمل (83) حزبا مسجلا في السودان تخلف عن الحوار (6) أحزاب منها الحزب الشيوعي وحزب المؤتمر الشعبي.. ذلك العمل السياسي اعتبره البعض تمددا للرجل وكشفا لقصور الحكومة وعجزها عن تقديم مبادرات سياسية تجاه الأحزاب الأخرى.. عندما أعفي الرجل في المرتين أدى التحية العسكرية وانصرف، فقد أدى مهامه الأمنية في ظروف حساسة وظروف بالغة التعقيد.. المشفقون من قادة الأحزاب الأخرى قالوا وهم تعلوهم حسرة إن أوقف الحزب الحاكم حوارا يديره أحد منسوبيه بهذا الشكل (التعسفي) فكيف يكون الحزب مؤهلا لإدارة حوار مسؤول وجاد مع الأحزاب الأخرى؟! الكل يريد أن يتفق على أن ترسيخ الحوار كوسيلة لمعالجة قضايا الوطن المأزوم بالاختلاف مسألة ملحة ومبدئية.. يبدو أنه بات من المعلوم أن التهديدات التي يمكن أن تؤرق المؤتمر الوطني ليس قيام ثورة شعبية على الأقل في الوقت الراهن ولكن التهديد الماثل هو العجز الكبير في إدارة الاختلاف داخله.

مساحة إعلانية