رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العمل الطوعي في عالمنا العربي ما زال مفهومه مشوّشا يتسم بالمزاجية، ويفتقد إلى الجديّة المطلوبة، والضوابط المنظِمة، ولايملك عناصر الاستدامة.. لذا فإن كثيرا من المبادرات والمشاريع والكيانات تتوقف، أو تتكلّس أو تذبل أو تُختطَف.
وتأسيسا على هذه المقدمة يمكن إيراد عدة ملاحظات حول العمل الطوعي والمبادرات الشبابية التطوعية :
كثير من الشباب ينظر إلى العمل التطوعي كمساحة لملء الفراغ، أو تلبية متطلبات الانتقال من الثانوية للجامعة، أو النجاح في مساق دراسي معين، أو كنوع من " البرستيج" الذي يعزّز الظهور الإعلامي والنجومية، أو كداعم للسيرة الذاتية، وما بُني على خطأ سيقود إلى خطأ أكبر، ويلحق الضرر والتشويه بهذه المبادرات.
كثير من المبادرات التطوعية الشبابية لا تصمد طويلا، لأسباب كثيرة منها أنها ترتبط بمجموعة من المؤسسين الذين يحملون همّها ويتابعونها لحين من الزمن، لكن ما أن تفرض عليهم الظروف الابتعاد عن ميادين هذه المبادرات كالتخرج من الجامعة والسفر لمناطق ودول أخرى حتى تنتهي تماما، ولو أنهم اشتغلوا على مأسستها وتوفير كوادر تحمل الراية من بعدهم لاختلف الوضع .
العديد من المبادرات ينفرط عقدها بسبب " الفورة" التي ترتبط بظرف معين، أو بسبب الحماس نتيجة التأثر اللحظي ، مثل فكّ الحصار عن غزة في فترة من الفترات، ثم تختفي وكأن الحصار قد تم فكّه تماما، أو أن فك الحصار لا يحصل إلا بإدخال المساعدات والطواقم الطبية أو وصول سفن الناشطين، دون التفكير بسبل أخرى ، إن حالت ظروف دون عبور الشاحنات أو وصول القوارب.
ومن أسباب عدم الاستدامة الاختلاف بين المؤسسين والتناحر على مستوى قيادة دفة العمل، وتغوّل أطراف فيها على حساب أطراف بها ، وظهور التكتلات و" الكولسات"، وذلك لغياب اللوائح والقواعد المنظِّمة لسير العمل، والتداول على إدارة المبادرة ، وهو جزء من أمراض الشخصية العربية وطبيعة إدارة مؤسساتها ونظم القيادة وعدم وجود مأسسة فيها ..وغالبا ما ينتهي الأمر بموت المبادرة أو تشظيها أو ضعف مخرجاتها.
ومن أسباب ذلك الفهم الخاطئ بأنّ العمل التطوعي يجب أن يتمّ كاملا بدون مقابل ، من ألفه ليائه، بما في ذلك تسخير وقتك وسيارتك ومعداتك المتاحة لديك وخبراتك ومكتبك وغير ذلك، فيما الحقيقة أن التطوع قد يكون ببعض ذلك وليس كلّه، كما أنه يكون بقدر الاستطاعة كالتطوع بالخبرة أو الجهد فقط، كما يمكن أن ينال الشخص مقابله أجرا، وإن كان مخفّضا عما يُعطى في مواقع أخرى ، أو عما يتقضاه صاحبه في مكان آخر ( مؤسسة تجارية أو حكومية مثلا).
وقد يكون من ضمن الأسباب أيضا عدم وجود فكرة إبداعية خلف هذه المبادرة، وضعف جاذبيتها، وهو ما يؤدي إلى عدم استقطاب متطوّعين في إطارها أو مناصرين لها، وهو مايؤدي إلى اضمحلالها أو موتها بشكل تلقائي.
ويندرج ضمن هذه الأسباب عدم توفر الرعاية أو الدعم لهذه المبادرات أو ندرة ذلك، سواء من المؤسسات والشركات التجاريّة الخاصة في إطار المسؤولية الاجتماعية، أو من الجهات الحكومية ذات العلاقة، أو من المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى.
ولأنّ هذه المبادرات ذات قيمة مهمّة في تكتيل الشباب ومحبّي العمل الطوعي وخدمة المجتمعات التي تنشط فيها.. فإنها مكسب حقيقيّ لدعم جهود التنمية والاستفادة من الطاقات الفتيّة ، لذا فإن موت هذه المبادرات أو تكلسها خسارة للدول والأمم والتجمعات. وأرى أنّ على الحكومات والجهات المحلية والمؤسسات الشبابية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الإنسانية واجب الدفع بتشجيع قيام هذه المبادرات، وتقديم برامج الرعاية والدعم لها، ويمكن أن يتم ذلك إضافة للدعم المادي بتوفير التدريب النظري والعملي وتقديم الاستشارات الفنية وبعض المعدات اللازمة للعمل، وإدماج هذه الطاقات في بعض برامج ومشاريع هذه المؤسسات ولو فترات محددة، أو إشراكهم في الأعمال الميدانية، وتشجيع المتميزين من العاملين في هذه المبادرات بالتوظيف في المؤسسات الحكومية والإنسانية حال الاحتياج .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4449
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4164
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2082
| 07 مايو 2026