رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-أستاذي أرجو الرد أريد أن أسألك عن شيء قاهرني!
-ابنتي الطيبة.. أرسلي ما لديك.
-أنا صحافية أعمل في صحيفة (...) الإلكترونية، وفي خلاف دائم مع زملائي فهم معجبون بشخصية صدام حسين، ويثنون عليه ويترحّمون، بينما موقفي مختلف فقد قرأت للشيخ الراحل (...) -رحمه الله- أن صدام حسين كافر، وأن حزب البعث الذي ينتمي إليه حزب إلحادي أسسه "ميشيل عفلق" في سوريا، وأن من ينتمي إليه فليس من المسلمين، فماذا ترى؟
- بنتي الكريمة أولًا هذا رجل قَدِمَ إلى ربه وغادر الحياة، وأولى بنا أن ننشغل بواقعنا المشهود وتداعيات الأزمات في العراق وغير العراق عن أن ننبش في قبور الأموات ونجعلهم محلًا للصراع والجدل والاختلاف.
إن في واقعنا المشهود اليوم وحياتنا الدؤوبة من قضايا الاختلاف ما يكفينا ويغنينا عن استدعاء الأموات وإعادة محاكمتهم.
وثانيًا: فإن الرجل مرَّ بأحوال وأطوار وانتقل من حاكمٍ مطلق إلى سجينٍ أعزل في قبضة أعدائه، وتعرَّض للضيق والقهر والألم، وهذه هي النار التي تصهر الإنسان وتزيل الكثير من غطرسته وكبريائه، وتعيده إلى أصله وإلى حقيقته، ولعله من خلال هذه المرحلة أثبت صبرًا وجلدًا مشهودًا والتف الحبل على عنقه دون أن ينكسر ثم نطق بالشهادة على رؤوس الأشهاد ورآه الملايين في ذلك الموقف وهو يتلفظ بالشهادتين، و« مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ »، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-.
نحن لا نحاسب الرجل ولا نحاكمه ولا نحكم عليه فبعد محكمة الدنيا ثَمَّ محكمة الآخرة: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49).
نحن لا نحاكم الناس، وليس من حقنا أن نحاكمهم فأمرهم موكول إلى الله، ولكن من حقنا أن ندرس أفعالهم وتصرفاتهم، خاصة تلك الأفعال والتصرفات التي تركت أثرًا مدويًّا وترتب عليها تبعات واستحقاقات قد تكون أضرَّت بوطن أو بشعب أو بأمة، فإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى أفعاله بحق الأكراد، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى الروح الاستبدادية التي كان يحكم بها شعبه بالحديد والنار، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى دخوله على جارته الآمنة الكويت وما ترتب على ذلك من ترويع الآمنين، وخلط الأوراق، وفتح الطريق لتدخلات خارجية لا زالت المنطقة تعاني من آثارها إلى اليوم.
القدرة على التوازن والانضباط وإعطاء كل ذي حق حقه، والفرق بين ما هو شخصي وما هو عام، من أهم ما يحتاجه من نصب نفسه للحكم على شخص أو جهة أو جماعة.
والحكم على الأشخاص بالكفر أمر في غاية العسر والصعوبة، فالأصل فيمن ينطق بالشهادتين أنه مسلم ولا نُخرجه من إسلامه إلا بيقين تام لا ريب فيه، وعند الشك أو التردد أو الاختلاف ينبغي أن نعود إلى الأصل، ولسنا ملزمين بأن نحكم على الناس هنا أو هنا، ولا أن ندخلهم جنة ولا نارًا بل الأَوْلى والأفضل أن ندع أمر الناس لرب الناس، وألا ندخل بين الله وبين عباده بأحكام قطعية على أفراد قَدِموا إلى الله، وعلم الله من أمرهم ما لم نعلم، فالله تعالى يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، والتسرُّع في الكفر على أحياء أو أموات بسبب موقف أو كلمة أو انتماء مما لا يحسن ولا يجمل ولا يجدر ولا يليق، ولم يكلفنا الله تعالى أن نحكم على الخلق بل يكفي أن نتجه إلى الله تعالى بعبادته ومحبته وطاعته وتجنب معاصيه ولا نُقحم أنفسنا فيما ليس لنا به علم.
الحكم على البشر قد يحتاجه أهل العلم الراسخون، الذين يُرجع إليهم في الأمور إذا ترتَّب عليه نتائج، كالتوريث والولاية وغيرها من الأحكام، وهذا إنما يكون إلى القضاة، الذين كلامهم قاطع بين الحق والباطل والخطأ والصواب على الأقل في رأي الناس وفي ظاهر الأمر، فإن القضاء يحسم المختلَف فيه في الدنيا ولا يلزم أن يكون حكم القضاء أيضًا مطابقًا لما عند الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).
وحزب البعث لم يعد له وجود، صحيح هو حزب قومي عربي اشتراكي له تاريخ أسود في سوريا وفي العراق، ويتحمَّل الكثير من التبعات والضَّيْر الذي أصاب الشعوب العربية في هذين البلدين وفي غيرها ولكنه أصبح مطيَّة للطائفية وأصحاب المصالح، ولم يعد لهذا الحزب وجود وانقرض ضمن ما انقرض من الأسماء والشعارات التي سادت ثم بادت يومًا في الوطن العربي.
لقد مرَّ بصدام حسين فترة كادت أن تُجمع الألسنة والأقلام على ذمه وشتمه واتهامه بعد دخوله للكويت.
ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعدما دخلت أمريكا في العراق وأصبح في مواجهة غزو خارجي جعلت الكثيرين يغيرون رأيهم فيه وينصبونه رمزًا للمقاومة ومواجهة المحتل.
ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعد ظهوره من تلك الغرفة الأرضية أمام الكاميرات في العالم حيث بدأت مرحلة السجن ثم المحاكمة، وإعلان هذه المحاكمة في الفضائيات ومتابعة الملايين لها، وخلال ذلك بدأ ناس يلحظون أنه صلب المِرَاس لم ينحن أو ينكسر على رغم زوال الأبهة والسلطة والقوة والجاه من حوله، وهذا الجانب ربما جعل الكثير من الناس يتعاطفون معه على الصعيد الشخصي، ويعتبرونه رمزًا، ومن هنا ومنذ ذلك اليوم كنت ألحظ أن صوره ومقاطعه تنتشر في اليوتيوب وفي الانستجرام والحديث حوله يزيد وتلميع الكثير من الأشخاص الذين مدحوه أو أثنوا عليه أو دافعوا عنه أو احتكوا به في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية والصحافة وغيرها، ولعل ذلك راجع لهذا السبب وهو قدرته على المواجهة والصبر وعدم الانكسار، ولسبب آخر أيضًا وهو أن الكل يدري أنه في تلك المرحلة لم يعد يُشكِّل خطرًا على أحد، ولم تعد لديه القدرة على أن يسيء لأحد، ومن طبيعة الإنسان أن يُغيّر مواقفه في مثل هذه الظروف، وهذا ليس بمعيب، فلا الأشخاص الذين نحكم عليهم خالدون مقيمون سرمديون على ما هم عليه، ولا الظروف من حولنا أو من حولهم باقية ثابتة بل هي متغيرة، ولا نحن أيضًا ثابتون، ولا أحكامنا قطعية ولا نهائية ولذلك فهي قابلة للتغيير، وقابلة أيضًا للتعديل، وقابلة للمحو.
إذن أمامنا ثلاث مستويات:
المستوى الأول: تغيير آرائنا في الأشخاص، بمعنى أننا قد نثني على مَنْ كنا نلوم أو نلوم مَنْ كنا نثني عليه.
المستوى الثاني: التعديل، وهو ألا نُغيِّر الرأي تمامًا ولكننا نعدله ونضيف إليه ليكون أقل حماسًا -على سبيل المثال- أو أقل هجومية دون أن يتغير أصل الرأي.
المستوى الثالث: هو المحو، بمعنى أن نسكت عن هذا الشخص ولا يلزم من السكوت أن نكون مُصرِّين على آرائنا السابقة حياله، ولا أن نكون قد غيَّرنا آراءنا أو عدَّلناها بل اخترنا أن نسكت لأن الظروف تغيَّرت ولسنا نعتقد أننا ملزمون بالآراء التي قلناها عنهم سابقًا، ولا ملزمون بتعديلها أو تبديلها.. فالسكوت موقف في حالات كثيرة.
إن الذين يحتفلون بصور صدام حسين، ومقاطع صدام حسين، وكلمات صدام حسين وينشرونها على نطاق واسع اليوم لا يُقرون بطبيعة الحال الجرائم التي ارتكبها في حق الأكراد أو في حق العراقيين أو في حق أهل الخليج والكويت كلا، ولكنهم مشدودون إلى الجانب الإنساني والموقف الصلب الذي ظهر منه أمام الكاميرات وعلى الشاشات.
إن التاجر إذا أفلس يبحث في دفاتره القديمة، وهؤلاء الشباب ربما عسر عليهم أن يجدوا بطلًا قوميًا يشيدون به فذهبوا إلى أقرب مذكور وأسبغوا عليه من جديد جلباب الصبر والعظمة، واعتبروا أن ما آل إليه العراق من بعده من تفكك وتشتت وسطوة للصفويين وسقوط في أحضان الدولة المجاورة، وحالة من الفلتان الأمني والفساد الاقتصادي والسياسي والإعلامي.. جعلت العراق في ذيل قائمة دول العالم المعروفة في الفساد، جعلهم يرون هذا كله ناتجًا عن غياب صدام حسين.
والذي أراه أن هذه ليست هي الحقيقة كاملة، قد تكون هذه جزءًا من الحقيقة، وربما تكون بعض سياسات صدام حسن التي مارسها واستفرد بها هي أيضًا سبب آخر فيما جرى وفيما يجري، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)، وفي الآية الأخرى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (النساء: 135).
ما أجمل أن نتحلَّى بالتوازن والهدوء والاعتدال والإنصاف حين نجد أنفسنا مضطرين إلى الحديث عن شخص حوله خلاف أو جدل، من الأحياء أو من الأموات، من السياسيين أو العلماء أو المشاهير.. فإن الإنصاف عزيز، وكثير من الناس إما أن ينحاز له أو ينحاز عليه، أما أن يُمسك بالميزان باعتدال ويدع الكفة والكفة الأخرى تحاكم الشخص بعيدًا عن أن يضع إبهامه على طرف إحداهما فهذا أمر في غاية الندرة.
اللهم ألهمنا رشدنا، وارزقنا العدل والإنصاف وتحقيق ما قاله عمار -رضي الله عنه-: (ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ)، والحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8400
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4869
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1083
| 09 أغسطس 2026