رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مَرّت قرابة العشرة أيّام منذ انقضاء بطولة كأس العالم. غادرت أفواجُ الجماهير، وبقي منهم من وقع حُسنُ البلادِ في نفسه موقعًا عميقًا فأراد اكتشاف المزيد من معالمها. رجع المقيمون الذين اضطرتهم الأحوال أن يقضوا إجازة البطولة حيث أهلهم وأحبّاؤهم، واُستؤنفت «الدوامات» بنسبة كاملة مطلع هذا الأسبوع، بعد أن كان العمل في أغلب مؤسسات وأجهزة القطاع العام مقصورًا على حضور ٢٠٪ فقط من الموظفين.
انتشر -والبطولة على مشارف انتهائها- قولٌ يُفيد أن هنالك ما يُسمّى «اكتئاب ما بعد المونديال» يُصيب البلد المنظّم للحدث، وهي حالة نفسية تتلبّس ساكنيّ البلد، تتراوح بين الشوق والحزن بسبب انتهاء فعاليات البطولة، وعودة كل شيء تقريبًا إلى الحالة الطبيعية الروتينية.
الإنسان مطواع لشروط البقاء حيثما كانت، قادرٌ على التكيّف في وعائها. وإنسان الخليج والجزيرة العربية عبر فصول تاريخ الزمن الحديث الذي عاشه تحت ظروف طقسية قاسية، قد استطاع أن يُوجِدَ لنفسه -على الدوام- قُدرة «المُضيّ قُدُمًا». ومما يشجيني -في أحيان كثيرة- ويدعوني إلى التفكّر هو اطّراد العلاقة العكسية التي باتت مشهودة -أقلُّهُ عندي- بين ارتفاع منسوب الرفاه وتدنّي نسبة التأقلم. تبرز هذه العلاقة تحديدًا عند الجيل الشبابي، والجيل الصاعد.
يجد الشاب -بصفة عامة- صعوبة عالية في الخروج من أجواء حدثٍ كرنفالي والرجوع إلى أجواء الروتين الدائم. يشعر وكأنه سجينُ نسق من الأنساق الشعورية، أما لحظة القطيعة التي تفصله عن حالة الشعور المطبقة عليه، فإنها غالبًا ما تمرّ بأطوار من التحرر التدريجي، إلى أن يصل الشاب نفسيا وذهنيا للوضع الطبيعي المستقر. ومن أبرز مظاهر حالة التوق إلى بقاء أجواء الحدث العارمة، وحالة عدم تقبّل حقيقة أن البلاد قد رجعت إلى عهدها هو وصول الإنتاجية عند الفرد الشاب إلى مستوى منخفض. وقد يأخذ هذا المستوى فترة من الوقت -تتفاوت من فرد لآخر- حتى يرتفع إلى المستوى المعهود.
لقد أضاح لنا كأس العالم قطر ٢٠٢٢ عن العديد من الدلالات المتعلقة بإمكانات الدولة وقوّتها، وهي إمكانات ذات طبيعة مختلفة، أما تلك القوة فإنّما تُعبّر عن نموذج خاصٍّ بها. (شهد أن مفهوم القوة -كما هو معلوم- انشطارات عديدة إذ أصبح أوسع بكثير من مجرد القوة المادية/الصلبة).
وفي حين انصرفت أغلب الأبصار التي شاهدت حيثيات البطولة -من أَلَفِها إلى يائها- نحو كفاءة الإدارة وجودة التنظيم وبراعة تصميم الملاعب، قليلة تلك الأعين التي شخصت إلى مآل كل هذه الاستحقاقات من حيث كونها تأكيد فصيح على علوِّ ثقة الدولة بنفسها.
المشاريع الكبرى للدول في عمومها -ولاسيّما تلك المشاريع التي تكون في ساحةٍ تنافسيّةٍ تتسابق فيها الدول إلى نوالِها- ليست مشاريع ذاتَ بُعدٍ خارجيٍ فحسب؛ بل إنّها في الدرجة الأولى مشاريع تحدّي داخلي، تسعى الدول من خلال تحصيلها وتنظيمها إلى إثبات ذاتها.
عندما قررت القيادة في قطر أن تتحدى دولًا كبرى في ملف استضافة كأس العالم ٢٠٢٢، مثّل هذا القرار إثباتًا نظريًّا للذات. وبعدما نجحت الدولة في هذا التفوق النظري، رمت بثقلها نحو الاستعداد للبطولة بشكلٍ ملموس. ومن ثم حققت الدولة كما شهدنا نجاحًا استثنائيًا -بكل الأبعاد والمقاييس- قادها إلى إثبات ذاتها إثباتًا عمليًّا أمام شهود البشرية. بل إن الإثبات العملي للذات القطرية في الساحة الدولية لم يقتصر على استعراض كل تلك القدرات المادية والإعلامية واللوجستية المتنوعة التي حازتها الدولة، إنّما امتد نطاقُهُ ليشمل تقديم الثقافة المحلية وامتداداتها العربية والإسلامية كأبهى ما يكون هذا التقديم.
مما تدوول في قنوات التواصل الاجتماعي -عربيًّا- أن قطر قدّمت للعالمِ دروسًا مجانية في القوة الناعمة؛ والحق أني بتُّ أتحفظ على استخدام مصطلح «القوة الناعمة» لفرط ما اُستخدم من قِبَلِ القاصي والداني، فكأنه قد تحوّل -مع كثرة الاستخدام- إلى مصطلح وصفيٍّ يُراد منه اختزال طيف واسع من الأفعال السياسية البنّاءة المتنوعة في إطارٍ واحد لا غير. وقد أراني أميّز نوعًا جديدًا مختلفًا من القوة الاستراتيجية التي يمكن أن نسمّيها «القوة المُشرقة»، ذلك أن الإشراق لا يمكن حجبه ولا مقاومته. ولأن الإشراق أيضًا ناصع وممتد وفيّاض. شاهدُ الفكرة التي أريد إيصالها بهذا الشأن، هو أن ميدان التفاعلات السياسية يتسع شيئًا فشيئًا حتى لقد يبدو أفسح بكثير من إمكانية تأطيره في مجموعة قليلة من الاصطلاحات.
إنها قطرُ «القوة المشرقة» إذن، التي أشعلت مدارات الكوكب البشري رغم مصاعب الطريق، ورغم بعض الآلام. هي البلاد التي لا نريد لوهجها أن يخفت، ولا لنورها أن يتضاءل، بالتضحية، بالعرق، بالدماء، بكل ما يقتضيه الحال، بأي ثمن ذهني أو روحي، وليُسَمِّهِ المُسمّي ما يشاء.
على أن رايتها الخفّاقة، لسنا نرضى -في الوقت عينه- أن تخفق إلا بالعز والعدالة والإحسان. وعندئذ، هنا، وهناك، وفي كل كور من أكوار الدنيا، ما أكثر ما بُهِتَ المُتربّصون أمام رايةِ البلاد المشرقة، ما أكثر ما نكص المُرجفون على أعقابهم، وبَقيت قطر تعانق «هامَ السحايب والرعود»، كما يقول الشاعر الكبير فالح العجلان.
لقد حرصت الدولة في السنوات السابقة على تأهيل المجتمع تأهيلًا نفسيًّا للبطولة، فضخّت عبر كلّ قنوات التواصل الداخليّة جرعات عالية من أهميتها، حتى خُيّل لدى البعض أنه حدثٌ من «طينة» الأحداث الجذرية. أي تلك الأحداث التي تنقل البلدان نقلةً جديدة، وبكل ما تحمله الجِدّةُ من معنى.
سرت قناعةٌ عميقةٌ في عروق الشعب -خاصّة عند القوى الوطنية العاملة في القطاع العام- نتيجةَ تمحور الكثرة الكاثرة من مشاريع الدولة حول كأس العالم بأنه الحدث الأضخم في تاريخ المكان والإنسان، حتى بدا أن لحظة ما بعد البطولة هي لحظةٌ عصية على التخيّل. وها نحن اليوم قد وصلنا مرحلة «الما بعد» هذه.
وفي الواقع، فإن كأس العالم هو حلقة حيوية في سلسلة نهضتنا المستمرة، وينبغي أن يُنظر إليه على هذا النحو، بل ينبغي أن يعمل القطري كل يومٍ بموجب هذا الاعتبار.
أما الآن، فإن الفرصة قد توانت لاستخلاص القلة القليلة من الأشواك التي صاحبت المنتوج الهائل لثمار هذه البطولة، ودراسة المحصلة الواسعة للمشهد العام بتفاصيله.
آن الأوان لقياس مواطن النجاح وأسبابه، بقدر حاجتنا إلى الوقوف على بعض مكامن القصور الاعتيادية (فهو جهد بشري في الأخير) من أجل تطوير كافة القدرات. ولا يمكن أن تكتمل الاستفادة، وأن تصل إلى أقصى نطاقاتها إلا باستحضار الضرورة في البحث عن ماهيّة الخطوة النوعية الجديدة، المُكمّلة لاستحقاقات المرحلة وطموحاتها. ولو سُئلت ما هي هذه الخطوة الممكنة؟ لأجبت إجابةً مجازية ومقصودة ترتدي لبوس السؤال: لم لا ننظم كأس عالم ثقافي؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2694
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2691
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1218
| 13 مايو 2026