رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تم تسويق فكرة (التعليم الأساس) منتهى السبعينيات ومفتتح الثمانينيات من القرن الماضي، وصدر القانون الخاص بفرض هذا النوع من التعليم عام 1981أفرغ البعض حماسهم في الإشادة بهذا النوع من العليم وكان لي – وقتها - رأي آخر نشرته في جريدة الجمهورية ثم واصلت تفصيله في جريدة كان يصدرها حزب الأحرار اسمها (النور) كان يرأس تحريرها المرحوم الحمزة دعبس. واليوم وقد بدأت التجربة تؤتي ثمارها ظهر لجميع من يعملون في حقل التعليم مرارة تلك الثمار التي أثمرها هذا النوع من التعليم. وكما هو الحال في نقل "شتلات النبات" فإن لكل نبات أرضا تلائمه وطقسا يناسبه وظروفا طبيعية ينمو فيها. وقد كان "شتل" هذا النوع من التعليم في التربة المصرية خطأ فادحاً، وجناية عظيمة الخطر، والعجيب أن الكثيرين من أهل الحل والعقد يعلمون هذه الحقيقة، ويمرون عليها وهم عنها معرضون. وقد كان ذلك لعدة أسباب، أهمها:
➊ المسار الخاص:
طبقا لقانون التعليم الأساس يُحدَد مسار خاص للطلاب الذين ينقلون آليا أي ينتقلون إلى الفرق الأعلى بعد تكرار رسوبهم – وفصول المسار الخاص، الآن، هي مثار تندر المعلمين والموجهين، فالتلميذ في السنة التاسعة من التعليم الأساس أو الثالثة الإعدادية بالتعبير القديم لا يحسن قراءة عناوين الصحف، فكيف يدرس كتبا للعلوم تبحث في تشريح النبات والحيوان؟ وتبحث في الكهرباء والمغناطيسية وتبحث في الكيمياء العضوية وغير العضوية؟ وكيف يدرس كتبا في اللغة تتناول الصرف والمنع من الصرف، والجامد والمشتق والمجرد والمزيد؟ بل كيف يدرس نصا شعرياً يقوم فهمه واستيعابه على قراءته صحيحة، ويطلب منه فهم مواطن الجمال في التعبير الجميل وهو لا يحسن قراءة – لا فهم – التعبير الدارج في الصحف؟
أما إذا قيل إن هؤلاء يمنحون شهادة إتمام الدراسة، فهذا لغو من القول، وكلمة حق أريد بها باطل لأن الحديث عن هذه الشهادة ينقلنا إلى فلسفة هذا التعليم وهو حديث غير شائق.
➋ فلسفة التعليم الأساسي:
وهذا الحديث غير الشائق مرده إلى أن بعض الأهداف التي قيلت في تبرير "شتله" يوم شتلوه في مصر ذهبت إلى أن مد سن الالتزام من 12 سنة إلى 15 سنة من شأنه أن يضمن عدم ارتداد المتم لهذا التعليم إلى صفوف الأميين. والذي حدث الآن يشير إلى تهاوى هذا المبدأ، ففصول المسار الخاص تشهد بأن من فيها أميون بالفعل، بل إنهم شر من الأميين، لأن الأمي بالطبع يعرف أنه أمي، ويتصرف على هذا الأساس، وتقبل منه سلوكياته على أساس أنه أمي، أما من قضى في التعليم بضع سنين فلا هو يعترف بأنه أمي، ولا المجتمع يقبل منه سلوكه على أنه أمي بل يظل، في "منزلة بن المنزلتين" كما يقول المعتزلة.
➌ الجانب العملي:
يتصل أيضا بهذا الحديث وضع الجوانب العملية في مرحلة التعليم الأساسي، سواء أكانت تلك الجوانب ضمن المناهج الدراسية التقليدية (كالعلوم والرياضيات والجغرافيا مثلا) أم كانت ضمن برامج المجالات العلمية.. في كلتا الحالتين لا يدرس التلاميذ دراسة عملية ناجحة لأسباب عديدة منها نقص الإمكانات ومنها ضعف للتلاميذ أنفسهم.
وذات مرة وجدت كتابا في يد ابنتي وكانت حينئذ في السنة السادسة عن المجالات فقالت لي: إن هذا كتاب لا يستخدمونه في المدرسة، ولا مدرس لهذه المادة، ولما تقصيت حول وضع مادة المجالات بصفة عامة استبان لي أنها عبء على التلميذ وعلى المعلم معا. وبذلك يفقد التلميذ في هذا التعليم جزءاً غالبا من وقته، ويفقد المعلم كثيرا من جهده في مادة لا تدرس عليه أن يشغل حصصها بآية أعمال أخرى، وفي النهاية يفقد التعليم الأساس أهم قاعدة يستند إليها وهي قاعدة "التعليم المنتج الذي ينص المهارة اليدوية" وهو كلام عام يصح أن يقال عن كثير من أنواع التعليم.
➍ ثم الحاسوب:
وفيما كان المختصون يبكون على ما آل إليه الحال إذا ببدعة جديدة تخرج بها علينا الصحف، وهي أن القوم جادون في تطوير التعليم، وأنهم يفكرون في إدخال الحاسوب إلى المدارس لأن العصر عصر العلم والعلم يتطلب أن نواكب أحدث "موضة" في مجال التعليم في الغرب عامة، وفي أمريكا خاصة.
ولاشك في أن الاعتراض على الفكرة من حيث هي فكرة، خطأ جسيم، فهي فعلا فكرة طيبة.. أن نطور التعليم. ولكنها خطيئة أن ننفق أموالا – ونحن مدينون- على التجريب. قلت وقتها فيما كتبت: لنكن واقعيين كيف ندخل الحاسوب مدارس لا كهرباء بها؟ كيف نجرب إدخال الحاسوب في بعض مدارس القاهرة مثلا؟ ونحن نعلم مسبقا أن من المستحيل تماماً وأكررها وأؤكدها: من رابع المستحيلات أن يتم تعميم هذه التجربة لعوامل كثيرة.. منها أننا لم نعدّ المعلم حتى الآن، فكيف نستورد الأجهزة فنضيف إلى أعباء مصر عبئا جديداً ثم نكتفي بدورات عاجلة لبعض المعلمين في بعض المدارس في بعض أحياء القاهرة.. ونقف عند هذا وننادي الصحفيين والإعلاميين: هلمّوا... يا حملة الأقلام.. نحن نطور التعليم، نحن نستخدم الحاسوب.. نحن نشكر الظروف! ثم لنكن صادقين: إن كثيراً من مدارس مصر، بصفة خاصة مدارس الريف لا توجد بها مقاعد ولا دورات مياه، وأحيانا توجد بها فصول طائرة أي لا مكان لها، وأحيانا توجد مدارس آيلة للسقوط، وفي حالات كثيرة جداً تكاد تكون عامة، تعمل المدرسة فترتين. فكيف نجد إزاء هذه المشكلات وقتا تخلو فيه إلى أنفسنا، ونفرك أيدينا جذلا وفرحا وترفع حواجبنا بهجة، ونضحك ونصفق في طفولية عبيطة ونقول: هيا إلى الحاسوب. هلموا – أيها المسؤولون- أولادنا القراءة أولا، وبعدها الكتابة الصحيحة وتكونون إذا فعلتم قد أديتم رسالتكم واتقوا الله.. وكونوا مع الصادقين.
رحلة تربوية نحو تعليم أكثر إبداعًا
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
102
| 09 يوليو 2026
القيادة الرقمية.. الإنسان أهم من التكنولوجيا
في عصر يشهد تسارعًا غير مسبوق في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من طريقة عمل... اقرأ المزيد
159
| 09 يوليو 2026
ما نزرعه اليوم... نحصده في شخصية الغد
في ظل انشغال الوالدين بتوفير أفضل سبل الحياة لأبنائنا، قد نغفل عن أمرٍ بالغ الأهمية، وهو أن بناء... اقرأ المزيد
183
| 09 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5340
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
4026
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026