رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلوح في الأفق بوادر أزمة غذائية عالمية أفرزها التغير المناخي، والاحتباس الحراري، ونقص المياه والتصحر والجفاف، والزحف العمراني على الأراضي الخصبة، والتأثيرات السياسية والوضع الراهن في منطقة اليورو التي تحاول الخروج من نفق الديون المتراكمة، أضف إلى ذلك تراكمات الإنفاق الاقتصادي والاجتماعي التي لم تبن على الشفافية.
فقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة من زيادة أسعار الغذاء وتقليص الإنفاق على المنتجات الزراعية التي قد تتمخض عنها مشكلات الفقر والجوع وانتشار الأمراض، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة وتذبذب مؤشراتها بسبب النزاعات الدولية.. هذا الأمر يفاقم المشكلة.. ويؤدي بالكثير من الدول إلى استنزاف مخزوناتها الغذائية، وبالتالي ارتفاع أسعار الحبوب الأساسية كالقمح والأرز والصويا وقصب السكر وغيرها.
ففي الوقت الذي تدرس فيه أوروبا صياغة آلية للخروج من ديونها.. فهي تعقد اجتماعات مع صناع القرار والخبراء لتدارك أزمة الغذاء التي تأتي في ظروف صعبة مع زمن الانهيارات المالية وأحداث الشرق الأوسط وعدم الاستقرار في الأنظمة الاقتصادية لبعض الدول.
وفي تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية تتحدث عن مخاوف تكرار أزمة الغذاء التي وقعت في 2008 وتداعياتها على التكتلات الاقتصادية وليس الفقراء فحسب، إذ رغم جهود المنظمة في النهوض باقتصاد الغذاء قبل أربع سنوات، وكان بإنشاء برنامج للتصدي للأزمة العالمية وتقديم مساعدات لـ"40"مليون شخص في أكثر من "44" بلداً إلا أنّ الوضع الراهن ينذر بكارثة حقيقية إن لم تسارع الجهود الأممية إلى توحيد عمليات الإنقاذ.
وتحدد المنظمة اليوم حاجة أكثر من "37" بلداً نامياً و "20"بلداً أقل نمواً إلى نظام اقتصادي جديد يرتكز على توفير الغذاء من الدول الزراعية والمصنعة بعيداً عن المضاربات السوقية والأرباح والاحتكار.
في رأيي أنّ عالمنا الآن بما يعانيه من تمزقات سياسية واضطرابات اقتصادية ومؤشرات متذبذبة لأسعار الطاقة والغذاء والحبوب يجعل الحلول تأخذ طريقاً صعباً، خاصة أنّ الشرق الأوسط الذي يعتبر سلة غذاء العالم بما تحويه أراضيه من ثروات مائية وزراعية يتأرجح بين الاستقرار والاضطراب.
ولا يخفى على أحد تأثير هذه الأوضاع على أسعار الأسواق المالية واقتصاداتها الغذائية والتنموية والتعدينية والسياحية والزراعية بدرجة كبيرة، لأنّ المناخ الاقتصادي الآمن هو الذي ينوع مصادر الدخل ثم تأتي بعد ذلك الاستراتيجيات التي تبنى عليها.
ولنتحدث عن الأسباب الكامنة وراء نقص الغذاء وهي سوء استغلال الأراضي الزراعية أو الصالحة للزراعة، وسوء أداء الأسواق والتلاعب فيها والمضاربات، والقيود المفروضة على السلع الغذائية، التي زادت من كلفة الإنتاج الزراعي والتصدير وشحن الأغذية وعمليات التصنيع، إلى جانب سياسات التقشف المالية التي تنتهجها الدول أضعفت الدعم الحكومي والمؤسسي للإنتاج الغذائي.
وإزاء تلك المخاوف وضع البنك الدولي لأسعار الأغذية أساسيات للمساعدة تمثلت في إجراء دراسات ميدانية لمعرفة أسباب التقلب في الأسعار، وزيادة عمليات التمويل والاستثمارات في الصناعات الغذائية خصوصا في البلدان التي تتوافر فيها مقومات الزراعة، ووضع استراتيجيات لإدارة المخاطر المالية، وإتاحة الفرص أمام تنمية الصناعة المحلية والسلعية، والتنسيق مع شركاء التنمية لتقديم المساعدات والمنح.
ومن جانب آخر فقد تبنت الهيئة العربية للاستثمار الزراعي مؤخراً خطة استراتيجية لاستثمار "950" مليون دولار في الدول العربية، وإعادة هيكلة الشركات الزراعية القائمة ومنح القروض ورفع رأس المال، لإيجاد منافذ لاستثمارات جديدة حيث ستركز الجهود القادمة على الأنشطة الغذائية التي تحقق عوائد سريعة وقيمة مضافة مثل الدواجن واللحوم والسكر والألبان والأسماك والاستزراع السمكي.
وتشير الهيئة في تقريرها إلى أنها تعتبر أزمة الغذاء من الأولويات، وتؤكد أنه رغم توافر الموارد الطبيعية في المنطقة العربية إلا أنها لم تحقق زيادة إنتاجية لمواجهة الطلب على الغذاء في ظل زيادة سكانية وتوسع في المدن، وذلك لأسباب ضعف البنية التحتية والبيئة الاستشارية والخدمات الزراعية والبحث العلمي.
ونوه أنّ الفجوة الغذائية في الوطن العربي بلغت في 2010 "41" مليار دولار وقد تصل إلى "89" مليار دولار في 2020 وهذا يتطلب استثمارات تقدر ما بين "65 ـ 80" مليار دولار لتقليص الفجوة، وفي المقابل تتيح توقعات ارتفاع معدلات النمو في منطقتنا إلى "6%" بعدما كانت "3%" سنوياً بسبب الاحتياج الحقيقي للاستثمار في الغذاء بعد الربيع العربي آفاقاً للمستثمرين.
على المستوى المحلي فإنّ قطر بدأت جهود تحقيق الاكتفاء الغذائي مبكراً، وذلك بتأسيس شركات للغذاء والمواشي والزراعة، وهي ساعية بجد في إنشاء شراكات عالمية للاستثمار في هذا الجانب، لتتلافى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية التي من المتوقع أن ترتفع بنسبة "60%" خلال السنوات الأربع القادمة.
وما يثير الإعجاب ما أعلنته "حصاد" الغذائية مؤخراً عن مشاريع تبلغ تكلفتها "500"مليون يورو أيّ ما يوازي "626" مليون دولار وإنشاء أسواق جديدة لتلبي الطلب المتزايد على الثروة الحيوانية والزراعية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
1962
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
822
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
687
| 04 فبراير 2026