رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تمض ساعات فقط على سيطرة الجيش على الحكم في مصر، وإعلانه عزل الرئيس المصري محمد مرسي، حتى كان الهاتف يرنّ من القاهرة في محاولة للضغط على الجزيرة من أجل ثنيها عن خطها التحريري.
انتهت المكالمة دون أن تحقق هدف المتصل.. في الدوحة، الجزيرة مصرّة على سياستها التحريرية التي انتهجتها منذ سبعة عشر عاما، وهي ذات السياسة التي سببت لها العديد من المشاكل، وفي القاهرة، بدا أن ثمة العديد من الخطوات ستتخذ.
تم اقتحام مكتب الجزيرة مباشر مصر واقتياد 28 من موظفيه مع مدير القناة إلى قسم شرطة العجوزة، قبل أن يفرج عنهم عدا مدير القناة أيمن جاب الله، كانت التهمة في البداية العمل دون ترخيص، حين أبرز الترخيص، تحولت التهمة إلى بث شريط خطاب مرسي، حين قيل لهم إن الجزيرة مباشر مصر لم تبث الشريط، تم الانتقال إلى تهمة ثالثة تتعلق بتكدير السلم العام وتهديد الأمن القومي قبل أن يطلق سراح جاب الله في اليوم الرابع بكفالة مالية وعدم غلق ملف القضية.
ولم يكن الوضع أفضل حالا بكثير في مكاتب قناة الجزيرة (الأم) فبدلا من إرسال مندوب يحمل أمر إغلاق المكتب، تطلب الأمر أكثر من أربعين جنديا بسلاحهم الآلي، اقتحام المكتب واحتجاز موظفي الجزيرة من الطاقم المناوب في غرفة واحد لأكثر من خمس ساعات قبل الإفراج عنهم واعتقال مهندس البث أحمد حسن، ومصادرة العديد من الأجهزة والكاميرات.
ثم إصدار أمر ضبط وإحضار بحق مدير مكتب الجزيرة في القاهرة عبدالفتاح فايد من قبل النائب العام بذات التهمة "بتكدير السلم العام وتهديد الأمن القومي وبث الفتنة"، والذي تم الإفراج عنه بكفالة أيضا، قبل أن ترفع -لاحقا- ضده قضية أخرى "وهمية" تتعلق بسرقة الجزيرة لمحطات البث الخاصة بالتلفزيون المصري في ميدان رابعة العدوية!
لم يتم الاكتفاء بذلك بحق الزميل فايد فقد قام من يفترض أنهم إعلاميون بطلب مغادرته في بداية المؤتمر الصحفي للقوات المسلحة والشرطة، وإطلاق الشتائم بحق الشبكة، لكنهم أنفسهم صفقوا للمتحدث الرسمي في المؤتمر.
أما فريق قناة الجزيرة الإنجليزية فقد نال نصيبه من الاحتجاز في السويس بعد ذلك بأيام، تلاه اعتقال مصور الجزيرة مباشر محمود بدر وتمديد توقيفه خمسة عشر يوما للمرة الثانية، وتعرض المنتج بنفس القناة محمد فرحات إلى الضرب والطعن في وقت سابق من قبل مجهولين أثناء عودته من عمله في المقطم.
أسفل البناية التي تضم مكاتب الجزيرة بالقاهرة كان عدد من البلطجية قد جاءوا لإكمال المهمة، وعلى الجدران علقوا بعض الملصقات تصف الجزيرة بقناة "الفتنة" واستمروا في حمايتها.
(حتى ساعة كتابة المقال لا أعلم من الذي أيقظ الفتنة في مصر).
وكالة الأسوشيتد برس تلقت الأوامر من السلطات المصرية بقطع إمداد إرسالها من الصور لقناة الجزيرة فقط دون بقية القنوات، وأضحى التنبؤ بمواعيد قيام السلطات المصرية بقطع البث والتشويش على شارة الجزيرة عبر الأقمار الاصطناعية، أصبح معروفا ومتزامنا مع كل تغطية للجزيرة لا يريدون لها أن تصل للرأي العام المصري.
في برامج التوك شو وعلى جدران الفيس بوك اشتعلت حملة أخرى، فقد أطلقت عبارات الشتائم والتخوين بحق كل من يعمل في الجزيرة، بعض البرامج تبرعت لبث استقالات أفراد من طاقم الجزيرة مباشر مصر على الهواء، أحدهم يدعى "وسام فضل" قدم نفسه على صفحته على الفيس بوك أنه مراسل قناة الجزيرة مباشر مصر، كتب استقالته احتجاجا على "كذبها العلني" و "بعدها عن المهنية والاحتراف"، وقد تبين فيما بعد أن الزميل "الوهمي" ليس موظفا في الجزيرة مباشر مصر ولا في أي مؤسسة تابعة للجزيرة.
كان من الواضح إذا أن حملة كراهية ضد الجزيرة يتم تدشينها وتلقى قبولا لدى البعض، أدواتها غير مشروعة، يسمح فيها بتوظيف أي مفردة أو كلمة حساسة لدى فئات من الشعب المصري، وهكذا تم فتح القاموس للمفردات ذات العلاقة بقصة الجزيرة.
الكلمة الأولى بالطبع كانت "قطر"، وإذا كانت قطر بل والجزيرة تقران بصيغة العلاقة التي تجمعهما ماليا عبر ميزانية الشبكة الإعلامية، وهي ذات الصيغة التي تجمع الحكومة البريطانية بهيئة الإذاعة البريطانية، فإن مفردة قطر تأخذ هنا أبعادا أخرى، يتعلق بعضها بنظرة "أم الدنيا" إلى "الأخ الأصغر" والوصف الأخير منسوب للأغنية التي قادها الزميل "باسم يوسف" كـ (مايسترو) في إحدى حلقات برنامجه "البرنامج" والتي تقول كلماتها "قطري حبيبي الأخ الأصغر".
ثمة نظرة إذا -لم تفارق العديد من المتأثرين بمسألة الحجم- ترسخت في اللاوعي عند من تصدروا الحملة ضد الجزيرة، بحكم الفارق بين حجم وتاريخ التجربة الإعلامية المصرية العريقة من جهة وتأثير الجزيرة الواضح رغم حداثتها، فالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عرف بقصة شيقة أثناء زيارته إلى مقر الجزيرة قبل سنوات حين قال بسخرية لاذعة في وصفه للجزيرة "كل ده يطلع من علبة الكبريت دي"، بل حتى إن مفكرا وكاتبا معروفا بحجم الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي أطل عبر شاشة الجزيرة عبر برنامجه "مع هيكل" كان واضحا في انتقاده لتجربة "الجزيرة مباشر مصر"، فقد اعتبرها مسّا بسيادة مصر.
وعليه كان من الواضح أيضا أن الحملة على الجزيرة مباشر مصر، فيها رسالة غير مباشرة للقيادة القطرية الجديدة تحاول جس نبضها بشأن مدى تمسكها بمشروع الجزيرة، وهو ما تأكد في الأيام التالية حين بعثت القيادة القطرية بالتهنئة للرئيس المصري المؤقت، دون أن يؤثر ذلك في فضاء الاستقلالية الممنوح للسياسة التحريرية للجزيرة إزاء التعامل مع الشأن المصري، وهي رسالة قرأت في أوساط الإعلاميين بمزيد من التقدير لسمو الأمير الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على دعمه المتواصل للمشروع الذي بدأه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
المفردة الثانية في قاموس التحريض على الجزيرة كانت بالطبع "القناة ذات هوى إسلامي"، وهي مفردة أصبحت قادرة على استقطاب الانتباه والتوجس -هذه الأيام- بشكل مبالغ، ويستمر ترديد هذا الاتهام والمزاعم ليصل القول إن الإسلاميين يسيطرون ويسيرون دفة القنوات والسياسة التحريرية وأن الشاشة باتت إسلامية الضيوف.
لعل إطلالة على التنوع الذي تزخر به الجزيرة كفيل بالإشارة إلى أنها أكثر مؤسسة إعلامية متنوعة الثقافات والخلفيات فموظفوها الذين يتجاوز عددهم أربعة آلاف موظف ينتشرون في أكثر من ستين دولة ينتمون إلى نحو ثمانية وخمسين جنسية من مختلف الملل والنحل.
إن نظرة سريعة لخريطة العالم بدءا بشمال إفريقيا مرورا بالشرق الأوسط وصولا إلى أفغانستان، من شأنها أن تظهر حجم الوجود الفاعل للحركات الإسلامية وتأثيرها في المشهد السياسي الراهن: رئاسة الحكومة في كل من المغرب وتونس مع الإسلاميين، في ليبيا هم رقم لا يستهان به، في مصر كانت الرئاسة بحوزتهم، في السودان هم في الحكومة والمعارضة، في غزة الحكومة معهم وفي الضفة هم المعارضة الصعبة، في لبنان مشاركون في الحكومة وفاعلون عسكريا على المستوى الإقليمي، في الأردن هم الرقم الأصعب في المعارضة، في سوريا يحققون إنجازا وحضورا واضحين داخل إطار الثورة وخارجه، في العراق مشاركون في الحكومة والمعارضة، مرورا بإيران وصولا إلى أفغانستان.
ما الذي تعنيه القراءة المتعجلة لخريطة مشهد الإسلام السياسي؟ تعني أن الإسلاميين يفرضون أنفسهم كصانع للحدث حاليا، ومن ثم فهم يحجزون بسبب ذلك وقتا أطول على الشاشة خبرا ورأياً. وعليه لم تتحالف الجزيرة مع الإسلاميين أو مع غيرهم بقدر ما وفـّر منبرها مساحة لجميع الآراء بالظهور.
المفردة الثالثة "الجزيرة قناة فتنة تكذب".. في الملصق الذي نشط معارضو الجزيرة في توزيعه، رسمت صورة لشاشة تلفزيونية مع خبر عاجل يقول "ربما رصاصة تفتل إنسانا لكن كاميرة كاذبة تقتل أمة"، وهو افتراض صحيح إذا تم تطبيقه على كل القنوات بما فيها القنوات المصرية والعربية التي اختارت أن ترينا نصف المشهد، بدعوى أن عرض المشهدين يثير الفتنة ويسهم مثل هذا الكذب في تضليل الشعب.
حجة الفتنة التي توقظها الجزيرة سمعناها مرارا من العديد من الأنظمة العربية، بل حتى من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. وتكفي الإشارة هنا إلى تصريحات موفق الربيعي المستشار السابق للأمن القومي بالعراق حول هذا الشأن حين أغلقت السلطات العراقية مكتب الجزيرة في بغداد، بحجة إثارة الفتنة. -للعلم فقط- أعداد من قتل العراقيين في الفترة التي كان فيها المكتب مغلقا أكثر بكثير من الذين قتلوا إبان أن كان المكتب مفتوحا بسبب فتنة الجزيرة.
وإذا ما قررت عزيزي القارئ التوسع أكثر في إسقاط نظرية المؤامرة على دور الجزيرة، ما عليك سوى الولوج عبر الإنترنت إلى موقع "غوغل" والبحث عن كلمات غرار "قناة الجزيرة صهيونية " أو "الجزيرة مشروع أمريكي" أو البحث عن "بعثية الجزيرة" إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. حتما بلا شك ستقفز إليك مئات النتائج إن لم تكن بالآلاف، وهو دليل إضافي على أن المحتوى الذي يصنعه الأفراد والمؤسسات عبر محرك غوغل بات يصنع الصورة، لا الحقيقة أو الشاشة فقط، فشاشة الجزيرة تخبرنا بأن الحكم عليها لا يكون عبر انتقاء مشهد واحد من نشرة أخبار أو برنامج للحكم، بقدر ما ينبغي رسم خط بياني منذ نشأة الجزيرة.
والخط البياني لتغطية الجزيرة تجاه مصر كفيل بأن يخبرنا أن الجزيرة كانت ولا تزال أقرب إلى نبض الشارع المصري وهموم المواطن المصري، كانت أقرب إليه في عهد مبارك حين كشفت التجاوزات والفساد، ووقفت مع طوابير الخبز، ونقلت آهات التعذيب في أقسام الشرطة، وفي الوقت ذاته منحت النظام آنذاك الفرصة للتعبير عن وجهة نظره.
كانت الأقرب إليه في ميدان التحرير، بل لعلها هي التي كانت أول من اتخذ قرارا تحريريا سيسجل في تاريخ الإعلام، بأن تفتح الكاميرا على مدار الساعة على ميدان التحرير، وبسبب ذلك القرار نجا المعتصمون بأعجوبة من تبعات موقعة الجمل، وصمدت الجزيرة في الميدان إلى جانب الملايين رغم كل ما أقدم عليه نظام الرئيس المخلوع آنذاك من تضييق واعتقالات وتنزيل للشارة من على القمر الاصطناعي، ما حدا بأحد المصريين لتلخيص المشهد بقوله: "خليهم يعرفوا إنه الشعب المصري التسعين مليون كلهم مراسلين للجزيرة".
كان ذلك قبل عامين، أما اليوم فإن الهدف واضح، فالمطلوب لدى من يتزعم الحملة ضد الجزيرة هو الانتقام من هذه القناة التي ارتبطت في وجدان الشعب المصري بثورة 25 يناير المجيدة والانتقام لا يتم إلا بضرب أساس هذه العلاقة.
وإذا كان المتحول في هذه العلاقة هو موقف الرأي العام المصري تجاه الجزيرة فإن الثابت هنا أن الجزيرة ظلت تفتح شاشتها ومنبرها لمصر بحراكها وأخبارها، بل ولكفاءاتها.
خلاصة القول لم يكن للجزيرة أي مشكلة مع أي نظام أو جماعة أو حزب، غير أن أي نظام أو جهة لديها مشكلة في وجود الرأي الآخر، فسيكون لديها مشكلة مع الجزيرة "قناة الرأي والرأي الآخر".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2814
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1710
| 30 أكتوبر 2026