رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات alsharq
القرضاوي : التقارب بين المذاهب مضيعة للسنة النبوية

قال فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسملين أنه لم يجد أي فائدة للتقريب بين المذاهب الإسلامية خاصة مع الشيعة .. وقال " إنه كان طول حياته يدعو للتقريب بين المذاهب على أن يأمل أن يتم التقريب بينها وتضيق الفجوة والخلاف " وقطع أنه لا فائدة من التقريب إلا تضييع السنة النبوية . جاء كلام د . القرضاوي أمس خلال جلسة النقاش التي عقدها تلاميذه لمناقشة كتابه القديم " الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد " .. وقال القرضاوي إنه يقوم الآن بتأليف كتاب عن ما اسماه بـ " التكفير الجديد " الذي يصدر من الشيعة الذين وصفهم بأنهم " أناس في غاية التعصب " حيث درجوا على تكفير أوائل الصحابة رضوان الله عليهم أمثال أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان علاوة على سبهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .. الخلافات في الأصول وكان د القرضاوي قال في حوار أجرته معه الشرق مؤخرا أن الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة اختلافات في الأصول وليست مجرد خلافات في الفروع . وقال القرضاوي إن التكفير ليس أمرا سهلا إذ يجب أن نكفر من يستحق التكفير .. وأشار القرضاوي إلى مصطلح الحركة الإسلامية الذي يتداوله أتباعها وملأوا به الدنيا وقال " إن الصحوة الإسلامية أكبر من معنى الحركة الإسلامية بل إن الصحوة الإسلامية هي اضعاف ما يسمى بالحركة الإسلامية . وقال إن كل مسلم داعية بنفسه وليس بالضرورة أن يكون الداعية ينتمي إلى حركة إسلامية أو غيرها ةقال في هذه الاثناءأنه لابد أولا من العلم والتثقيف ثم العمل في مجال الدعوة " واعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " . الأمة تنام لكن لا تموت ومن ناحيته قال الدكتور بسيوني نحيلة الاستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر الذي استهل مناقشة كتاب " الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد " وقال إن قراءة هذا الكتاب مطلوب من كل مسلم يريد خدمة الدين الإسلامي لكون أن أمر الصحوة من الموضوعات التي إهتم بها الدكتور القرضاوي وكتب فيها كتبا كثيرة .ولفت د . بسيوني أن موضوع الصحوة رسالة مهمة لا يقوم بها إلا من جمع بين العلم والخبرة الميدانية في مجال الدعوة والعمل الإسلامي وقال إن القرضاوي أمضى زمنا طويلا في ترشيد الصحوة الإسلامية وجعلها من أولوياته في حياته " وأشار د بسيوني إلى أن الكتاب لفت إلى أن " الحديث عن الصحوة لا يكون بمعزل أو بعيد عن تاريخ الأمة الإسلامية التليد " وجاء في الكتاب " أن هذه الأمة قد تنام ولكنها لا تموت والأمة تعرف أهدافها وغاياتها ولا تجتمع على ضلالة " \ الصحوة ليست حزبية وبين بسيوني أنه من قراءته لكتاب " الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد " خرج بنتيجة مفادها أن الحديث عن الصحوة ما ينبغي أن يكون حزبيا خاضع لجماعة أو حزبية وإنما الصحوة الإسلامية يجب أن تحدث من الإسلام بكل مؤسساته . ولفت إلى أن الكتاب تأصيل يرتقي بالقارئ حينما يناقش الشبهات ويؤصل من القرآن الكريم والسنة النبوية ومن إجماع الأمة .. وقال بسيوني إن الأمر الأهم هو " النقد الذاتي والإنصاف للغير وللتراث . ومن جانبه عرض الدكتور أحمد الريسوني نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين جوانب من كتاب " الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد " وقال إن هذا الأخير تضمن ثلاثة محاور هي " الفقه والصحوة الإسلامية وقضايا الأمة " وقال " إن الصحوة حياة القرضاوي وهو أحد رموزها ..والصحوة ملأت الدنيا وغيرت مجرى التاريخ وصححت تاريخ استئصال الإسلام .. ولفت د الريسوني إلى أن قضية ترشيد الصحوة هي أهم من الصحوة نفسها ومضى إلى القول " إن أفضل دفاع عن الصحوة هو ترشيدها " وتحدث في الجلسة العلمية الداعية الإسلامي الدكتور محمد الحسن الددو مشيدا بالجهود التي بذلها ويبذلها الدكتور القرضاوي في مجال نهج الصحوة الإسلامية .. وقال إن هذه الجهود محل تقدير كبير من قبل العلماء ومن كافة المسلمين داعيا .

2164

| 04 نوفمبر 2015

رمضان 1436 alsharq
القرضاوي: الشعراوي عاش عمره في خدمة العلم واللغة والقرآن والإسلام

الكتاب: "في وداع الأعلام"المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاويالحلقة الـــ26 إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه).ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة.إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!.وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم. في هذه الحلقة يتحدث الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عن الشيخ محمد متولي الشعراوي الإمام العالم الرباني المعلم المفسر ( 1329-1419هـ = 1911- 1998م): في 22 صفر 1419هـ الموافق 17 يونيو1998م توفي أستاذنا وشيخنا (رجل القرآن) وأحد المفسرين الكبار، الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، العالم الرباني، والذواقة الإيماني، وأحد المربين الأفذاذ، الذين نوروا العقول والقلوب برحيق الإيمان، وعِلْم الإسلام، وأحد أعمدة الدعوة، وأحد الرجال الذين حملوا لواء الهداية لهذه الأمة في العصر الحديث.هو أحد الأئمة الذين أخرجهم الأزهر وخرجهم وأنبتهم، وكان له في الحياة المصرية والعربية والإسلامية أثر لا ينسى، ولا يكاد يوجد عربي أو مسلم يعرف العربية إلا والتقى الشيخ الشعراوي في درس من دروسه التفسيرية المتميزة، التي كان الرجل فيها نسيج وحده، في فهم القرآن، وفي اكتشاف جوانبه وجواهره، والاطلاع على حقائقه ودقائقه وإعجازه، بحاسة روحية لا يشاركه فيها أحد.لقد فقدت الأمة الإسلامية بموت الشيخ محمد متولي الشعراوي عَلمًا من أبرز أعلامها، وقطبا من أشهر أقطابها، ونجما من نجوم الهداية في سمائها، ورجلا من رجالات العلم والدعوة الأفذاذ، فقدت رجلًا عاش عمره في خدمة العلم، وخدمة اللغة والأدب، وخدمة القرآن، وخدمة الإسلام، وتوجيه الأمة إلى الخير، وأحد الرموز الذين كان لهم تأثيرهم، لا سيما في السنوات الثلاثين الأخيرة.وموت العلماء لا شك مصيبة على الأمة، خصوصًا إذا تكرر فقدهم واحدًا بعد الآخر، وقد فقدنا في هذه الفترة عددًا من هؤلاء النجوم، فقدنا الشيخ الغزالي، والشيخ خالد محمد خالد، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة.أخشى ما أخشاه: أن يذهب هؤلاء ولا نجد من يسد الثغرة بعدهم، وهو ما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" . وهذه هي الكارثة، الرؤوس الجهال الذين يظهرون هنا وهناك، يتبوأون المناصب، وتكبِّرهم أجهزة الإعلام، وتُضخم من شخصيتهم، ويسألون فيفتون بغير علم، يقولون ما لا يعلمون، لا يلجأون إلى ركن شديد، ولا إلى حصن حصين، فهم يفتون بغير علم، فيَضلِّون ويُضلِّون. وقد قال الشاعر قديمًا بعد أن مات أحد الرجال الأتقياء:لعمرك ما الرزية فقد مال *** ولا فرس يموت ولا بعيرولكن الرزية فقد حر *** يموت بموته خلق كثيرفكيف إذا كان هذا المفقود أحد العلماء الربانيين الذين تركوا وراءهم الكثير من العلم الزاخر، وتراثًا من التفسير الباهر للقرآن الكريم، لقد رحل عنا رجل القرآن، وهو الشيخ الشعراوي، فلا شك أنه كان أحد مفسري القرآن الكبار، وليس كل مَن قرأ القرآن فهمه، ولا كل مَن فهم القرآن غاص في بحاره، وعثر على لآلئه وجواهره، ولا كل من وجد هذه الجواهر استطاع أن يعبر عنها بعبارة بليغة، تقنع العقول، وتحرك القلوب. ولكن الشيخ الشعراوي كان من الذين أوتوا فهم القرآن، ورزقهم الله تعالى من المعرفة بأسراره وأعماقه ما لم يرزق غيره، فله فيه لطائف ولمحات وإشارات، ووقفات ونظرات، استطاع أن يؤثر بها في المجتمع من حوله.وقد عُرِف الشيخ الشعراوي أول ما عرف من خلال برنامج (نور على نور) الذي كان يذاع على التليفزيون المصري، والذي كان يقدمه الإعلامي المتميز الأستاذ أحمد فراج، ويعتبر هو مكتشف الشيخ الشعراوي، الذي لفت الناس إليه، ونبَّه الناس عليه، وعرف بقيمة الشعراوي بطريقته المتميزة، وأسئلته المدروسة العميقة والمتنوعة. القبول في نفوس الناسوقد رُزق الله الشيخ الشعراوي القبول في نفوس الناس، فلا تكاد تفتح تلفازا إلا وجدت الشيخ الشعراوي يفسر القرآن الكريم، ووجدت الناس ينصتون إليه، واستطاع بأسلوبه المتميز، الذي يستخدم الصوت والإشارة والحركة، أن يؤثر في العقول والقلوب، وفي الخاصة والعامة، في المثقفين والمتخصصين وفي الأميين، والقدرة على إقناع الخاصة وإفهام العامة، قلما يؤتاها إلا الرجال الأفذاذ، وقلما يوفق إليها إلا القليلون الذين منحهم الله تعالى من المواهب ما لم يمنح غيرهم.ترك الشيخ الشعراوي القرآن مفسرًا في أشرطة في التليفزيونات العربية، وقد فسر أكثر القرآن. عندما لقيته في شهر رمضان في دبي، في جائزة دبي الدولية لشخصية العام، قال: إنه بقي عليه نحو ثلاثة أجزاء وأقل. وسألت الله تبارك وتعالى أن يمدَّ في عمره حتى ينتهي من هذا التفسير، ويبدو أن القدر لم يمهله حتى ينهيه، وقد كُتب هذا التفسير أيضًا، فمن تلاميذ الشيخ من يقومون بإعداد هذا التفسير، يحذفون المكررات، والكلمات العامية، وبعض ما قد يرى الشيخ حذفه، ثم ينشر جزءًا بعد آخر.كما ترك الشيخ الشعراوي كتبًا أخرى في موضوعات إسلامية، وفتاوى في موضوعات شتى.اتفق الناس مع الشيخ الشعراوي واختلفوا معه، وهذه طبيعة العلم والعلماء لا يمكن أن يوجد عالم يتفق عليه الناس، كل الناس. كما قال الشاعر:ومَن في الناس يرضي كلَّ نفس *** وبين هوى النفوس مدى بعيد؟وقديما قالوا: رضا الناس غاية لا تدرك. والله تعالى يقول: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118، 119]، قال كثير من المفسرين: {وَلِذَلِكَ}، أي للاختلاف خلقهم؛ لأنه حين خلقهم منح كلا منهم حرية العقل، وحرية الإرادة، وما دام لكل منهم عقله الحر، وإرادته الحرة، فلا بد أن يختلفوا، ولقد اختلف الناس من قبل على الرسل والأنبياء واختلفوا على المصلحين والعظماء.وقال عليّ رضي الله عنه: "هلك في اثنان: محب غال ومبغض قالٍ". من القلى وهو الكره، كما قال تعالى لرسوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3]، وهذه طبيعة الحياة والناس. الصوفية الظاهرةكان للشيخ نزعته الروحية الصوفية الظاهرة، وهناك مَن يعادون التصوف. وكان للشيخ آراء معينة في الفقه وفي غيره لا يوافقه عليها الآخرون، مثل رأيه في التبرع بالأعضاء، فكان لا يوافق عليها ولا يجيزها، ويقول: إن الإنسان وجسمه ملك الله، فلا يجوز له أن يتبرع به! وقد شنع بعض الناس على الشيخ في حياته من أجل هذا، ورددت عليهم في كتابي (فتاوى معاصرة) وقلت: إنه لا يجوز الحجر على أي عالم في أن يبدي رأيه، سواء وافقناه أو خالفناه، وأنا أخالف الشيخ ولكن من حقه أن يقول رأيه.وكذلك كان له موقفه الرافض لتحليل فوائد البنوك، وقد كتب الشيخ الشعراوي تصديرا لكتابي (فوائد البنوك هي الربا الحرام)، قال فيه: (جزى الله خيراً بقية علماء المسلمين، الذين يغارون على فقه دينهم ويحاولون جاهدين أن يوظفوا الإسلام المعطل في البلاد التي تنسب إلى الإسلام.).وكان الشيخ مسالمًا لا يرضى بمواجهة الحكام، ويأخذ الأمور بالأناة والتدرج، وهناك أناس يريدون أن يأخذوا كل شيء بالقوة وبالمواجهة، فلابد أن يخالفوا الشيخ رحمه الله. ولكن مهما اختلف الناس مع الشيخ الشعراوي، فلا يمكن أن يختلفوا في قيمته، وفي قدره، وفي دوره في الدعوة إلى الله، وفي مخاطبة الناس بلغة عصرهم، باللغة التي يفهمونها. وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم:4].ومما اغضب الناس على الشيخ الشعراوي تلك الفترة التي ولي فيها وزارة الأوقاف، وكما قال الشاعر قديمًا:إن نصف الناس أعداء لَمن ولي الأحكام هذا إن عدلوالناس حساسون في هذه القضايا، خصوصًا في عصرنا الذي استبدَّ فيه المستبدون، فمَن عمل مع هؤلاء حمل معهم أوزارهم.ومما أختلف فيه مع الشيخ الشعراوي رحمه الله، رأيه بأن الشورى معلمة وليست ملزمة، وقد رددت على هذا الرأي في أكثر من كتاب لي .ومما اختلفت معه فيه أيضا وكذلك مع شيخنا الشيخ عبد المعز عبد الستار وغيرهما، تفسيره لبدايات سورة الإسراء، وأن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة، وأن إفسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك الدماء، وغيرها. ورأيي أن هذا التفسير ضعيف لأوجه ذكرتها، وأن الأفسادتين وقعتا، كما أجمع على ذلك المفسرون، وأن إفساد بني إسرائيل الحالي يصدق فيه قول الله تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8].ومن المواقف المذكورة للشيخ الشعراوي، موقفه من النكبة، فقد اعتبرها منحة من الله تستحق السجود شكرا، لأن الناس فتنوا بالطغاة، وكادوا يعبدونهم ويقدسونهم، فأراد الله أن يريهم إن هؤلاء ليسوا شيئا، وأن يعيد الأمة إلى ربها، وترجع إلى دينها، فهذا أفضل من أي انتصار مؤقت! الشعراوي أستاذي:ولقد عَرفتَ الشيخ الشعراوي وأنا طالب في المرحلة الثانوية، فقد درّسنا حينما جاءنا مدرسًا للبلاغة في المعهد الأحمدي بطنطا، وهو معهده الذي تخرج فيه، وتسامعنا نحن الطلاب أن قد جاء الشيخ الشعراوي، وهو مدرس عظيم، وشاعر عظيم، أما تدريسه، فقد كان فعلًا مدرسًا جذابًا، وكان يدرس البلاغة والأدب، كان يستطيع أن يوصل المعلومة إلى طلابه، بطريقته بالإشارة والحركة وضرب الأمثلة وغير ذلك.كان الشيخ الشعراوي يُبَسّط المفاهيم الكبيرة لعموم الناس، سمعته ذات مرة في محاضرة وقد سُئل سؤالا معقدا عن نظرية التربية في الإسلام؟ فقال: لا توجد نظرية، ما هو مطلوب منك: أن تكون قدوة لابنك، قد تعلمه عشرين درسًا ألا يكذب، ثم تكذب أمامه ذات مرة، فتنسف كل ما علَّمته، فالقدوة مسألة ضرورية في التربية.درسني الشيخ الشعراوي البلاغة وأنا في الرابعة الثانوية، وكان يدرسنا علم البيان في مادة البلاغة، فقد كان طلاب السنة الثالثة يدرسون علم المعاني، ونحن ندرس علم البيان، من تشبيه واستعارة ومجاز وكناية، وكنا مقبلين عليه بشغف، ولكن يبدو أن الشيخ معبأ ضدي أنا والعسال، وبعض طلاب الإخوان. كنا نعرف أن الشيخ متحمس لحزب الوفد، وكان معظم طلاب المعهد ضد الوفد، وكان الشيخ أُفهم أن طلاب الإخوان يعملون ضده، ولذلك حين سألته سؤالا في المجاز المرسل، وظن الشيخ أني أتحداه فقال لي: اسمع يا يوسف، إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا! قلت له: سامحك الله يا شيخنا، والله ما أردت إلا الاستفهام.ولكن الشيخ حين صحح ورقتي آخر العام أعطاني العلامة الكاملة.وفي السنة التالية اعتقلنا وغبنا عنه، ولم يرني إلا بعد عدة سنوات، كان هو نازلا من - الأتوبيس - الحافلة وكنت أتهيأ لركوبه، فرأيته، فسلمت عليه وحييته، وعانقته وعانقني، وأظهر لي شوقه، وقال: أنا أسأل عنك، وأتتبع أخبارك، وعلمت أنك سافرت إلى قطر، وأنك محبوب هناك، والله يفتح عليك. ودعا لي كثيرا، وكان هو في الجزائر في ذلك الوقت.وأما شعره فكان شعرًا مطبوعًا، وكان شاعرًا مبدعًا، وأذكر له قصيدة لا أذكر مطلعها، وإنما أذكر آخرها وكانت قصيدة رائعة، قالها في ذكرى الهجرة النبوية في معهد طنطا، قال:كل دنيا تبنى على غير دين فبناء على شفير هاريوقد ذكَّرته بهذا البيت عندما لقيته في شهر رمضان في دبي، وقد حضرت الاحتفال بتكريمه في دبي، حينما دعتني لجنة الجائزة الدولية لجائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي للقرآن الكريم ولتكريم الشخصيات الإسلامية، وكان الشيخ الشعراوي هو الشخصية الإسلامية الأولى. وذلك لعام 1418ه، ولما دعوني لحفل التكريم قلت لهم: إن من حقِّ الشيخ الشعراوي عليَّ أن احضر الاحتفال بتكريمه. وقد ألقيت كلمة في تكريمه، وسُر الشيخ حينما رآني أبلغ السرور، وفرح وارتاح لمجيئي، ودعا لي كثيرًا حين عرف أني جئتُ لأشارك في تكريمه، وهو أهل أن يكرَّم، والمفروض فينا نحن المسلمين أن نكرم علماءنا الأفذاذ، من أمثال الشعراوي والغزالي وغيرهما.جلست مع الشيخ الشعراوي جلسة طويلة، كانت حبيبة إلى قلبي، بثثته فيها حبى له، وإعزازي لعلمه، وتقديري لفضله، وأني حين سألته في معهد طنطا لم أكن والله اتحداه، بل أتعلم منه. وقد أخبرني أن مشايخ طنطا المعروفين من أمثال فلان وفلان، قد أخبروني أن طلاب الإخوان يتربصون بك، ومنهم القرضاوي والعسال ومن معهما.فأحذرهم، وصدقنا هذا الكلام، وكان غلطا والله يسامحنا، ولقد سألت عنك من بعدها وتثبت أخبارك، وسرني ما وصلت إليه في أنحاء العالم، والحمد لله.أُعطي الشيخ الشعراوي أوسمة وجوائز شتى، من مصر، ومن دبي، ومن غيرهما، ولكن أعظم وسام على صدره، وأعظم جائزة له: هي حب الناس وقبولهم.

3571

| 12 يوليو 2015